المحاصصة الأسرية وأثرها في تشكيل القيم الاجتماعية (2)
هبة مجد الدين صباهي
المحاصصة الأسرية وأثرها في تشكيل القيم الاجتماعية (2)
بقلم: هبة مجد الدين صباهي
استكمالًا للحديث عن أثر المحاصصة المفرطة في الحياة الأسرية على البناء القيمي للأبناء، يسعى هذا المقال إلى مناقشة مسارات علاجية تستند إلى رؤية قرآنية للإنسان والمجتمع، وتستفيد من الخبرة التربوية المتراكمة في النمط الأسري التقليدي (خبرات الأجداد)، دون مصادمةٍ لحقوق الفرد أو إنكارٍ لمبدأ الملكية الشخصية.
ويجدر التنبيه ابتداءً إلى أن نقد المحاصصة لا يستهدف نفي الخصوصية الفردية، ولا الطعن في مبدأ الملكية الذي أقرّته الشريعة ضمن ضوابطه، وإنما يتجه إلى مساءلة تحوّل هذا الحق من كونه وسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية إلى نمطٍ انعزاليٍّ يُضعف الروابط الأسرية، ويُفرغ العيش المشترك من مضمونه التربوي. فالقرآن الكريم، حين يقرر الحقوق، لا يفصلها عن مقاصد الاجتماع، بل يوازن بين الفرد والجماعة ضمن إطار الوسطية، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وهي وسطية تشمل أنماط العيش كما تشمل أنماط التفكير والسلوك.
ومن المسلّم به تربويًا أن وعي الأجيال يتشكّل من تفاعل مركّب بين الأسرة والواقع الاجتماعي، غير أن الأسرة تبقى الإطار الأول الذي تُغرس فيه البذور القيمية الأساسية. ومن هنا، فإن معالجة فجوة الأجيال لا تتحقق بقطيعة مع التجارب السابقة ( الآباء)، بل باستثمار ما أثبت فاعليته منها، ولا سيما تجربة الأجداد.
ويُظهر التأمل في نمط حياة الأجداد حضور ثلاثة مسارات تربوية كبرى ملهمة في نقل القيم والمهارات الاجتماعية.
أولها: ترسيخ النظام والروتين اليومي. فانتظام الحياة اليومية، الذي يمارسونه، وتوزيع الأدوار، يعد جزءًا من التربية غير المباشرة التي تُنمّي الشعور بالمسؤولية، وتُرسّخ الوعي بعلاقة الفعل بنتيجته. وهو معنى تؤكده السنن القرآنية التي تربط التغيير الخارجي بالتغيير الداخلي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
فالنظام هنا ليس إجراءً تنظيميًا محضًا، بل أداة لبناء الوعي بالالتزام والآثار المترتبة عليه.
وثانيها: الاعتراف بالبشرية داخل البناء الأسري. تعد ممارسة الأجداد لأسلوب المصارحة وسرد التجارب الشخصية، بما فيها من إخفاقات، في قالب قصصي إنساني، بعيدًا عن الوعظ المباشر، تعد أسلوبا يُقرّب الأبناء من الواقع، ويغرس فيهم قيمة التعلم من الخطأ، وهو ما يتسق مع المنهج القرآني في عرض قصص الأنبياء بوصفها مجالًا للاعتبار لا للتقديس المجرد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالتربية بالقصة تفتح أفق الفهم، وتبني الوعي دون قسرٍ أو توبيخ.
وثالثها: التكليف التدريجي بالمسؤوليات. وهو مسار تربوي يقوم على تحميل الأبناء مهام متناسبة مع أعمارهم وقدراتهم، بما يُنمّي لديهم الإحساس بالاستقلال المسؤول، لا الاتكالية. ويلاحظ في بعض الممارسات التربوية المعاصرة ميلٌ إلى الإفراط في الحماية بدافع الرحمة، وهو ما يؤدي – على المدى البعيد – إلى إضعاف مهارات التكيف الاجتماعي. وقد قرر القرآن مبدأ التكليف مقرونًا بالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾،
وهو مبدأ يمكن الإفادة منه في بناء تصور تربوي متدرج للواجبات والمسؤوليات.
وانطلاقًا من هذه المسارات، تبرز الحاجة إلى تعيين أوقات للحوار والنقاش لإعادة إدماج أنماط العيش المشترك داخل الأسرة، وتخفيف الخصخصة المفرطة – لا سيما الرقمية – لصالح الحضور الإنساني المباشر، واعتماد التربية بالمشاركة بدل الخدمة الكاملة، بحيث يُطلب من الأبناء الإسهام في شؤون البيت بوصفها مسؤولية جماعية لا منّة فيها. كما يُستحسن إعادة الاعتبار للقصص العائلية بوصفها وسيلة تعليمية، وتطبيع الحديث عن الخطأ والتجربة بدل صناعة صورة مثالية منفصلة عن الواقع.
إن معالجة آثار المحاصصة لا تكون بإلغائها، بل بإعادة ضبطها ضمن رؤية قرآنية متوازنة، تحفظ حق الفرد دون أن تعزله عن جماعته. فالإنسان، في التصور القرآني، كائن اجتماعي لا يكتمل وعيه إلا بالتكافل، كما قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ومن ثمّ، فإن استعادة روح التعاون تبدأ من البيت، من تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُبنى القيم قبل أن تُعلَّم.