احتضان الأطفال في شهر رمضان المبارك
احتضان الأطفال في شهر رمضان المبارك/ حسن لبويز
احتضان الأطفال في شهر رمضان المبارك
بقلم: حسن لبويز
احتضان الأطفال بتصورٍ إسلاميٍ هو تغذية تربوي فكرية ونفسية وروحية. الغاية منها تربيتهم على القيم الإسلامية، في ظل صحبة تحفظ فطرتَهم السليمة، وتسقيهم من شعب الإيمان، لتتقَوَّى صلتُهم بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وتتقَوي شَخْصِيتُهم الإيمانية، وتتَعَزَّزُ مهاراتُهم الحياتية بالسلوك الإيجابي، خدمة للأمة الإسلامية.
أتحدث هنا عن جودة الاحتضان الذي هو أساس نجاح العملية التربوية. وشهر رمضان فرصة مناسِبة لاحتضان الأطفال احتضانا متميزا، لأنه زمن يفرح بقدومه الصغار والكبار على حد سواء. تفرح به الأسر، وتُشعِر الأبناء بمكانتهم عند الله عز وجل. لذلك فهو فرصة تربوية مهمة، يترك في نفوس الأطفال انطباعا مليئا بالبهجة والفرح بالشعائر الدينية. نربط هذه السعادة بالشهر المبارك مع القيم الإيمانية والأركان التعبدية، بشكل يخلق لديهم صورة إيجابية عن الإسلام عامة. فهذا الشهر المبارك محطة متميزة لغرس القيم الإسلامية الراقية والأخلاق الحميدة في نفوس الناشئة، وتعويدهم على العبادة وفضائل الأعمال. كما أنه فرصة للآباء والأمهات والمربين عموما ليقفوا وقفة تأمل في تربية أبنائهم ومعالجة الاعوجاج والتقصير.
كل شهور السنة فرص لإيقاظ الفطرة. ولكن شهر رمضان ميزه الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة – آية 185]. شهر تصفد فيه الشياطين ، فتصفوا فيه الفطرة، لدى الكبار والصغار، ويكون فيه الأطفال مُقبلون على المساجد، متخلقون بالأخلاق السوية.
نشجعهم في هذا الشهر على الصوم، ونشرح لهم أبعادَه الصحية والإيمانية والمجتمعية، شرحا مبسطا تتسع له عقولهم. ونبين لهم أن كل الطاعات لها مكافأة معلومة في الدين، ما عدا الصيام فلا يعلم قدرَ أجره إلا الله عز وجل: «إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به» كما ورد في الحديث النبوي.
نحكي لهم بعضَ المغازي التي جرت في هذا الشهر المبارك، وقصص الصالحين التي لها علاقة به. نُحرك بها هممهم الطرية. نوقظهم لتناولِ السَّحورِ، خصوصا إذا زُيّن بمأكولاتِ شهية يُحبُّونها. ونعزز تجاوبَهم الإيجابي بالتقدير والثناء. ونمدحُهم أمام الآخرين، ونكافؤهم بالهدايا والجوائز المحفزة. فالتقدير والثناء والعطاء له دور نفسي فعال على الأطفال.
وإذا حدث عدم صيام أحد الأبناء لصغر سنه أو لضعف استعداده، فلا نلجأ لمعاقبته، كي لا يرتبط عنده الواجبُ بتجربة قاسية، فيكره الصيام ويكره معه العبادةَ كلَّها. والمطلوب معالجة الأمر برفق وحكمة، دون احراجٍ، حتى تنضُجَ العقول الطرية فينضُج الإيمان في القلب.
إن التحدي الكبير يتمحور حول كيفية جعل الأجواء الرمضانية فصلا من فصول المدرسة التربوية النبوية، لبناء شخصية الطفل إنسانا مؤمنا أمينا شاهدا بالقسط.
– كيف ننقلُهم من مشهد رمضاني تطبعه الأجواء الاحتفالية والفرح بأشكال الطعام والحلوى والاستهلاك البضائعي إلى زمن الفرح بالله عز وجل والاقبالِ عليه في المساجد، والتحلي بأخلاق المحبة والتواصل والعطاء؟
– كيف نحوِّل أنظارهم من التركيز على صيام العادة والتقاليد إلى التركيز على الإيمان بالله عز وجل، انطلاقا من دمجهم في الأجواء الإيمانية بالمنزل والمسجد والشارع؟
إن المنهاج التربوي الذي تحتاجه الأمة المسلمة لتربية أبنائها ينطلق من صحبة محتضِنة للأطفال برفق ولين ومحبة. يَنشؤون في ظلها نشأةً تربوية متكاملة، تعتمد مبدأ التوازن بين القلب والعقل والنفس والحركة. تربيةً إيمانية تجعلهم يستشعرون مراقبة الله عز وجل، ويتخلقون بأخلاق رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم. تربيةً تعبَوِيّة تساهم على حب الخير وانكار المنكر والمساهمة في بناء مجتمع أخوي زاهر.
إن احتضان الأطفال وصحبتَهم في شهر رمضان المبارك متميز عن غيره من الشهور. فالأبناء عادة ما يميلون إلى مصاحبة آبائهم إلى المساجد، فيكونون في هذا الشهر مهيئين للانخراط في صحبة صالحة، مستعدين للاستجابة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. ترتفع لديهم قابلية تقويم الاعوجاج أكثر من أي وقت آخر. في هذه الأجواءِ الرَّمَضَانيَّة الرائعةِ تكون قلوبهم منشرحة أكثر والأجواء مرحة، فتتيسَّر العلاقة التواصلية مع الناشئة، ويسهل احتضانهم في صحبة مربية جيدة.
ويمكن لهذا لاحتضان الأطفال في هذا الشهر المبارك أن يمتد ليشمل مجال العمل التطوعي، والجمعوي والرياضي والترفيهي. إن جودة احتضان الأبوين أو المربين للأطفال خلال شهر رمضان يُقَوي المحبة بين الطرفين، ويخلق الشعور بالثقة بينهما، ويعزز حضورَ الأطفال في المساجد، منبعِ الإيمان وعاصمتِه. ذلك ما يجعل قلوبَهم تتعلق بالمُحتضِن، ويتشربون سكينة الاحتضان وطمأنينتها، فيكون ذلك بداية إقبالهم على الله عز وجل.
واحتضان الفتيات ومصاحبتهن لأمهاتهن أو جاراتهن إلى المساجد لا يخرج عما أشرنا إليه. فهو يرسخ محبة الله ورسوله ومحبة المصحوب في نفوسهن، ويبني شخصيتهن الإيمانية المتميزة.
في هذا الشهر المبارك، وفي ظل جودةِ الاحتضان، يسهل على المربي ربط الأطفال بالقرآن الكريم، سواء في المساجد أو الجمعيات. يتخذونها محاريب لختمات قرآنية فردية أو جماعية، تكون شاهدا عليهم يوم لقاء الله عزوجل. يُحبَّبُ لهم كتاب الله عز وجل تلاوةً وترتيلا وحفظا، وتعهدا، وتخلقا واقتداءً، حتى يصيروا مع أهل القرآن الذين اختصهم الله لوَلايته، ويصبحوا مدارس قرآنية متنقلة عبر الأجيال.
ومما يقوي هذه الصحبةَ استحضارُ أجواءِ وذكريات رمضان في الزمن الماضي. فالأطفال يعشقون سماعَ الذكريات الجميلة. نُحدثهم كيف كان الناس يستيقظون على إيقاع أصوات الطبول للسَّحور، وكيف كانوا يجلسون لتلاوة القرآن الكريم قبل آذان الغروب، وكيف يجتمعون على موائد الطعام، ينتظرون لحظات الإفطار. ونحدثهم عن الأَجواء الجميلةِ في الأسواق والمساجد، خصوصا في صَلاةِ التَّرَاوِيحِ. نجعله حديثا يُشعِرهم أن شهر رمضان شهرُ العبادة وليس مجردَ أيامٍ حافلة بعادات وتقاليد ترتبط بمأكولات ومشروبات شهية.
فجودة احتضان الأطفال في شهر رمضان طاقة تجمع قلوبَ الأبناء، وتغذيها تغذية إيمانية فكرية حركية بما يُصْلِح أخلاقهم ويُثمر أداءَهم للعبادات. تنقُلهم جودة الاحتضان من صحبة ساعة إلى الكينونة مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. توفر لهم البيئةَ المناسبةَ لبناءِ الشخصيةِ المؤمنة الأمينةِ، شخصيةً متكاملة متزنة شاهدةً بالحق، ذاتَ أثر فعال في المجتمع. شخصيةٌ تربط مصير الطفل المؤمن الصالح بمصير الأمة والاستخلاف في الأرض.
ويستحسن أن يرتكز الاحتضان الجيد على إشراك الأطفال في تقديم الخدمات للآخرين، بدأ بالخدمات المنزلية المطلوبة قُبيلة لحظات الإفطار، مرورا بتقديم الطعام للجار الفقير، وتقديم الخدمات المسجدية، وصولا إلى العمل التطوعي بالحي، وتقديم الخدمات المجتمعية عامة. فالشعور بالمشاركة والتعاون يعزز مشاعر تقدير الذات، وتحمل المسؤولية. إن حمل الأطباق مع أنه عمل بسيط، يجعل الأطفال يشعرون بأهميتهم كأبناء، ويُشعِرهم ذلك بأن ما يقومون به من أعمال خيرٍ يندرج ضمن محبة الله عز وجل والتقرب إليه. فحمل الأطباق في المنزل وإحضار الطعام والمشروبات له أبعاد تربوية مجتمعية كبيرة. والطفل الذي لا يحمل الأطباق صغيرا لا يحمل هَمَّ المجتمع وهَمَّ الأمة كبيرا.
دور المُربي هو الحرصُ على قيام الأطفال بالأعمال الخيرية في هذا الشهر المبارك، كي يصبح العمل التطوعي جزءاً لا يتجزأ من شخصيتهم. ومشاركته لهم في أي عمل يقومون به ينمي الحسَّ التطوعي لديهم. وأثناء العمل التطوعي يستمتع الأطفال بصحبة المربي ويستمعون له، فتتشربَ قلوبُهم منه، وتنهل نفوسُهم المتعطشةِ من الإيمان. وإذا بالفطرة الطرية تسمع وتتغدى وتقتدي فتتمثل وتتشبّه بالجيل الفالح، جيلُ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بدل التشبه بالنماذج التافهة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا شك أن البيئة الاجتماعية والفكرية والتربوية في الأجواء الرمضانية تساهم في رسم الخريطة السلوكية الإيماني لدى الأطفال. وفي مقدمتها مساهمة مؤسسة الأسرة بإيمانها وفهمها التربوي ونمطِ تفكيرها. فهي تحتل الصدارة في هذا الإطار، وتترك بصماتها بقوة في نفوس الأبناء. فمجرد اجتماع الأسرة على مائدة الطعام أثناء تناول وجبة السَّحور أو الفطور كافٍ لإضفاءٍ رونقٍ خاصٍ على الحياة اليومية في هذا الشهر المبارك، ولتركِ انطباعٍ جميلٍ في نفوس الأبناء. انجماعٌ يُشِعّ الفرح والسرور بين أعضاء العائلة، ويقوي الإحساس بالانسجام، ويبعث على الود والمحبة والرحمة. وهذا هو الجو المناسب للاحتضان الجيد. انجماع يَشعر فيه الأطفال بالفرق بين الأجواء العائلية خلال شهر رمضان وبين بقية شهور السنة. بذلك تكون ثمرةُ هذا الشهر المبارك إقبالُ الأطفال على الصيام والصلاة وقراءة القرآن وعمل الخير.
هذا لا يعني أن نحرم الأطفال من متعة اللعب. فزمن الجد لا يكاد ينفصل لديهم عن زمن اللعب، خصوصا في السنوات التسع الأولى من أعمارهم. فالمرح والبهجة وسيلتان مُهِمتان لزرع الخير في القلوب الطرية وإبعادها عن السوء، إذا تم توظيفهما برؤية إيمانية واضحة. فمن المهم أن يُقترن الصوم في حياة الناشئة بذكريات مفرحة وسارة لا تخلو من الطرافة. ومن المهم أيضا أن نحترم طفولتهم واحتياجاتهم، بل وأن نشاركهم في اللعب ما أمكن. فلا يجوز إبعادهم عن التسلية والترفيه بوسائل عصرهم، بدعوى أننا في شهرٍ مباركٍ يستدعي الإكثار من ذكر الله والعمل الصالح. لا نقارن أنفسنا وزمننا بزمن أبنائنا، فنُسْقِطُ عليهم سلوكا لا يناسب زمنهم. لذا يمكن استثمار ميلِهم للمرح في ألعابٍ مفيدة تؤدي وظيفة إيمانية تعبدية.
وفي هذا الإطار، يمكن اصطحابهم لزيارة الأهل والأقارب، والافطار معهم لخلق أجواءِ المرح وتقوية أواصر المودة بين العائلات، وتعزيز روح التكافل والتضامن الاجتماعي. كل ذلك يقوي الصحبة المربية، ويختزن في ذاكرة الأطفال صورا بهيجةً، تُدمَج في بناء شخصيتهم الإيمانية التفاعلية مع المجتمع.
وفي سياق اللعب، وفي ظل جودة الاحتضان، يكون شهر رمضان مناسبة لإعادة تنظيم أوقات الأطفال. فلا يكون وقتهم لهوا كله ولا جدا كله. يُشجعون على فعل الخيرِ تقربا إلى الله عز وجل، ويُبعَدون عن الصحبة السيئة والقدوة التافهة، فينشؤون جيلا قرآنيا مسجديا قويا أمينا صالحا.
لا بد من إرجاع الأمور التربوية إلى نصابها. ونصابها هو التربية النبوية، حيث كانت الصحبة والجماعة لحمة واحدة. وكان السلوك إلى الله عز وجل لا ينفك عن خدمة الأمة المسلمة.