منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عناصر كتابة المقدمة في البحوث العلمية

د. أحمد الفراك

0

عناصر كتابة المقدمة في البحوث العلمية

د. أحمد الفراك

لا شك أن المقدمة هي مفتاح الـمُنجز العلمي(le catalogue) للباحث، سواء أكان البحث إشهاديا أو كتاباً أو مقالاً علميا، والمقدمة –في الغالب- هي آخر ما يُكتب من البحث مثلما فعل ابن خلدون بمقدمته المشتهرة، ولا ينبغي إثقال فقراتها بالنُّقول والاقتباسات، ولا الخوض التفصيلي في تفاصيل الموضوع، كما يجب تجنب أحكام القيمة والإطلاق في اتخاذ المواقف، مع عدم ادعاء الإحاطة والكمال في معالجة الموضوع قيد البحث. وبعد تحديد العنوان بدقة ووضوح، يجب أن تراعي المقدمة استحضار العناصر الآتية:

1- تمهيد في أهمية الموضوع وأهدافه

يؤطر التمهيدُ مجال البحث وسياقه النظري والعملي وراهنيته، ويستحسن أن يكون مختصرا، وقد تكفي فيه فقرتان إلى ثلاث فقرات، فهو مدخل للموضوع وليس خوضا فيها وفحصا لقضاياه. ويحدد الباحث الأهمية التي يحملها البحث على جميع المستويات الممكنة، أولها المستوى العلمي ثم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والبيئي والعمراني والإنساني، ويشترط في صياغتها الوضوح والدقة دون تكلُّف. فلا يدَّعي الباحثُ الإحاطة بكل ما يتعلق بموضوعه وإنما يقصد مباشرة إلى أحد جوانبه التي تظهر حاجة البحث إليها، فيضع لموضوعه حدودا ومسارات لا يتجاوزها إلى غيرها، ولا بأس أن يشير الباحث إلى ما يتوفر عليه من خبرات ذاتية وإمكانات مساعدة على إنجاز البحث.

2- الدراسات والأبحاث السابقة:

من لوازم البحث العلمي الاعتراف بجُهد الذين سبقونا في فحص الموضوع الذي نقترح الاشتغال به أو فحص ما يتصل به من قضايا ومسائل معرفية ومنهجية وأخلاقية، مع أن الرجوع إلى الدراسات العلمية السابقة (Literature review)، والاعتراف بالفضل والسبق لأصحابها لا ينبغي أن يحول بيننا وبين الموضوع المبحوث، ولا أن نتعامل مع تلك الدراسات بتقديس وإطراء مبالغ فيه، مثلما لا ينبغي أن يتحول خوضنا إلى تبخيس وتنقيص من قيمة العلماء والنُّظار والمفكرين وما أثَّلوا من علوم وما قربوا من معارف وفنون.

ولا يحفظ البحث قيمته العلمية إذا تجاهل ما تمَّ تأليفه في موضوعه ما استطاع الباحث إلى ذلك سبيلا، وإلا فإنه سيسقط في تكرار المكرور وبحث المبحوث، مع العلم أن فضاءات البحث شاسعة جدا لا يُعقل الازدحام في أبوابها ولا يُقبل.

ويستفيد الباحث من الدراسات السابقة مصادرها ومناهجها واستدلالاتها واستنتاجاتها، مثلما يستفيد أيضا من مفاهيمها واصطلاحاتها وتعريفاتها، وبها ينتبه إلى بعض الثغرات في منهج الاستدلال ليكشفها، أو بعض النقائص في المضامين ليستدركها، أو بعض الأخطاء في المعلومات ليصححها. وأخيرا فهو يتخذها مثالا للمقارنة والمقابلة والتقويم، ليناقش من خلالها نتائج بحثه.

3- إشكال/إشكالية البحث:

يجب على الباحث اختيار الإشكالية بدقة وصياغتها بعناية كافية لأن عليها مدار البحث كلّه، وكل تهاونٍ في تحديد الإشكالية يُكلِّف الباحث فُقدان بَوْصَلَة تحديد الاتجاه فيخسر عمله. وإشكالية البحث ليست هي موضوعه، فقد يكون الموضوع واسعا ومُستهلكا كما يُقال، ومع ذلك فقد تكون بعض إشكالاته جديدة بالنطاق المحدد والسؤال المقيَّد.

ومعلوم أن الأطروحة المتكاملة هي التي تُبنى على سؤال واحد بيِّن وواضح، والباحث الموفق هو من يُحسن إنشاء السؤال قبل إعداد الجواب. ولا تأتي الجودة والتكامل في البحث من سؤال عام أو غامض أو ناقص. مع العلم أن وحدة السؤال لا تمنع من تقسيمه إلى أسئلة فرعية تجيب عنها فصول البحث، ولا تمنع من مد جسور التواصل والتكامل بين العلوم في مقاربة الموضوع المستَشكل، إذ قلما نجد بحثا في علم خاصٍّ لا يتصل بحقول علمية أخرى.

ولا تتحدد الإشكالية للباحث -زمانيا ومكانيا وموضوعيا- إلا بعد الاطلاع الكافي على قضية البحث، وليس قبل ذلك، ومن هنا يعاني كثير من الطلبة صعوبة ضبط الإشكالية قبل معرفتهم بأهم المصادر والمراجع في الموضوع. فالبحث هو استئناف القول في ما قيل، وامتداد لنتائج البحوث السابقة، ولا يمثل أية قطيعة مطلقة معها.

4- الجديد المتوقع في البحث:

يحرص الباحث الجاد على الإتيان بالجديد في بحثه، فيُظهر فيه الجِدَّة في المضمون أو في المنهج أو فيهما معا، فيُبين ما تمكَّن من استدراكه أو معالجته من زاوية جديدة غير مسبوقة، أو بيان الإضافة التي يستشرفها ويعمل جادا من أجل بلوغها.

ومن نجاعة البحث ضبط مادته، والاطلاع الجيد على مصادره، والقدرة على استشكال قضاياه، والاستدلال على مسائله، والوفاء لإشكاليته، واحترام الضوابط العلمية المتعارف عليها في تخصصه.

5- منهج البحث:

المنهج والمنهاج لغة هو “الطريق الواضح، ونهج الأمر وأنهج وضح. ومنهج الطريق ومنهاجه”[1]، أي المسلك والطريق البيِّن الواضح المستقيم، ويُقصد به في البحث العلمي مجموع القواعد التي يستعملها الباحث للتحقُّق من نظرية ما أو الوصول إلى “الحقيقة” التي يبحث عنها، أو التحقق من الفرضية التي اقترحها للدراسة[2]. ويقال أيضا أن المنهج هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار من أجل الكشف عن الحقيقة، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يُصدق بها بعض الناس. ويُعرفه حمو النقاري في أحد تعريفاته للمنهج بقوله: “المسلك النظري الذي سُلك لإثبات أو إبطال دعوى من الدعاوى تنتسب إلى ميدان معرفي ما أو مجال علمي ما”[3]. فالباحث هو بهذا المعنى ساعٍ يبحث ليصل إلى مقصده الذي يسعى إليه قاصدا في مشيه، أما المنهجية فهي الخطوات الإجرائية والترتيبات العملية في إنجاز البحث، من بدايته إلى نهايته.

يتميز “أهل المنهج” عن غيرهم من الكُتاب، بكونهم يعتمدون منهجا واضحا وصارما في تأليفهم، وهنا ينبغي التمييز بين المنهج الذي تُنتج به المعرفة وتُبنى، وتُحاكم به المعلومات وتُفحص الفرضيات. وبين منهجية البحث بوصفها تلك الخطوات العملية الإجرائية لإنجاز البحث، أي الترتيب والتبويب والتوثيق للمعلومات والأفكار.

المنهج عمل عقلي ومنطقي استدلالي، والمنهجية عمل شكلي وتقني-فني. ولا يستغنى عن المنهج ولا عن المنهجية في أي موضوع بحثي كيفما كان. لذلك فأول ما ينبغي أن يهتم به الطالب ويسترشد به هو المنهج لأنه هو القلب النابض للبحث العلمي والتأليف الجاد. وتختلف المناهج باختلاف التخصصات العلمية.

وقد تحدثنا سابقا عن تعدد تصنيفات المناهج، (تصنيف ماركيز(Marquis)،وتصنيف جود وسكيتس(Good/Scates)، وتصنيف ويتني(Withney)، وتصنيف أودم(Odum)، وغيرها). ويصعب توحيدها في تصنيف واحد. لكن عموما يمكن التمييز بين ثلاثة منها:

مناهج وصفية: تجمع معطيات الموضوع بتفاصيله وتشرحها وتستنتج دلالاتها، وضمنها تُصنَّف الدراساتالتوثيقية والتاريخية.

مناهج استنباطية: يتم الانطلاق فيها من القضايا الكُلية نزولا إلى الجزئيات.

مناهج استقرائية: يتم الانطلاق فيها من جزئيات الدراسة صعودا إلى استنتاج حكم كلي أو قانون عام.

 وضمنها جميعا تُستعملآليات التحليل والنقد والتركيب والمقارنة.

6- خطة البحث:

وهي خطة أولية يتحدد فيها عنوان البحث وعنوانات المحاور الأساسية والثانوية: الأبواب والفصول والمباحث والمطالب بأسئلتها وموضوعاتها، والزمن المحتمل لإتمام إنجاز البحث، ومراحل الإنجاز بحسب المادة المتوفرة.

وتُراجع هذه الخطة الأولية باستمرار بحسب المستجدات المنهجية والمعرفية، وبتشاور مع الأستاذ المشرف إلى أن يستوي البحث جاهزا للطباعة والمناقشة العلنية.

وبالله التوفيق.


[1] – الأصفهاني، أحمد بن الحسين. المفردات في غريب القرآن، تحقيق سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، د.ت، مادة: نهج.

[2] – Agnos, Michael. Webster’s New World College Dictionary. Ed. Foster City, CA. Webster’s New World, 2001, p: 906

[3] – النقاري، حمو. روح المنهج، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2018م، ص 26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.