منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التربية على قيم المواطنة من خلال مقرر التربية الإسلامية للسلك الثانوي السنة الثانية بكالوريا

سكينة الصفواني

0

التربية على قيم المواطنة

من خلال مقرر التربية الإسلامية للسلك الثانوي السنة الثانية بكالوريا

سكينة الصفواني

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه

جامعة القاضي عياض-كلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش.

مقدمة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

اكتسح مفهوم المواطنة حيزا كبيرا في المجال الفكري والسياسي والاجتماعي والتربوي، وحظيت باهتمام كبير تأسيسا وتحليلا وتنزيلا. ولعل المجال التربوي من بين أهم المجالات التي تسعف على تحقيق قيم المواطنة والوصول بها إلى طفرات جديدة، كونه البيئة المثلى لزرع بذورها في الناشئة.

وإن من بين الموضوعات الجديرة بالنظر والدراسة هو مدى احتضان المقررات الدراسية لقيم المواطنة وخاصة كتب التربية الإسلامية لما لها من دلالة وطيدة بقيم النبل والفضيلة، وباعتبار مقررات هذا السلك نقطة عبور كبيرة اتجاه المضامين الفكرية المتقدمة.

فالتربويون يؤكدون على أهمية تنمية قيم المواطنة لدى الناشئة وفاعليتها اتجاه مواجهة تحديات القرن 21 وما بعده كونها نوع من التربية الوقائية، ونوع من الاستباق المنشود الذي تسعى إليه دول العالم رغبة في الإصلاح على مستوى أصعدة عدة أبرزها إصلاح التعليم وإكساب قيم المشاركة الاجتماعية والسياسية…ـ لذا يؤكد الدكتور خالد الصمدي وهو من المهتمين بهذا الشأن على ضرورة تركيز منظومة التربية والتعليم على القيم،حيث يقول:” نجد الحديث عن بناء منظومة القيم الإنسانية بكل ابعادها يحل في بؤرة الاهتمام كملاذ آمن لترسيخ التفاهم والفهم بين الشعوب والحضارات، من خلال تركيز النظر على أنظمة التربية والتعليم كمحضن للتربية على القيم مما تبرز معه الحاجة الماسة إلى إبراز دور مناهج التربية والتعليم في دعم ثقافة الحوار والتعايش وتسلط فيه الأضواء على تجارب عملية ناجحة وتقدم دراسات علمية نافدة وتصاغ تصورات مشتركة للارتقاء بالمنظومة التربوية إلى بناء قيم إنسانية فاضلة ومشتركة تقطع الطريق أمام مسببات الصراع “[1]

ثم إن نشر ثقافة المواطنة يحتاج إلى تربية واعية وطويلة الأمد، ويمكن للمدرسة و الجامعة أن تسهم بها وتخلق المستلزمات لحوار بناء وهو ما تقع مسؤوليته على عاتق النخب العربية.وهذا القول لا نقصره على منظومة التربية والتعليم فقط، بل هو جهد تشترك فيه مؤسسة الأسرة ومؤسسة الاعلام والمؤسسات الثقافية والفكرية.

لذا فإن تضمين المقررات الدراسية بهذا النوع من القيم ” قيم العدالة، المساواة، الحرية، الحق في المشاركة” هو تبني إيجابي لها، وتأسيس بالغ الجدوى في نفوس الناشئة والشباب. إذ أن الربط بين قيم المواطنة والتربية والتعليم يجعلنا نحصل على علاقات متغيرة غير محدودة ومتسارعة النمو والتطور. خاصة وأن ” إدماج القيم الإسلامية في مناهج التعليم يفرض بالضرورة تطوير طرق تدريس المواد الحاملة، والتي يطغى عليها في الغالب طابع الإلقاء والحفظ والإستظهار. ولأن تدريس القيم يتطلب بالضرورة التعامل مع قضايا تطبيقية عملية وواقعية “[2] قصد نجاح تمثل المتمدرسين لها واكتسابها نظريا وعمليا.ومن خلال هذه المقالة سأتناول المقرر الدراسي لسنة الثانية بكالوريا كعينة للدراسة والتحليل بهدف قياس حجم القيم المتضمنة فيه، وعبر الإجابة عن سؤال مدى تضمن المقرر الدراسي لقيم المواطنة؟ وإلى ما تهدف المنظومة التربوية من خلال بث هذه القيم في المقررات الدراسية بالسلك الثانوي؟

تعريف المواطنة

مصطلح المواطنة من المصطلحات التي نالت حظا وافرا من التعريف، مند ظهور هذا التعبير في اليونان، وخوض غمار تعربيه عربيا.

المواطنة من التعبيرات ذات التأثير المستمر، أصلها في اللغة العربية من كلمة وطن وهو حسب معجم لسان العرب لابن منظور ” الوطن هو المنزل الذي تقيم به، وهو مواطن الإنسان ومحله، ووطن بالمكان وأوطن أقام، وأوطنه اتخذه وطنا، والمواطن تفعيل فيه ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب وجمعه مواطن وفي التنزيل العزيز ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ( وأوطنت الأرض ووطنتها واستنوطنتها أي اتخذتها وطنا، وتوطين النفس على الشيء كالتمهيد…..”[3]

وبهذا المعنى فالمواطنة في اللغة العربية تعنى الإقامة بالمكان، مع ما يحمله هذا من دلالات عن الشعور والإحساس بالإنتماء لذاك الوطن، والتراث العربي الإسلامي غني بالمشاعر الوجدانية التي تتغنى بحب الوطن والحنين إليه.

أما المواطنة في الفكر الغربي citizenship / la citoyenneté فيرجع أصلها إلى عهد الحضارة اليونانية القديمة وارتبطت أصلا بالدولة، غير أن مفهومها من الحضارة اليونانية إلى عصرنا الحالي قد تطور كثيرا، فقد كانت تعني أولا عند أرسطو وشيشرون وغيرهم -حسب طبيعة المجتمع اليوناني- أن المواطن هو اليوناني الحر الذي يشارك في العمل السياسي العام، في حين أن النساء والعبيد والأجانب يستثنون من صفة المواطن.

أما في التعريف المتقدم للمواطنة فهو علاقة قانونية يحددها دستور وقوانين تنظم العلاقة بين الفرد المنتمي إلى المجتمع والدولة بأركانها الثلاثة الأرض بحدودها والدولة التي تنظم وتحدد حقوق وواجبات الافراد والجماعات داخل المجتمع.

لقد كان الغرب اول المؤسسين لمصطلح المواطنة، فجذورها غربية مثل الدولة، ارتبط أساسا بظهور الدولة الحديثة ذات السيادة في القرن 17م.ثم خاض العرب غمار تعريب المصطلح والإستفادة من مضامينه وتجسيده في الدولة الحديثة. غير أن محاولات حقن قيم المواطنة وإرسائها في المجتمع، لازالت لم ترقى إلى المستوى المطلوب.

إن غربية منشأ مصطلح المواطنة لا يعني ان ليس للعرب عهدة به، إنما قد عرفوه بما اندرج تحت اسم ” مسلم”، وفي التراث الإسلامي ما يؤكد ذلك، حيث عرف المجتمع الإسلامي قيم ” المساواة والعدل والمشاركة السياسية والحرية وهي أهم القيم التي تكفلها المواطنة غير ان الإجراءات التنظيمية المحققة لها أبدع فيها الغرب، ولازال العرب يستلهمون منها.

وبإجمال فمفهوم المواطنة يختلف حسب الطرف الذي يتناوله ومن أي زاوية ومادا يراد به وباختلاف الميادين، فلها مدلول سياسي / اجتماعي/ قانوني/ نفسي، يكمل بعضها بعضا لدلك نجدها متعددة الأبعاد والتقسيمات.

ولأنني اعتمدت في مقالتي على المواطنة في التربية فسيكون التعريف موجها في وصف العلاقة بينهما:

المواطنة تربية وهي صيغة تربوية تمثل رؤية متكاملة لبناء الإنسان، يمتزج فيها ما هو نفسي وجداني مع ما هو قانوني سياسي واجتماعي لأنها تعنى ب:

  • تعهد المبادئ والمفاهيم الأساسية للديمقراطية.
  • دعم المواطنة الديمقراطية الواعية والفعالة والمسئولة على أساس من الحقوق والمسئوليات.
  • تنمية المسئولية الاجتماعية والأخلاقية
  • فهم المواطن لدوره وإجابته على سؤال من أنا؟
  • الإسهام في الحضارة العالمية كمواطن عالمي.

قيم المواطنة في مقرر التربية الإسلامية للسنة الثانية باكلوريا

يعد الكتاب المدرسي إحدى النوافذ على العالم، وفي قراءته والوقوف عنده أهمية قصوى لاستجلاء مكامن قيم المواطنة ضمنه، فبالنظر فيه نرى كيف تتشكل شخصية الفرد المواطن المغربي، والتوجه الذي تبتغيه منظومة التربية والتعليم له.

محتويات الكتاب المدرسي

 

 

سورة يس الشطر السادس

من خلال أول ملاحظة في محتويات الكتاب المدرسي لسنة الثانية بكالوريا نلاحظ ان قيم المواطنة تتخلل معظم الدروس المستهدفة ( قيمة الحرية / الحقوق والواجبات/ (، وهناك قيم متضمنة من خلال الدروس كقيمة المساواة في درس حق الغير ( خطبة الوداع وحقوق الإنسان(.

  • مبدأ الحرية

من أهم المفاهيم المسطرة في المقرر الدراسي هو مفهوم الحرية وربطه مع عقيدة التوحيد، وهو بهذا الاعتبار بناء لمواطنة مبنية على أساس انتماء ديني واحد في المجتمع، غير أن المجتمع المغربي مجتمع متعدد الراوفد والديانات والثقافات، والمواطنة في ابرز تحدياتها تسعى لخلق مواطن عالمي يتجاوز الإنتماء الديني واللغوي والعرقي وما شابه ذلك.

لكن بالعودة تربويا إلى سلسلة بناء التعلمات لدى المتعلمين نجد أن التربية المتدرجة فعالة، والتدرج في طرح المضامين هو منهج المربين، فبذلك طرح مفهوم الحرية على اختلاف أنواعها حسب التصور الإسلامي يفضي إلى إرساء قاعدة عقدية تلهم من خلالها اكتشاف مجمل التصورات الأخرى لمضمون الحرية والمقصد منها وممارستها عمليا.

وهي بهذا المعنى تتماشى مع تصور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول في وصفها بأنها “العبودية الخالصة لله تعالى، تجمع بين كمال الحب مع كمال الذل لله فأساس الحرية هو الإيمان بالله الواحد الأحد وأسلمة الوجود والوجدان والقلب والاعمال” [4]

و أتفق مع القول خاصة وأن من المفاهيم التربوية التدرج في بناء وعرض المضامين، وليس فقط في بناء الدرس وإنما أيضا في عرض القضايا. ولابد قبل الخوض في القضايا الفكرية الكبرى من إرساء الأساس الذي منه الانطلاق، حتى لا يضيع المتعلم في شبكة من المفاهيم وهو لا يعرف من هو ؟وعن ماذا يبحث؟ وإلى أين يتجه؟

وكذلك الحال بالنسبة للتأسيس لمفهوم الحرية لدى المتعلمين، حرية منضبطة ونابعة من عبودية حقة، بموجبها يترسخ لدى المتعلم أن يتحرر من كافة العبوديات والانقياديات والأهواء، وبموجبها أيضا يتعلم حس المسئولية عن اختياراته وافعاله، وما يمكن أن يحقق له النفع، وينتبه إلى ما سيعود عليه بالمضرة، وبالتالي يدرك أن فعله غير مقتصر على نفسه وتأثيره لا يقتصر على محيطه بل فعله له امتدادات زمنية ومكانية ومجتمعية وعالمية.

إن بناء المفهوم وفق هذا التصور يبني عقديا حدود ممارسته للحرية والنقط التي يجب أن يتوقف عندها دون إحداث أي ضرر للآخرين.

  • مبدأ المساواة

تعد المساواة من بين الأسس التي تضمن جمالية التجمع الإنساني خاصة وأن أصل الخلق واحد، و تعني أن يكون للمرء مثل ما للآخر من حقوق، وعليه مثل ما على الآخر من واجبات دون زيادة أو نقصان. وهو ما سطرته آيات عدة في كتاب الله العزيز ووضحته السنة النبوية في ثلة من المواقف كما الحال في خطبة الوداع النبوية المدرجة في الكتاب المدرسي، كونها اعظم إعلان عن مبدأ المساواة بين البشر حيث يسجل المصطفى أعظم إنجاز في الحب الإنساني والتسامح والمساواة ” يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لادم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت “[5] هذه العظمة الأخلاقية أذابت الفوارق الجنسية والجغرافية، وجعلت فيها الإنسانية في ميزان واحد.

 فالرعيل الأول كان متكونا من مختلف الأجناس والاعراق والطبقات، لذا فالأساس الجامع في التعامل بينهم هو المساواة.وهي من زاوية أخرى لا تعني إلغاء الاختلاف.فالاختلاف موجود كونا، ليس اختلاف تفرق وشتات وعداء إنما اختلاف بينته الآية الكريمة “ليتعارفوا” أي اختلاف تعاون وتآزر وتآلف لفائدة الإنسانية.

إن الوقوف على مبدأ المساواة وإدراجه ضمن القيم الكونية المبتغى ترسيخها في العقول والسلوك يتيح جانبا من الترقي الإنساني و الانفلات من أدران التعصب والجاهلية والمساهمة نوعيا بالنهضة القيمية في النفوس أولا والمجتمعية ثانيا. و لسيبلغ هذا الترقي مستواه الجيد إذا ما تحسن الأخذ بقيمة المساواة كما وكيفا.خاصة وانها تحقق نتائج مذهلة في طبيعة السلوك الإنساني إد تفيد تحقيق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع باعتبار ان الجميع لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، تقضي على نوازع الغرور وحب الظهور، تبيد بواد ر الفتن والطائفية، وتعد كلها من اهم التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي والعقلية العربية.

من المعروف في علم النفس أن مرحلة المراهقة والشباب موجة من التغيرات التي تقصد إبراز الذات وحب لفت الأنظار، هذه الفترة هي محضن الغرور والتباهي قد يسير في مستويات مستحسنة وقد يسير مما هو سيء إلى الأسوأ، لذا فتثمين بذور المساواة في هذا المستوى مطلوب ومؤكد إذا ما فهمنا حقا ما نتحصل به منها من فوائد وما تدرأ من مفاسد. وبتربية الناشئة على المساواة نكون قطعنا اشواطا في منهجية التفكير السليم وتحقيق الريادة القيمية.

إن الوقوف على هذه المعاني في هذه المرحلة يعين على التفكير المنطقي اتجاه قضايا مشكلة مرتبطة بالمساواة والتي لا زالت تعد إشكالا راهنا في العصر الحالي كالمساواة بين الرجل والمرأة والمساواة في الإرث…

  • الحقوق والواجبات

من بين مداخل مقررات التربية الإسلامية نجد مدخل القسط، وهو مدخل يعنى بالحقوق كما جاء في تعريفه :” يقصد به تعرف المتعلم لمختلف الحقوق : حق الله وحق النفس وحق الغير وحق الخلق في الرحمة والنفع والنصح،قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (سورة الحديد:24(

يعتبر المدخل مقدمة لتعرف المتعلم لما له وما عليه من زاوية أخلاقية تمكنه من معرفة الوضع الفطري الطبيعي اتجاه ربه ونفسه ومن وما يحيط به.

كانت هذه الدروس المستهدفة في مدخل القسط، كل درس يكمل الآخر ويحيل عليه، ويبني على قيم المواطنة في أعمق دلالات الدروس ف الحرية والعدل والمساواة والمشاركة الفعالة من أهم الحقوق التي تسطرها المواطنة وتضمها للفرد، إلى جانب ذلك الالتزام بأداء الواجبات حتى يستقيم ميزان الأخذ والأداء.

إن التوجه الذي تنحاه هذه الدروس هو بناء مواطنة قائمة على الهوية الإسلامية، فبناء الهوية ليس بالأمر السهل إذ أنه أساس لمعرفة الذات ومرجع لتكوين الفرد المتعايش المقر بالتنوع والتعدد الثقافي والمشترك الإنساني، والمتجنب للتناحر والانغلاق.

ففكرة المواطنة والحقوق خاصة مبدأي المساواة والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة وكذا العدل، بناء للإطار السياسي في شخصية المتعلم وتخويل له لحق التعبير وحق الإعتقاد و التنظيم، وهذا هو جوهر فكرة المواطنة. ثم إن التربية على مبدأ المساواة كونها أحد المبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها التشريع السياسي الإسلامي تبني اليقين في المتعلم أنه لا امتياز لاحد على أحد وان الجميع في ظل الإسلام متساوون حقوقا وواجبات.

لذا فإن امتدادات هذا المبدأ في نفوس المتعلمين يشكل حظا وافرا من النبل ومن الوقاية من التعصب والتطرف والتمايز الطبقي، بل مثالا بارزا تشيد به مختلف الأنظمة وتسعى لتقليده. فمن زاوية أخرى، نرى أن غياب المساواة في العملية التربوية سبب في عمى البصيرة، وسبيل لإيقاظ فتيل الإقتتال والتناطح والحروب وهو لبون بعيد عما أراده الله لعباده، وما سعى رسول الله لتربيته في النفوس، وضرب للمصالح التي تقررها المساواة سياسيا وقانونيا واجتماعيا ونفسيا.

يقول الدكتور محمد محفوظ:” إن ضياع الحقوق هو الذي يقود إلى التطرف والتعصب وغياب حس وواقع المواطنة لدى الاحاد والجموع وإن النهوض في ظل هذا الواقع والتحديات التي تحيطه من كل جانب يتطلب أداء واجب ومقتضيات المواطنة واحترام المصالح العامة والعمل على صياغة حياتنا العامة من جديد، على هدى قيم الديمقراطية والحرية والتسامح وحقوق وكرامة الإنسان”[6]

إن نظاما تعليميا يحمل هكذا تربية، لا يمكن أن يولد إلا جيلا يضع لبنة أساسية اتجاه التقدم الإنساني.

ومن الدرر التربوية الموجودة أيضا في خطبة الوداع ” أيها الناس إنما المؤمنون إخوة….. فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”[7]. وهنا تربية على الاجتماع البشري وعلى التعاون والمؤاخاة،وان التعايش قائم على العامل الأخلاقي لا المادي، لذلك يعتبر الدكتور طه عبد الرحمن المؤاخاة مواطنة، كونها تؤسس على القيم الأخلاقية بل ترتقي المواطنة بنظره إلى رتبة المؤاخاة التي تقي من الإنغلاق وتحبذ الإتصال والإجتماع.[8]

يستدعي هذا الكلام التوقف عنده، فيما له من امتدادات في البنية المفاهيمية في ذهن المتعلم وأساسا مدى اعتماده سلوكا. فالفرد دائما موجود في سياق اجتماعي ولا يمكن فصله عن الفضاء العام فهو اجتماعي بطبعه وفطرته تحيله إلى الآخر، وإلى كيفية التعامل معه وإلى إرساء سبل التعاون في المجتمع، وتعاون بالمعروف، تعاون فعال وهو ما سطرته الشريعة الإسلامية منذ بداية الدعوة.

ومنه جاءت المواطنة بقيمة المشاركة ليس السياسية فقط، بل في جميع المجالات، مادام الجمع البشري يلتقي في كل المجالات. إذ أن حصر المشاركة في السياسة فقط يفقد ثقافة المواطنة من طابعها الإنساني الكلي.

ونجد تربويا أن تطوير جانب التعاون والمشاركة لدى المتعلمين مند السنوات الأولى للتعلم يعطي أكله، ويزكي التعاضد، ويقوي الألفة، ويثمر التوافق، ويبهر في النتائج. مما يحلينا إلى الانتباه إلى البيداغوجيات المستعملة في التعليم واهمها بيداغوجيا المشروع التي تحقق ما ذكرناه سابقا، ولها نجاعة في العملية التعلمية التربوية.

خاتمة

لقد نهج المقرر الدراسي لمادة التربية الإسلامية سنة الثانية باكلوريا منهج التأكيد على قيم المواطنة انطلاقا من العقيدة الإسلامية وما تزخر به السنة النبوية، فهما الأصلان الرئيسيان المعتمدان في التربية على الهوية الإسلامية، وتثبيت للقاعدة الأولى لبناء جيل متشبع بالقيم، منفتح، يؤمن بما عنده، وهي قاعدة تدفعه إلى اكتشاف ما لدى الآخرين، وتفتح أمامه سبل المقارنة وتبيان واستجلاء نقط التوافق والإختلاف.و بهذا تكون الأهداف المسطرة في المقرر الدراسي تحققت، ومن خلال دراستنا للكتاب وما يتضمنه من قيم المواطنة نستنتج:

أن الكتاب المدرسي أولى أهمية كبرى للواجبات التي على المسلم الإلتزام بها ليكون جزءا من المجتمع، وهدا يعزز وجهة نظر الدكتورة بلعسلة فتيحة القائلة ب” ان إعطاء أهمية كبرى للحقوق وتواتر قيمة الواجبات بنسبة ثلث الحقوق، قد يرسخ فكرة لدى المواطن أنه خلق من أجل الكسب فقط، مما قد يفسح المجال لانتشار الانانية وعدم المبالاة بالآخر، وعلى غرار الواجبات فالمسئولية تعد كعنصر أساسي في تكوين المواطنة “[9] وهو ما يتعارض مع ما سطر له المقرر الدراسي في أهدافه وفي معرفة الحقوق والالتزام بالواجبات.

يركز الكتاب المدرسي على تأسيس قيم الحرية والمساواة والتعاون والأخوة تأسيسا عقديا مناطا بتعزيز الهوية الإسلامية كقاعدة رئيسية ينطلق منها المتعلم، كما يسهم في الربط بالثقافات الأخرى بغية تبني قيم المحبة والتعايش والمشترك الإنساني.

وبالرغم من هذا التأسيس التربوي إلى أن الممارسة تكشف غياب قيم المواطنة من سلوك المتعلمين مما يطرح إشكالية أين الخلل؟ وممن؟


قائمة المراجع:

  • لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، 1968، المجلد 13.
  • في رحاب التربية الإسلامية سنة 2 بكالوريا، ط 2016، كتاب التلميذ، المغرب.
  • نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، محمد الخضري بك، المكتبة العصرية، ط2،بيروت، 2001م،
  • مفهوم المواطنة في الفكر العربي الإسلامي عبد الجليل أبو المجد، أفريقيا الشرق، المغرب، 2010م.
  • الهوية والمواطنة البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة، عبد الحسين شعبان، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 2017م.
  • دور المدرسة في تنشئة الفرد على قيم المواطنة، بلعسلة فتيحة، أماراباك مجلة علمية تصدر عن الاكاديمية الامريكية العربية للعلوم والتكنولوجيا، العدد 25، 2017م.
  • القيم الإسلامية في المنظومة التربوية دراسة القيم الإسلامية وآليات تعزيزها، خالد الصمدي منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة،إيسسكو 1429هـ/ 2008م.
  • أخلاقيات النظام السياسي في السنة النبوية ومقارنته بالنظم السياسية الوضعية، أحمد سلمان المحمدي، دار غيداء للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2020م.
  • روح الحداثة، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 2006م.
  • كتاب العبودية، ابن تيمية، تحقيق علي حسن عبد الحميد، دار الأصالة،ط3، 1999م.
  • تعليم ثقافة الحق والمواطنة قضايا منهجية وديداكتيكية، عبد المجيد انتصار، دار التوحيدي، ط1، 2006.
  • المواطنة التحديات والطموحات في الدولة الحديثة لنبيل صموئيل وهاني عياد، المكتبة الأكاديمية،ط1،القاهرة، 2008م.
  • الدليل التطبيقي للتربية من أجل المواطنة العالمية، ترجمة عفاف مبارك وطارق محضاوي،مركز الشمال- الجنوب لمجلس أوروبا، ليشبونة، 2008م.

[1] – القيم الإسلامية في المنظومة  التربوية  دراسة القيم الإسلامية  وآليات تعزيزها ، خال الصمدي ،منشورات المنظمة  الإسلامية  للتربية والعلوم والثقافة ،إيسسكو  1429هـ/ 2008م.ص 9

[2] – المرجع السابق ، ص 82

[3]  -لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، 1968، المجلد 13 ، ص 451.

[4]  كتاب العبودية ، ابن تيمية ، تحقيق علي حسن عبد الحميد، دار الأصالة،ط3، 1999م، ص 94 وما بعدها بتصرف.

[5] – السيرة النبوية لابن هشام  جزء 4 ص 205.

[6] كتاب الإسلام ورهانات  الديمقراطية ، محمد محفوظ، المركز الثقافي العربي، بيروت،2002م، ص 58

[7] نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ، محمد الخضري بك، المكتبة العصرية ، ط2،بيروت، 2001م، ص 267.

[8] روح الحداثة ، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، بيروت ،2006م، ص 227.

[9] دور المدرسة في تنشئة الفرد على قيم المواطنة، بلعسلة فتيحة ، أماراباك مجلة علمية تصدر عن الاكاديمية الامريكية العربية للعلوم والتكنولوجيا، العدد 25، 2017م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.