الاقتصاد والسياسة|أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي
الدكتور حسن محمد أحمد محمد
الاقتصاد والسياسة|أثر مناهج التعليم في ترسيخ مفهوم الاقتصاد الاسلامي
بقلم: الدكتور حسن محمد أحمد محمد
يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي:
“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”
توجد ثمة علاقة تكاملية ولكنها، في ذات الآن، تنافسية، بين الاقتصاد والسياسة، وهي علاقة أزلية قديمة بل وضاربة في أعماق التاريخ الإنساني، وقد ظلت هذه العلاقة ثابتة لا تتزحزح إلى اليوم، إذ لا يمكن للسياسة أن تستغنى عن الاقتصاد، كما لا يمكن للاقتصاد أن ينعتق من ربقة السياسة، فهما أشبه بتوأمين سياميين من الصعب، هذا إن لم يكن من المستحيل، الفصل بينهما، فهناك صلة وثيقة طالما ربطت بين أكبر قوتين عظميين هما: سلطة المال وسطوته وقوة السلطة السياسية، فعلى الرغم من قوة السلطة السياسية، إلا أن الغلبة، دومًا، تكون للاقتصاد، فهو يمثل القبضة المتحكمة في الوضع السياسي للدول، فالاقتصاد والعلوم السياسية، كلاهما، في معظم الجامعات، يجتمعان في كلية أو قسم واحد، وبما أن الاقتصاد يتقدم على السياسة، فهذه إشارة، واضحة الدلالة، تؤكد على أهمية الدور الذي ينهض به الجانب الاقتصادي في حياة المجتمعات البشرية.
غير أن أكثر ما يسترعى الانتباه ويلفت نظر المتتبع لحركة السوق والأنشطة الاقتصادية الكبرى، في مجال التجارة والأسواق، هو أن أصحاب رؤوس الأموال والمالكين لها، والمتحكمين في الحركة التجارية والأنظمة الاقتصادية، عالميًا ومحلياً، غير متعلمين، أو لنقل أنهم ليسوا من ذوي الشهادات الأكاديمية ذات المستوى العالي، إلا في القليل النادر، وهناك ملاحظة، أخرى جديرة بالاهتمام، ألا وهي، أن من يُصرِّف حركة تلك الأموال ويتحكم في إدارتها، من ناحية علمية وعملية، هم المتعلمون؛ لاسيما أولئك الذين يحملون درجات علمية وشهادات أكاديمية مرموقة، ممن يتميزون بالكفاءات والخبرات المميزة، فهم الذين يتبوؤون المناصب المتقدمة في الوزارات، والشركات التجارية والمؤسسات المالية الضخمة، والبنوك، ولكنهم، في ذات الآن، لا يملكون الكثير من المال كنظرائهم من أصحاب الأسماء اللامعة في مجال المال والأعمال، بل ربما وجدنا، بعض، ذوي الشهادات من الطبقة الكادحة، الذين بالكاد، توفر لهم دخولهم (مرتباتهم) حياة متواضعة، بينما هناك من رجال الأعمال من هم متخمون بالمال، وهم بالكاد يحسنون كتابة أسمائهم، أي أنهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون، إلا أنهم يحسنون قراءة حركة السوق بصورة لا يجاريهم فيه أصحاب الشهادات الأكاديمية.
وقد ارتبط مفهوم الملك والتحكم في سياسة المجتمع، قديمًا وحديثًا، بكثرة المال، ولنقرأ قوله تعالى:
﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 247.
لا يحتاج مفهوم هذه الآية إلى شرح أو تفسير حيث يرى القوم أن الملك يتأتى من خلال سعة المال ووفرته في يد الملك، أي أنها السيطرة الاقتصادية؛ مما جعلهم يظنون أنفسهم أحق بالملك منه، لما يمتازون به من غنىً وثراء؛ حيث أورد الإمام الطبري في تفسيره: “ولم يؤت سعة من المال”، يعني: ولم يؤت طالوت كثيرا من المال، لأنه سقاء، وقيل: كان دباغا[1]. كذلك يقول تعالى:
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ هود:12.
وقد ورد في تفسير الشيخ الواحدي لهذه الآية قوله: … هلاَّ اُنزل عليك مَلَكٌ يشهد لك بالنُّبوَّة والصِّدق، أو تُعطى كنزاً تستغني به أنت وأتباعك[2].
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ الفرقان:8.
وقد ورد في تفسير هذه الآية في كتاب أيسر التفاسير للجزائري: …، فسل ربك ينزل إليك ملكاً فيكون معك نذيراً أو يلقي إليك بكنز من ذهب وفضة تعيش بهما أغنى الناس، أو يجعل لك جنة من نخيل وعنب ، أو يجعل لك قصوراً من ذهب تتميز بها عن الناس وتمتاز فيعرف قدرك وتسود قومك[3].
كذلك ينبغي لنا أن نأخذ العبرة من قصة سيدنا سليمان (عليه السلام) حينما سأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي أن يكون لأحد من بعده، وفي ذلك دلالة بينة وواضحة على أهمية البناء الاقتصادي ودوره في حياتنا الاجتماعية، قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ص:35.
وتتجلى سماحة العقيدة الإسلامية في بعد النظر الذي تميز به معاذ بن جبل؛ حين أشار على عمر بن الخطاب بأن لا يوزع أرض السواد، قائلاً: والله ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك في يد الرجل الواحد أو المرأة الواحدة، ثم يأتي من بعدهم رجال يسدون من الإسلام مسدًا، وهو لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم[4].
[1]/ محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر: تفسير الطبري – ج:5 – ص:306، دار الفكر (بيروت) 1405هـ.
[2]/ علي بن أحمد الواحدي: الوجيز في تفسر الكتاب العزيز – ج:1 – ص: 335.
[3]/ أبو بكر الجزائري: أيسر التفاسير، ج: 3، ص:77..
[4]/ أحمد مجذوب أحمد علي: السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي، ص: 141، هيئة الأعمال الفكرية، (الخرطوم) 2002م.