الاقتصاد وأهميته/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق
الدكتور حسن محمد أحمد محمد
الاقتصاد وأهميته/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق
الدكتور حسن محمد أحمد محمد
يقول تعالى:
(وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) النور:33.
(آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) الحديد:7.
إن القارئ التالي لكتاب الله الكريم، والمتتبع لسنة نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، يشهد حضورًا عظيمًا لفقه المعاملات، في القوانين والتشريعات الإسلامية، والتي تركزت حول النشاط الاقتصادي والتعاملات التجارية في الأسواق، وغيرها مما يدور بين الناس من تعاملات مالية، الأمر الذي أسهم في تحقيق منتهى الدقة والضبط في المعاملات المالية المرتبطة بحركة الأموال في شتى المعاملات التجارية والأسواق …، وفي كل ما من شأنه أن يحرك عجلة الاقتصاد ويسهم في تيسير التعامل التجاري والاقتصادي بين جميع فئات المجتمع، غير أن الإسلام لم يقف عند حد التشريع وسن القوانين، فقط، من أجل الحفاظ على الحقوق من الضياع، وإنما سعى إلى بث قوة إضافية تتمثل في وجود الوازع الديني والخلقي، النابع من ضمير الفرد والمجتمع، ويدخل ذلك في جميع المعاملات المالية والاقتصادية، قال تعالى:
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة:188.
(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) النساء: 5.
وعلى الرغم من أن الآيتين (البقرة:188، والنساء 5) تنسبان المال إلى العباد، إلا أن الحقيقة، التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان، وتؤكدها العديد من الآيات القرآنية، هي أن المال ما هو إلا منحة ربانية من الله تعالى لعباده، قال تعالى:
(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) الإسراء:30.
(وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) النور:33.
(آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) الحديد:7.
وبناء عليه يمكن القول بأنه من واجب العباد أن يتقيدوا ويتشبثوا بتلك القوانين والتشريعات التي سنها الدين الإسلامي، في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وألا يفرطوا فيها باتباع شهوات النفس وملاهيها، فيقعوا فريسة للمحرمات والممنوعات، إذ إن الإسلام قد اهتم، أيما اهتمام، بجميع وسائل كسب العيش، كما أمعن في التفريق بين الحلال والحرام امعانًا لا يوجد له شبيه أو نظير في جميع قوانين البشرية[1]، فالإسلام يمنع كل عمل أو منفعة تتسبب في ضرر الفرد أو المجتمع، في حين أنه يشجع على كل عمل يجلب مصلحة العامة أو الخاصة، وفي هذا الصدد يقول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)[2]، والحديث واضح الدلالة، فهو يدعو إلى الابتعاد عن كل ما نهى الله عنه دون أدنى تردد أو حتى مجرد تفكير فيه، يقول تعالى:
(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحسر:7.
وبهذا يكون الله رحيمًا بالمسلمين ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به من التكاليف، وامعانًا في التأكيد على هذا المعنى يقول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم:(دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)[3]، وهذا عبد الله بن رواحة، يحاور رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، بعد أن اجتمع به في العقبة: (فقال عبد الله بن رواحة للنبي، صلى الله عليه وسلم، اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة”)[4]، ولنقف مع الأنصار وهم يبيعون حاضرًا ويشترون غائبًا ولكنهم، مع ذلك، فهم مطمئنون لصفقتهم التي عقدوها دون أن توسوس لهم نفوسهم بشئ من الشك والريبة، وهذا هو الإيمان الحق الذي لا تشوبه شائبة، والتجارة الرابحة بغير شك ولا ريبة، يقول تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة:111.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) البقرة:207.
تمثل الآيتان (التوب: 111، والجمعة:11) قمة إيمانية، عالية وسامقة، تمثلت في طائفة الأنصار الذين وفوا لرسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، بما عاهدوه عليه، وليست من شك في أن الله، تعالى، سيفي لهم بما وعدهم به من نعيم في يوم البعث فيدركون، ساعتها، عظمة الربح الذي حصلوا عليه من صفقتهم التجارية الرابحة، بكل المقاييس، في مقابل ما قدموه وبذلوه في هذه الحياة الفانية، يقول تعالى:
(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) النور:37.
أما إذا صرفنا أنظارنا تلقاء أهل النار فسنجد طائفة أو مجموعة أخرى غير طائفة الأنصار، وهم الكفار والمشركون الذين تكالبوا على حب الدنيا وشغلتهم أموالهم وبنوهم في الدنيا عن التفكير في التجارة الأخروية، ويحدث القرآن عن سمات وصفات أولئك القوم فيقول تعالى:
(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) الجمعة:11.
تشير العديد من الروايات التي وردت في كتب السير أن رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، قد مارس مهنتين، فقط، طوال حياته، وهما رعي الأغنام صغيرًا يافعًا في بادية بني سعد، في مقابل بعض القراريط، أما المهنة الثانية فهي التجارة التي عمل بها في شبابه، حيث تاجر بمال السيدة خديجة بنت خويلد، يقول ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، …، فلما بلغها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول اللَّه، صلى الله عليه وسلم، منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام. ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، …، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية، وهذه ذهبت إليه، …، تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك[5]. وهنا تتجلى شخصية رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، التي ظلت على ما هي عليه من تمسك بالمبادئ والقيم الفاضلة دون أن تتغير، سواء أكان ذلك قبل الرسالة أو بعدها، فجاءت أفعاله مطابقة لأقواله فقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (عن أبي سعيد الخدري عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)[6].
[1]/ أبو الأعلى المودودي: نظام الحياة في الإسلام، ص: 58، دار الجهاد (القاهرة) 1969م.
[2]/ محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري: صحيح البخاري ج1/ص28، دار ابن كثير اليمامة (بيروت) 1987م.
[3]/ صحيح البخاري ج6/ص2658.
[4]/ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: تفسير القرطبي ج8/ص267، دار الشعب (القاهرة).
[5]/ الموسوعة الإسلامية المعاصرة، اصدار 2004.
[6]/ آبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق بن موسى: المستدرك على الصحيحين ج2/ص7، دار الكتب العلمية (بيروت) 1996م.