منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقللي في رمضان ولاتسرفي

حسناء ادويشي

0

تقللي في رمضان ولاتسرفي

حسناء ادويشي

ميز الحق سبحانه  شهر رمضان من بين سائر شهور السنة بفضيلتين: الأولى نزول القرآن الكريم، والثانية شعيرة الصوم.

شهر فضائله عامة وخيراته جمة، ففي كلِّ عام يحمل إلى المسلمين خيرا وبركة ورحمة، يقول صلى الله عليه وسلم:” لو يعلمُ العبادُ ما في رمضانَ لتمنَّت أمَّتي أن يكونَ رمضانُ السَّنةَ كلَّه”[1]

لا ينحصر الصوم فقط  في مجرد الإمساك عن المفطرات، وإنما يتجاوز ذلك إلى ضبط النفس عند الغضب، والامتناع عن إيذاء الناس، إلى جانب مشاركتهم في السراء والضراء، وبذل المعروف لمن يطلبه، والصدقة لمن يحتاج إليها. ومن مقاصد  هذا الشهر الفضيل بدرجة كبيرة: – المقصِد الاقتصادي الأول وهوالتقلل والبركة: حيث يتسم شهر رمضان بمضاعفة الخيرات، وحلول البركات؛ فهو بحق شهرُ البركة الاقتصادية للأمة الإسلامية، وفي هذا يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ” أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم “[2].، هو شهر نقبل فيه على الطاعات، وندرب النفس على العفة والتقلل والاقتصاد وكبح الشهوات.

ويكمن المقصد الاقتصادي الثاني في لفت نظر الأغنياء إلى ما يعانيه الفقراء من ألم الجوع والحرمان.

إن البركة التي تعم هذا الشهر، تجعل المؤمنة تمنح من عطفها ورحمتها لمن يحتاج دعما ماديا ومساعدة، في شهر كان فيه الرسولُ صلى الله عليه وسلم أكثرَ جودا وكرما، فالإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين وتقديم الصدقات، لهو الوسيلة التي تربي بها المؤمنة نفسها على البذل والعطاء فتجعلها تحس بمعاناة الآخرين، مما يدفعها إلى مراقبة ذاتية لنفسها فلا تسرف ولا تقتر، قال تعالى:” وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتِرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا”[3]

إن التربية على البذل والصدقة، هي البرهان على صدق تعلق المؤمنة بربها، ونشدانها الفوز في الآخرة.

لكن المؤسف الذي نلاحظه في هذا الشهر العظيم، هو تهمم النساء غالبا بالمبالغة  في التحضير

والاستعداد لرمضان  بالمأكولات والمشروبات، والتخزين المفرط لكل ذلك، ولوسائل الإعلام الدور الكبير في التشجيع على ذلك وجعل النساء يتنافسن فيه، عوض التنافس على إعداد القلب والنفس والجوارح لاستقبال الشهر الفضيل، والمسابقة على الفوز بالخير والفضل والحسنات، واغتنام الشهر للعبادة والقربات.

ليس عيبا أن تهتمَ المرأة بخدمة بيتها، وتسهرَ على تلبية حاجات أهلها من أكل وشرب، خاصة في هذا الشهر الفضيل؛ والذي تنال فيه على خدمتها الأجر العظيم، لكن ما نعيبه؛ هو هذا التنافس المبالغ على جعل ملء مائدة الإفطار بما لذ وطاب الهم الأكبر، بل تزيد المرأة متأثرة بوسائل الإعلام في الكماليات، فيأخذ منها الإعداد الجهد الكبير، ويسرق منها الوقت المبارك، وتنهك صحتها، ويقل جهدها،  وهذا يؤثر لا محالة على إقبالها على الطاعات فرضا ونافلة، والمؤسف أن ما يوضع على المائدة من أكل وشرب، قد يفضل منه الكثير، فتدخل المؤمنة في دائرة الإسراف، لقوله عز وجل:” وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”[4] يفضل على مائدة المؤمنة الطعام الكثير، في وقت هناك من هو بحاجة إليه.

إن المؤمنة إن وعت أن شهر رمضان شهر عبادة وقربات- وهذا هو مقصِده الأسمى- وفيه تضاعف الحسنات، وجعلت هذا هو الأولوية؛ ستعرف كيف تنظم وقتها، وكيف تكون حكيمة في إعداد مائدة الإفطار، جامعة بين الإتقان والإطعام بكرم وإحسان دون إسراف، متصدقة على من هو بحاجة، لا تتبع شهوات النفس، فيضيعَ الوقت والجهد، وتفوتَها فرصة الاغتراف من نفحات رمضان، فلا تنهل من بركات ليله، والدعاء  في سحره، والتدبر في القرآن،  والتسابق مع أهل الذكر والقيام، وقد حث عمر بن الخطاب ابنه عبد الله (رضي الله عنهما) ذات يوم فسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: لأشتري لحما اشتهيته، فقال له الفاروق: (أكلما اشتهيت شيئا اشتريته). وآفة عصرنا الاستهلاك بلا تقلل، بل من النساء من ابتلين بلذة الشراء، فسيدنا عمر رضي الله عنه، وضع لنا هذا الضابط حتى لا ننساق – نحن النساءَ-وراء شهواتنا في الشراء والتسوق.

أيتها المؤمنة المتطلعة إلى الأجر والثواب في شهر فضله الله وحباه بالخيرات، اجعلي رمضان فرصتك السنوية للتدريب على الإنفاق الرشيد، تتدربين فيه على إلغاء الاستهلاك المفرط، بحيث تقاومين شهوة الشراء، ضعي نصب عينيك” إن الله لا يحب المسرفين”، وأنت حتما تسعين للقرب من الله ونيل محبته ورضاه فلن تسرفي، ولن تخالفي أمر الله.

أيتها المرأة المؤمنة أنت مأجورة مشكورة من الله الكريم على ما  تمنحين من وقت وجهد لخدمة بيتك، و حرصك على إسعادهم بما تقدمين من مأكل ومشرب، لكن توسطي واقتصدي،  وتذكري وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: “ماعال من اقتصد”[5].

اجعلي أولويتَك التنافسَ على الطاعات، ولا تنساقي وراء العادات الاستهلاكية الجارفة، واحرصي على أن تقتدي في ذلك بسِيَر الصحابيات الأوليات من تطلعن إلى الكمال، وكن رائدات سباقات لجلائل الأعمال من الفضل والإحسان.


 

[1] – البيهقي في ((شعب الإيمان)) (3361)

[2] – أخرجه النسائي (2106)، وأحمد (7148)

[3] – الفرقان/67

[4] – الأعراف/31

[5] – مسند الإمام أحمد/4269

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.