منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللباس كرامة وستر (1)  فقه اللّباس 

اللباس كرامة وستر (1)  فقه اللّباس /الدكتور رشيد سمغولي

0

اللباس كرامة وستر (1)  فقه اللّباس 

بقلم: الدكتور رشيد سمغولي

يقول ربنا عز وجل، في سياق تذكيرنا بمِننِه علينا، ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ[1]. الثياب والملابس التي نتّخذها من أصواف الأنعام وأشعارها وأوبارها نتّقي بها البرد في الشتاء، والحرّ في الصيف. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ. كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ[2]. قال ابن عاشور رحمه الله: ” والسرابيل: جمع سربال، وهو القميص يقي الجسد حرّ الشمس، كما يقيه البرد. وخصّ الحرّ هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين في وقت نزولها “[3].

         وإن المتأمل المتفكّر فيما خلق الله تعالى في هذا الكون يدرك أن إنعام الباري جل وعلا على الإنسان باللباس هو تجلّ من تجليات الكرامة الربانية التي خصّ الله تعالى بها الإنسان، وفضّله بها على كثير من الخلائق. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[4].

         فالتّستّر باللباس هو من خصال الفطرة التي جُبل عليها هذا الإنسان منذ نشأته الأولى، فهو صفة آدمية، وعكسه التّعري الذي هو صفة حيوانية. فالإنسان الذي لم تفسد فطرته، ولم تتشوّه آدميته، لا يميل بطبعه إلى التّعرّي، بل يحرص على أن لا تُكشف عورته، وأن لا تظهر سوءته. ولذلك لما بدت لآدم عليه السلام وزوجه سوءاتهما لما أكلا من الشجرة المحظورة عنهما، شرع كل واحد منها في ستر نفسه بورق الجنة. قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ[5].

         وإذا فسدت الفطرة، بالكفر أو النفاق، أو بغياب التربية على الإيمان والاستقامة على دينه وشريعته، فإن التعرّي عندئذ لا عيب فيه ولا ملامة عليه. قال الله تعالى، يخبرنا عن أهل الجاهلية الذين ابتدعوا التعري عند الطواف بالبيت[6] ونسبوا ذلك لدين الله افتراء عليه، ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[7].والآية واضحة في اعتبار التعرّي الذي يكون في غير محلّه فاحشة منكرة شرعا، وهي أيضا مستقبحة طبعا، أعني طبع العقلاء الأتقياء.

         وقد نبّهنا القرآن أيضا على أن حمل الإنسان على التعري، وعلى عدم التوقي من إظهار عورته علانية، هو من كيد الشيطان وأوليائه الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الناس. قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا[8].ومدلول الآية بيّنٌ في أنّ كشف العورات فتنة ينبغي الاحتراز عنها. وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك من التعرّي، وأخبر أنه سبب في دخول النار في الآخرة، وأن من أهل جهنم “نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مُميلاتٌ مائلاتٌ، رُءوسُهنّ كَأسْنمَةِ البُخْتِ[9] المَائلةِ، لا يدْخُلنَ الجنّةَ، ولا يَجدْنَ ريحَها، وإنّ ريحَها لَيوجدُ من مَسيرَة كذا وكذا[10].

         وفي مقابل التّعري والفحشاء، أمر الشرع الحكيم بالسّتر والحياء. روى أبو داود من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده قال: “ قلت: يا رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذرُ؟ قال: “احفظْ عورتَكَ إلاّ من زوجتِكَ أو ما ملكت يَمِينُكَ. قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إذا كان القومُ بعضُهم في بعضٍ، قال:إن استطعتَ أن لا يرينَّها أحدٌ فلا يرينَّها. قال: قلتُ: يا رسول الله، إذا كان أحدُنَا خالياً، قال: “اللهُ أحق أن يُسْتَحيا مِنَ الناسِ[11].

         ومن أجل التربية على الحياء وحفظ العورات، فرضت الشريعة المئزر على الرجال لدخول الحمام، ولم ترخّص في دخوله للنّساء إلا لعذر. روى الترمذي من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمَّامَ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالخَمْرِ[12]. وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّها ستُفتَحُ لكم أرضُ العجم، وسَتَجِدُونَ فيها بيوتاً يُقال لها: الحمَّاماتُ، فلا يدخُلَنَّها الرجالُ إلا بالأُزُرِ، وامنعُوها النِّساء إلا مريضةً أو نُفَسَاءَ[13]. ويؤيده أيضا حديث عائشة رضي الله عنها في سنن الترمذي، وقد جاء فيه: أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الحَمَّامَاتِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:“مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا[14].

         وألحق الفقهاء بالمريضة والنّفساء، في دخول الحمام، كل حالة ضرورة أو حاجة. قال ابن تيمية: “قال العلماء: يُرخّص للنساء في الحمّام عند الحاجة، كما يرخص للرجال مع غض البصر وحفظ الفرج، وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء أو عليها غسل لا يمكنها إلا في الحمام. وأمّا إذا اعتادت الحمّام وشقّ عليها تركه فهل يباح لها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما لا يباح، والثاني يباح وهو مذهب أبي حنيفة “[15].

         ويقضي فقه الحياء والستر أيضا بعدم جواز إزالة الثياب في الأماكن العامة بشكل تكشف معه العورات. روى مسلم من حديث المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل، وعَلَيَّ إزارٌ خفيف، قال: فانحلّ إزاري ومعي الحجر لم أستطعْ أن أضعَه حتى بلغتُ به إلى موضعِه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً[16]. وروى النسائي من حديث يعلى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بِالْبَرَاز[17]، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ” إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ[18].والأمر بالاستتار هنا للوجوب قطعا إذا كان المغتسل في فضاء يراه من لا يحلّ له النظر إلى عورته، وهو للنّدب إذا كان وحده أو بحضرة من يحل له النظر إلى عورته كزوجه.

         ومسوغ القول بالندب إذا كان المغتسل وحده هو ورود بعض الأحاديث التي تدل على ذلك. وقد ترجم البخاري له بقوله: “باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستّر فالتستّر أفضل“، ثم ساق بسنده حديثين مرفوعين يدلان على أن موسى وأيوب عليهما السلام اغتسل كل واحد منهما عريانا[19]. قال الحافظ ابن حجر: “والذي يظهر أن وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصّ القصّتين ولم يتعقب شيئا منهما، فدلّ على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبيّنه”[20].

         وحفظا لعورات الناس، وصيانة لأعراضهم، وترسيخا لأخلاق الفضيلة والحياء، شرع الإسلام الاستئذان، وأوجبه على من أراد أن يدخل على غيره في بيته. قال الله تعالى:  ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [21]. ويتورع المحتاط لدينه عن إرسال بصره داخل بيوت الناس. روى الترمذي من حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ[22]. هذا في سنته القولية في الاستئذان، وفي سنته العملية روى أبو داود من حديث عبد الله بن بسر قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بابَ قومِ لم يستقبلِ البابَ مِن تِلقاءِ وجهِه، ولكن مِن رُكْنه الأيمنِ أو الأيسرِ،ويقول: السلامُ عليكم، السلامُ عليكم. وذلك أن الدُّورَ لم يكن عليها يومئذٍ سُتُورٌ “[23].

         ويوبّخ المتلصص بعينيه على بيوت الناس أشد ما يكون التوبيخ، ويعاتب، ويؤدّب. روى البخاري من حديث سهل بن سعد قال: ” اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ” لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ[24].

         ويشمل الاستئذان أهل البيت الواحد، فيستأذن الابن على أمه في حجرتها، ويستأذن على أخته، وتستأذن هي عليه، وتستأذن على أبيها، وهكذا سائر القرابة. روى مالك عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ:نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ:إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا[25].

         ويربى الأطفال قبل سنّ البلوغ على الاستئذان، وخصوصا في أوقات معلومة حدّدها القرآن في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [26].


[1]الآية 5 من سورة النحل.

[2]الآية 81 من سورة النحل.

[3]التحرير والتنوير، ابن عاشور، 14/240.

[4]الآية 70 من سورة الإسراء.

[5]الآية 22 من سورة الأعراف.

[6]ينظر تفسير ابن كثير 3/402.

[7]الآية 28 من سورة الأعراف.

[8]الآية 27 من سورة الأعراف.

[9]البخت نوع من الجمال. ينظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 30.

[10]صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات، رقم 2128.

[11]سنن أبي داود، أبواب الأب، باب ما جاء في حفظ العورة، رقم 2794.

[12]سنن الترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام، رقم 2801.

[13]سنن أبي داود، كتاب الحمام، رقم 4011.

[14]سنن الترمذي، أبواب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام، رقم 2803.

[15]مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 15/379.

[16]صحيح مسلم، كتاب الحيظ، باب الاعتناء بحفظ العورة، رقم 341.

[17]جاء في مختار الصحاح: ” البراز بالفتح: الفضاء الواسع ” ص 32.

[18]سنن النسائي، كتاب الغسل والتيمم، باب الاستتار عند الاغتسال، رقم 406.

[19]صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل، رقم 278، ورقم 279.

[20]فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، 1/386.

[21]الآية 27 من سورة النور.

[22]سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء، رقم 357.

[23]سنن أبي داود، باب كم مرةَ يُسلَّم الرجل في الاستئذان؟، رقم 5186.

[24]صحيح البخاري، كتاب  الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، رقم 6241.

[25]الموطأ، باب الاستئذان، باب الاستئذان، ص 963.

[26]الآية 59 من سورة النور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.