منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قال الله تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ”

الدكتور مصطفى العلام

0

قال تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ”

بقلم: الدكتور مصطفى العلام

أقوال بعض العلماء:

قال ابن عاشور: “وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين، وإن كان سبحانه غنيا عن البيان والتعليل، لأنه يأمر فيطاع، ولكن في بيان الحكمة تخفيفا من مشقة التكليف، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة، فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته، إذ يكره الطبع شيئا وفيه نفعه وقد يحب شيئا وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات، فإن الشيء قد يكون لذيذا ملائما ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريها منافرا وفي ارتكابه صلاح.[1]

يقول ابن الجوزية :” .. لا أنفع له من امتثال الأمر  و إن شق عليه في الابتداء لأن  عواقبه كلها خيرات و مسرات و لذات و أفراح و إن كرهته نفسه فهو خير لها و انفع . و كذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي و ان هوِيته نفسه و مالت إليه و إن عواقبه كلها آلام و أحزان و شرور و مصائب و خاصة العقل . تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة و الخير الكثير و اجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم و الشر الطويل”[2].

يقول سيد قطب رحمه الله “وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل” [3]

وتختم الآية: “والله يعلم وأنتم لا تعلمونيقول ابن عاشور رحمه الله  “فالله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم، فيظنون الملائم نافعا، والمنافر ضارا. والمقصد من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاده أنه الصلاح والخير، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه، فنطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها”. [4]

نماذج وأمثلة من القرآن والسنة النبوية:

هذه القاعدة القرآنية التي تحدثت عنها هذه الآية الكريمة من سورة البقرة نجد لها أمثلة ونماذج كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر:

قصة الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام: فسيدنا الخضر خرق السفينة وقتل الغلام وبنى الجدار ‏، وكل هذه الأحداث كانت تبدو لسيدنا موسى عليه السلام  أنها ليس فيها أي خير ومن تم كرهاها، في حين أن كل هذه الأحداث كان فيها خير كثير.

قصة أم موسى عليه السلام: أوحى الله سبحانه وتعالى إلى أم موسى أن ترميه في اليم، وهو مصير مجهول بالنسبة لها ، وليس فيه أي خير، لذلك كرهته، في حين أن رمي صبي صغير في اليم كان فيه خير كثير له بعيدا عن فرعون وبطشه.

‏ ‏قصة سيدنا يوسف عليه السلام: فيوسف عليه السلام ألقاهُ إخوته في البئر ، وهو مصير مجهول كذلك ، وكان هذا الأمر ‏يبدو للوهلة الأولى أنه شر مبين، في حين أن سيدنا يوسف مكن الله بهذا الأمر في أرض مصر .

‏قصة أم سلمة رضي الله عنها: فأم سلمة رضي الله عنها فقدت زوجها، وكرهت هذا الأمر كراهة شديدة،بل كانت تظن أن حياتها قد انتهت بعد وفاته، ولم يبق لها من الخير شيئا، لكن الحق سبحانه وتعالى عوضها خيرا منه حين تزوجت من النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم.

نماذج وأمثلة من الواقع:

هذه القاعدة القرآنية التي تحدثت عنها هذه الآية الكريمة من سورة البقرة نجد لها أمثلة ونماذج كثيرة من الواقع الذي نعيشه ، نذكر بعضها على سبيل الذكر لا الحصر:

1ـ الفقر والغنى : يبتلي الله عبدا من عباده بالفقر فيحزن  حزنا شديدا ويظنّ  السّوء  بربّه الكريم ،  ثمّ يلحّ في طلب الدّنيا،  فيفتح الله له بابا من أبواب الرّزق، ويغدق عليه، فينسى ربه . ويكون الغنى سببا في فساد دينه ودنياه.

2ـ إنجاب الذرية: يبتلي الله عبدا من عباده فيحرمه الذرية والأولاد،  فيتضجّر ويتبرّم، ويظنّ  السّوء بربّه الكريم،  وهو لايعلم أنّ الذرية التي حُرِم ستكون سببا لتعاسته في الدنيا وخسارته في الآخرة.

3ـالصحة و المرض: يبتلي الله عبدا من عباده بالمرض،  فيتحسّر ويتسخّط،  وهو لا يعلم أنّ الله  ابتلاه لأنّه علم أنّ الصحّة ستطغيه وتنسيه الموت وتلهيه، وتؤدي به إلى معصية  الله وظلم  عباد الله.

4-مناصب الدنيا :  يبتلي الله عبدا من عباده ويفوّت عليه منصبا من مناصب الدنيا، فيحزن حزنا شديدا، وينسى أنّ الله ربّما صرف عنه ذلك المنصب لأنّه سيكون سببا لفساد دينه أو دنياه.

5ـ النجاح في الامتحانات: يدعو عبد من عباد الله ربّه بالنّجاح في امتحان من الامتحانات،  ويلحّ عليه في الدّعاء،  فيبتليه الله بالفشل في ذلك الامتحان، فيحزن  يظنّ  السّوء بربّه الكريم،  وهو لا يعلم أنّ الله صرف عنه النّجاح لحكمة يعلمها أو لخير يخبّئه له.

وعموما فإن هذه القاعدة تدعونا للاعتبار أن العبد المؤمن لا يدري  أين يكون  الخير وأين  يكون  صلاح أمره؟.  في الشدّة أم في الرّخاء؟ في العافية أم في البلاء؟  لا تدري المؤمنة أين يكون  صلاح دنياها  وأخراها؛  في الزّواج أم في العنوسة؟  مع الزّوج الفقير أم مع الزّوج الغنيّ؟  مع الذرية أم مع العقم؟ والله يعلم وأنتم لاتعلمون.


[1]– بن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص321-322

[2]  الفوائد لابن القيم – ط العلمية ،ص138

[3] سيد قطب، في ظلال القرآن،ج1/ ص: 225.

[4] – ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2،ص 323

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.