هل طلق النبي صلى الله عليه وسلم سودة رضي الله عنها؟
هل طلق النبي صلى الله عليه وسلم سودة رضي الله عنها؟/ عثمان عليلش
هل طلق النبي صلى الله عليه وسلم سودة رضي الله عنها؟
بقلم: عثمان عليلش
مقدمة:
تزوج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة،[1] وخطب أربعا أو خمسا، ولم يتم الزواج بهن، ومات عن تسع منهن، رضي الله عنهن جميعا، وتسرى أيضا بأربع إماء،[2] وكان لكل امرأة تزوجها داع اقتضته طبيعة مهمته ﷺ من حيث التأليف بين القلوب، وتبليغ أحاكمه الخاصة للأمة، زيادة على ما حبب إليه ﷺ من النساء، وإرادته الحث على تكثير النسل،[3] وكانت أول امرأة دخلت لحياته الكريمة الشريفة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وزيرة الصدق في الإسلام، الطاهرة قبل الإسلام وبعده، عضد رسول الله ﷺ في محنه وابتلاءاته مع الوحي، ومع قومه.
حياة سودة رضي الله عنها:
لما توفيت خديجة رضي الله عنها سنة عشر من النبوة وقبل الهجرة بثلاث سنين، بقي رسول الله ﷺ جريحا كسيرا، يشكو ألم فقد عمه، وفقد زوجته وأنيس روحه في نفس الوقت، وشريكة دعوته ومحنته، فعرضت عليه السيدة الفاضلة خولة بنت حكيم رضي الله عنها الزواج، فأشار عليها أن تختار له فاختارت له سودة بنت زمعة بن قيس العامرية، رضي الله عنها، أم المؤمنين الثانية، فخطبها وتزوجها في شوال[4] وقيل في رمضان من السنة العاشرة من النبوة،[5] بعد وفاة خديجة بأيام فقط، وكانت قبله عند زوجها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو رضي الله عنهما، وهي ممن أسلم قديما مَعَ زوجها، ثم هاجرت رضي الله عنها معه إلى الحبشة، فلما عادت مات عنها، وكانت سيدة جليلة نبيلة، ضَخْمَةً، ذات رأي وحكمة ورزانة، وقد انفردت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين حتى دخل بعائشة، رغم أن العقد على عائشة كان قبل سودة،[6] وكانت تضحكه أحيانا وتهَش معه كثيرا، واختلف في وفاتها، فقيل: توفيت في خلافة عمر، وقيل: سنة أربع وخمسين للهجرة، وهو الذي نصره ابن سعد،[7] ولها خمسة أحاديث.
قصة الطلاق وحقيقتها:
وقد وقعت لها قصة مشهورة، لأجلها حرر هذا المقال وهي قصة هبتها يومها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، في صحيح البخاري ومسلم: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ.[8] وهنا يطرح سؤال وهو: القرب من رسول الله ﷺ مطلب غال لكل مسلم، فكيف وهبت سودة يومها لعائشة، ورسول الله ﷺ زوجها وإمام المرسلين، وقربه غاية كل رجل وامرأة؟ في الإجابة عن هذا السؤال يقال: إنه يمكن استخلاص خمسة أسباب من الروايات المأثورة:
الأول: كبرها وزوال ميلها للرجال، روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ؛ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ.[9] وظاهر هذه الرواية أن سبب تنازلها عن حقها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنها كبرت في السن، ولم يعد لها ميل للرجال، كما لم يعد للرجال ميل إليها، كعادة كل امرأة كبرت وأسنت، فراعت قلب رسول الله ﷺ وتنازلت عن حقها، دون أن تكون قد شعرت أن رسول الله ﷺ يهم بطلاقها، قال الذهبي رحمه الله: “وهي التي وهبت يومها لعائشة، رعايةً لقلب رسول الله صلى الله عليه، وكانت قد فَرِكت.”[10] أي قل ميلها للرجال. وهذه الرواية لا تطرح إشكالا، بل هو أمر طبيعي، فإنها رضي الله عنها كانت حينئذ كبيرة في السن جدا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوجها كانت تزيد في العمر على الستين، قال أبو زهرة رحمه الله: تزوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من بعدها قبل الهجرة سودة بنت زمعة، وكانت نحو سن خديجة، أي في ست وستين من عمرها.[11]
الثاني: طلب رضا رسول الله ﷺ فقط، روى البخاري عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا… الحديث، وفيه: غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ،[12] وهذه الرواية ليس فيها شيء من عدم الميل للرجال، ولا الخوف من الطلاق ولا وقوعه فعلا.
الثالث: الخوف من الطلاق، وهناك روايات أخرى تفيد أنها لم تتنازل عن يومها مراعاة لرسول الله ﷺ فقط، أو لكبر سنها، بل هي رضي الله عنها خافت الطلاق من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا، فأسرعت بالتنازل عن حقها من رسول الله ﷺ حتى تكون زوجته في الجنة، فقد روى أبو داوود رحمه الله عن عائشة قالت: وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ، وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا. قَالَتْ: نَقُولُ: فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا – أُرَاهُ قَالَ: – {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا}[13] ورَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيتُ سَوْدَةَ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ فَنَزَلَتْ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ من شيء فَهُوَ جَائِزٌ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.[14]ومعنى فرِقت خافت، أي أنها شعرت أن ميل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قد ضعف، كما أن ميلها هي للرجال قد ذهب أيضا، فخافت الطلاق، فبادرت بالتنازل، دون أن يكون الطلاق قد وقع بالفعل، وهذا هو مذهب الجمهور، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قال بعد ذكر عدة روايات تفيد خوفها من الطلاق دون وقوع الطلاق: “فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت.”[15] وهو يفيد أن خوف الطلاق كان هاجسا منها رضي الله عنها فقط، ولم يصدر من رسول الله ﷺ ما يؤيده، غير أنها بادرت لصلاحها ونبل نفسها بالتنازل، حين رأت أن رسول الله ﷺ يرتاح لعائشة أكثر، وهذا السبب مع ما تقدم من طلب الرضا وعدم الميل للرجال يصح أن يعد سببا واحدا، أي أنها خافت الطلاق لأنها كبرت، فطيبت خاطر رسول الله ﷺ بالتنازل، وقد جمعت بينهما رواية أبي داوود المتقدمة، وهي عند الحاكم أيضا[16] وغيره، وهذا أمر طبيعي لا يمكن لأحد أن يدخل منه لغمز سيدنا رسول الله ﷺ بشيء، لأنه بشر كباقي الناس، يعجبه في المرأة الصغر والجمال، لكنه مع ذلك يراعي العهود ويحفظ المودة.
الرابع: الهم بالطلاق فعلا، وهو قول السدي، قال الماوردي: “اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هم بطلاق سودة بنت زمعة فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها. وهذا قول السدي.”[17] وهذا فهم السدي رحمه الله.
الخامس: وقوع الطلاق فعلا، لكن هناك رواية أخرى تفيد أن سبب تنازلها هو وقوع الطلاق فعلا، ومراجعتها له بعد، وهي ما رواه البيهقي في السنن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ رضي الله عنها: ” اعْتَدِّي “، فَجَعَلَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً وَهُوَ أَمْلَكُ بِهَا.[18] وابن سعد في الطبقات[19] عن القاسم بن أبي بزة مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى سودة بطلاقها، فجلست على طريقه فقالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه، لم طلقتني؟ ألمَوجدة؟ قال: لا، قالت: فأنشدك الله لما راجعتني، فلا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أبعث في نسائك، فراجعها، فقالت: فإني أهب يومي وليلتي لقرة عين رسول الله ﷺ عائشة. والسبب الأخير يطرح إشكالا في حق النبي ﷺ عند كثير من الناس، خاصة من النساء، إذ تطليق المرأة بعد عشرة طويلة معها لمجرد أنها كبرت نوع من عدم الوفاء ورد الجميل، وهو لا يليق بمقام نبينا ﷺ، حتى ولو قلنا إن القسم في حقه لم يكن واجبا كما هو مذهب الجمهور، وهذا التطليق نعم هو جائز في ذاته، كما قال ابن العربي في تفسير آية: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} [النساء:128]: “وفيها رد على الرُّعُن الذين يرون الرجل إذا أخذ المرأة وأسنت لا ينبغي له أن يتبدل بها، فالحمد لله الذي رفع حرجا، وجعل من هذه الضيقة مخرجا.”[20] ولكن الجائز أحيانا يكون غير لائق، خاصة في مقام النبوة، وما استشكله من وجود ضيق في هذه المسألة مسلم، ولكن يخرج من الضيق بالزواج من أخرى مع إبقاء القديمة وذلك خير من الزواج بأخرى وتطليق القديمة، لأجل مراعاة العهد والأيام الجميلة التي سبقت، والأولاد الذين ربوا بينهما، والخدمة التي قدمتها الزوجة، وجبرا لخاطرها، حتى لا يجمع عليها كبر السن، وفقد الزوج في آن. ولأجل كل هذه الاعتبارات فقد برأ الله نبيه ﷺ من أن يطلق امرأة حفظت عهده ووده لمجرد أنها كبرت، وذلك لأن أثر ابن سعد وإن كان سنده صحيحا، ورجاله ثقات، لكنه مرسل، لأن القاسم بن أبي بزة تابعي،[21] والمرسل ضعيف لا تقوم به حجة، كما أن أثر البيهقي أيضا ضعيف، لأن فيه أحمد بن الفرج وبقية وهو ابن الوليد، وهما ضعيفان،[22] ويرده من حيث المعنى أن النبي ﷺ لم يكن تزوج سودة لصغرها أصلا، فإنه تزوجها وهي في عمر الستين كما تقدم، فلم يطلقها بعد مرور سنوات قليلة؟! ويلاحظ في الأخير أن الاختلاف في تفسير سبب هبتها يومها لعائشة هو أنها لم تصرح بالسبب، فترددت الأقوال في معرفة نيتها بذلك، بحسب القرائن، فعائشة مرة تقول: إنها طلبت رضا رسول الله ﷺ ومرة تقول: إنها خشيت الطلاق، ويوافقها على ذلك ابن عباس، والسدي يفهم أن النبي ﷺ فعلاً هم بطلاقها، ويبقى الحق ما رجحه الجمهور من أنها كبرت وخافت الطلاق وأرادت أن تحشر يوم القيامة زوجة للنبي ﷺ فتنازلت عن حقها، وبذلك يتبين أن النبي ﷺ هو خير الناس لأهله وزوجاته، الذي يرعى العهد معهن، ويحفظ لهن خاطرهن واعتبارهن، رضي الله عن أمنا وأم المؤمنين سودة وأرضاها وعن كل أمهات المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.
[1] هذا هو التحقيق، وريحانة بنت زيد النضرية كانت أمة ولم تكن زوجة، وقد قيل عددهن أكبر، حتى أوصل بعضهم عدد زوجاته إلى ثلاثين امرأة! انظر: ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ط4، 1425ه، 2005م، ج1، ص110.
[2] المصدر السابق، ص111.
[3] نقل ابن حجر في تلخيص الحبير فوائد تعديد النبي ﷺ أكثر من أربع، ابن حجر، أحمد بن علي، تلخيص الحبير، تحقيق حسن بن عباس بن قطب، مؤسسة قرطبة دون مكان النشر، ط1، 1416ه، 1995م، ج3، ص288.
[4] المباركفوري، صفي الرحمن، الرحيق المختوم، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، 1432ه، 2011م، دون رقم الطبعة، ص105.
[5] الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومن معه، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405ه، 1985م، ج2، ص267.
[6] ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المكتبة السلفية، ط1، 1390ه، ج9، ص316.
[7] المصدر السابق، نفس الصفحة.
[8] صحيح البخاري، حديث رقم4914، ومسلم حديث رقم 1463.
[9] صحيح مسلم، رقم1463.
[10] السابق، ج2، ص266.
[11] أبو زهرة، محمد بن أحمد، خاتم النبيين، دار الفكر العربي، بيروت لبنان، 1433ه، 2012م، دون رقم الطبعة، ج3، ص1097.
[12] صحيح البخاري، رقم2688.
[13] سنن أبي داوود رقم 2135.
[14] سنن الترمذي، رقم3040.
[15] فتح الباري، ج9، ص313.
[16] مستدرك الحاكم، رقم2760.
[17] الماوردي، علي بن محمد، النكت والعيون، (تفسير الماوردي) تحقيق السيد بن عبد المقصود، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، دون سنة الطبع ورقم الطبعة، ج1، ص532.
[18] سنن البيهقي، رقم 15006.
[19] ابن سعد، محمد بن سعد الزهري، الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة الخانجي، القاهرة مصر، ط1، 1421ه، 2001م، ج10، ص54.
[20] ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، تحقيق رضا فرج الهمامي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، 1443ه، 2021م، دون رقم الطبعة، ج1، ص514.
[21] فتح الباري، ج9، ص313.
[22] الألباني، محمد ناصر الدين، إرواء الغليل، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، ط2، 1405ه، 1985م، ج7، ص147.