حوار مع الدكتور الأديب عبد الحق الهواس
حوار مع الدكتور الأديب عبد الحق الهواس حاوره الأستاذ حسن العلام
حوار مع الدكتور الأديب عبد الحق الهواس
أجرى الحوار: الأستاذ حسن العلام
يتشرف موقع منار الإسلام أن يستضيف الكاتب المبدع الأكاديمي الدكتور عبد الحق حمادي الهواس للحوار معه حول تجربته الأدبية الشعرية الفذة و المميزة ولنحلق معه في سماء اللغة العربية و الأدب الإسلامي و قضاياه المعاصرة.
1- الأستاذ عبد الحق الهواس أهلا وسهلا بك ضيفا عزيزا و غاليا على موقع المنار، أنت من مواليد سوريا عام 1955 هاجرت إلى العراق ثم انتقلت إلى تركيا والآن تقيمون في جدة بالمملكة العربية السعودية، أستاذ جامعي باحث اشتغلت زمنا مديدا في البحث الأكاديمي تخصص دقيق في الأدب العربي في مرحلة ما قبل الإسلام، حاصل على الدكتوراه في اللغة العربية و آدابها، درست في عدة جامعات عربية، العراق السعودية، ليبيا و اليمن، عضو اتحاد كتاب العرب و عضو رابطة الأدب الإسلامي، لديك العديد من المؤلفات و الأبحاث المميزة في الشعر و القصة و اللغة و الأدب الجاهلي، وربما هناك مؤلفات لم تطبع بعد.
أستاذي العزيز،
أعتقد أن هناك محطات أخرى في شخصيتكم الفذة، هلا تفضلتم بإضافتها حتى يتعرف عليها القراء الكرام.
الآن أنا في تركيا/ مرسين، رئيس المركز الدولي للتعليم العالي وشؤون الجامعات، ورئيس اتحاد الكتاب والأدباء والمثقفين والفنانين السوريين. ولست في السعودية، فقد غادرتها منذ عامين.
2- اسمح لنا استاذ أن نعود بذاكرتكم ولو بشكل سريع إلى أيام الدراسة الأولى و كيف كانت بداية مشواركم الأدبي و لماذا الشعر بالذات؟
منذ بداية حياتي الدراسية وخاصة في مرحلة الإعدادية وجدت نفسي ميالاً إلى الأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص. لكن التحاقي بسلاح الطيران طياراً حربياً شكّل انقطاعاً وتحولاً في حياتي، إلا أنني بعد تسريحي من سلاح الطيران انطلقت نحو الأدب والشعر، فكانت لي مشاركات في الجامعة أعني جامعة حلب، وفي المركز الثقافي في دير الزور، وقد شاركني الشاعر تميم صائب رحمه الله في الأمسيات الشعرية في مدينتي دير الزور، وأصبح لنا حضور فيها.
3- حدثنا عن الإنتقال من سوريا إلى العراق وهل كان لذلك أثر في صقل موهبتكم و اهتمامكم بالأدب و الشعر؟
انتقلت إلى العراق، وأنا في السنة الأخيرة في الجامعة مضطراً بعد مطاردتي من قبل النظام، وهناك أكملت دراستي حتى مرحلة الدكتوراة، وعملت في وزارة الإعلام مسؤولاً لقسم الإشراف اللغوي، وكذلك في الإذاعة الموجهة، وأعتقد أن تجربتي في الشعر نضجت في العراق لكونه البلد الذي يولد فيه الشعر، كما يقول النقاد العرب، وأن المدرسة العراقية، مدرسة الجزالة والصنعة التي تنتمي إلى طرفة بن العبد، وحبيب بن أوس أبي تمام.
وقد قدمت لي هذه المدرسة وشعراؤها الكثير، فاتخذ أسلوبي الشعري منحى المزاوجة بين المدرسة العراقية، والمدرسة الشامية التي تنتمي إلى امرئ القيس وتبلورت على يد البحتري، وهي مدرسة الطبع.
4- بمن تأثرتم في البدايات من الأدباء و الشعراء و شخصيات أخرى، ولماذا اخترتم تخصص الأدب الجاهلي؟
لم يكن لي تأثر واضح بشاعر معين لأني كنت أقرأ للجميع؛ لكن استوقفني أبو العلاء المعري، والمتنبي، وفي العصر الحديث عمر أبو ريشة وأحمد شوقي، والجواهري، ومن الكتّاب الرافعي، والمنفلوطي وجبران.وتأثرت كثيرا بالمقامات وبالتوحيدي…
5-ما الذي يعنيه الأدب الإسلامي بالنسبة إليكم، وهل هو -الأدب الإسلامي- ظاهرة ثقافية عابرة أم هذا اللون من الأدب ذو أصل ثابت و ذو جذور عتيقة؟
الأدب الإسلامي يمثل هوية للأمة، وليس للفرد فقط، وهو أدب كانت له بعض الملامح في العصر الجاهلي من خلال الأخلاق الحميدة والخوف من الله لدى الحُمس والأحناف، وموقفهم من أخلاق النساء فذكروا إعجابهم بحجاب المرأة (وهذا من أهم ماكان لدى عرب الجاهلية) أنهم أشادوا بحجاب المرأة، وعفتها، حتى قال الشنفرى:
لقد أَعْجَبَتْنِي لا سَقُوطاً قِناعُها إِذا ما مَشَتْ، ولا بِذَات تَلَفُّتِ
وهذا القيم مثلت الأرض الصالحة لخصوبة القصيدة في العصر الإسلامي حتى غدا ومازال هذا الأدب الإسلامي هوية الأمة، وإني لأعجب كيف نهرب من ذاتنا وهويتنا، بينما يعود أدباء العالم إلى ذاتهم ويصرحون بأنهم يصدرون في أدبهم عن معينهم الديني بل ويفخرون بذلك.
6- كيف كان الإنتقال (التحول) إلى أستاذ جامعي وماهو شعورك وأنت تدرس متنقلا بين جامعات عربية؟
التحول إلى العمل الأكاديمي أمر عظيم، فالجامعة تمثل قمة العطاء العلمي، وما قرأت قول المتنبي:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
إلا وقلت: هذه هي الجامعة. وكانت تجربتي في جامعة بغداد من أجمل التجارب الحيوية، ولقد فرضت عليّ الغربة الانتقال من جامعة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، فكانت نهاية التدريس مسكاً في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي جامعة طيبة الرائعة.
7-هل يساهم النقد في تطوير الأدب وهل له علاقة بمدى تشبث الناقد بشروط و أصول معينة؟
نعم يساهم النقد في تطوير الأدب لما يقدمه من إيضاح لجماليات هذا الأدب مشيراً إلى الإبداع والابتكار ومحذراً من الانحراف عن الغائية في تقويم صائب للعمل الأدبي.
8-أثمة من صلة مميزة بين الأدب الإسلامي و الأدب العربي؟ وحسب اعتقادكم هل يجسد الأدب الإسلامي جسرا ممتدا بين الأدب و الإسلام؟ ثم ما جوهر العلاقة القائمة بينهما؟
في الحقيقة لا يوجد فصل بين الأدب الإسلامي، والأدب العربي، وإنما هناك أدباء يركبون موجاً بعيداً عن أماكنهم، ويرتدون ثياباً ليست لهم، ويطيرون بغير أجنحتهم، ويغرفون من معين غيرهم، وليتهم لم يقوموا بفصل حاد بين هويتهم ونتاجهم لكان لهم حضور متميز. فأدبنا إسلامي بلغته التي وجدت عبقريتها في القرآن في الكريم، وفي قيمة التي رعاها ديننا الإسلامي الحنيف، ومعينه الحقيقي هو الإسلام.
9-نلتم شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة المستنصرية ببغداد سنة 1994، وكان عنوان الأطروحة ( البناء الفني للمعلقات ) نود منكم أن تعطونا نبذة عن المعلقات وماهي الخصائص التي تميز شعر تلك القصائد؟
نعم دراستي للمعلقات في مرحلة الدكتوراه هي:
البناء الفني للمعلقات، دراسة أدبية نقدية للقصيدة العربية في مرحلة ماقبل الإسلام، ونلت الدرجة بامتياز. وقد قمت بتأصيل رواية المعلقات، وهي ثلاث روايات: 1- الكوفية الأم 2- البصرية -3- البغدادية – ثم استخرجت تسميتها خلافاً لما هو شائع في كتب الأدب، ثم درست بنيتها الفنية، فتوصلت إلى أنها تمثل بنية القصيدة العربية، وأنها أجمل ما نظمه شعراء العرب في ذلك العصر.
10-قبل أيام وفي شهر دجنبر المنصرم مر اليوم العالمي للغة العربية، ماذا تمثل لكم اللغة العربية؟ وأين تتجلى عظمتها؟ خاصة وأن من إحدى اقوالكم:( بعد 30 سنة من تدريسي اللغة العربية في كبرى الجامعات العربية،مازلت طالبا أمام عظمتها وهيبتها ) ماذا تعنون بهذه القولة؟
اللغة العربية لغة مقدسة تفوق كل لغات العالم في ألفاظها، ودقة معانيها، وظاهرة الاشتقاق التي تميزها في سعتها وإحاطتها بكل شؤون الحياة، وحقاً هي كما وصفها علماؤنا القدامى: لا يحيط بها إلا نبي…. كان من سوء حظي أن حضرت الاحتفال بيومها في مرسين حيث لا أدب ولا شعر، وإنما إساءة للغة والأدب؛ وخاصة الشعر، فخرجت حزيناً على ما وصلت إليه لغتنا الجميلة بعد أن شاركت بقصيدتين في غير مكانهما، فكانت العربية غريبة اللسان واليد يتلاعب بها متطفلون عليها لاحظ لهم منها؛ مما دفع كثيرا من المهتمين إلى التنادي لتأسيس اتحاد للكتاب والأدباء في مدينة مرسين واختياري رئيسا له إلى حين الانتخابات، وخلال أيام سيعلن عنه
11-كتبتم الشعر في صحف و مجلات، هل أصدرتم ديوانا يجمع ما تم نشره؟
لي قصائد كثيرة في ديوان (أغاني أمتي) الذي مازال محفوظاً، لأن فيه قصائد لا يرضى عنها مقص الرقيب.ومن المؤمل أن ينشر قريبا
12- شعراء اليوم، هل يواصلون ما بدأتم سابقا وهل هناك تطور أم تراجع؟
هناك شعراء كبار، والحمد لله، ويواصلون عطاءهم المتميز ويساهمون في تطوير الشعر بشكل جميل، لكنهم يواجهون حرباً شعواء، وخاصة من الشعراء الذين باعوا أنفسهم للشيطان وتحالفوا مع المتطفلين على الشعر والأدب ليحققوا من خلالهم مكاسب زائفة.
13-ما هي الرسالة -الرسائل- التي تودون إيصالها للقارئ العربي من خلال كتاباتكم و إنتاجاتكم الأدبية؟
أوصيهم بأن يكونوا على مستوى قوله تعالى: (اقرأ) وألا يساهموا في إيصال الذوق الشعري إلى الحضيض من خلال الترويج للأعمال الهابطة، وألا يشاركوا في صناعة المزيف والبعيد عن الأصالة وأن يتحققوا من أصالة العمل الأدبي والعلمي، وصدق رسالته السامية. وألا يسيروا وراء من يفتقدون للأدب ممن يبنون مجدا كاذبا على حساب الآخرين مستغلا الفوضى التي نعيشها في الشتات.
14-من بين مؤلفاتكم كتاب يحمل عنوان: “ليس منا من لا يغضب.” حدثنا عن ظروف تأليف هذا الكتاب و لماذا الغضب؟
أظنكم تقصدون قصيدة: (تقدموا واغضبوا) أما كتبي فهي اثنا عشر كتاباً آخرها ((الكون الشعري العام في شعر محمد نصيف، ديوان عشتار تشرق من جديد مثالاً))
15- في ظل ما يعيشه الشعب السوري من أوضاع و حروب و وهجرة وتشتت، ما نصيب اهتماماتكم و كتاباتكم عن الثورة السورية و عن النصر و الحرية؟
كان شعري قبل الثورة السورية يتجه في جله إلى قضية احتلال فلسطين، والوقوف بوجه الظلم والاستبداد وتدمير الأوطان، وقهر المواطن، ومع انطلاق الثورة السورية أوقفته على نصرة الثورة، وتحرير سوريا وفضح الجرائم التي ارتكبها النظام بحق شعبي المظلوم، والتنديد بمواقف الدول الظالمة المساندة للنظام.
16- الأدب الإلكتروني أصبح منتشرا و سائدا في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث أصبح الأدب مرتبطا بتكنولوجيا المعلوميات، إلى أي حد سيسهم في خدمة الأدب؟ وما هي المحاذير التي على الأديب أن يتجنبها أثناء تعامله مع هذا النوع من الأدب المرتبط بالتكنولوجيا؟
النشر الإلكتروني سلاح ذو حدين، فهو إيجابي حين يعرّف بالأديب وينشر أعماله، وهو سلبي حين يخلط الغث بالسمين، ويروج لكل هبوط.
17-في ختام هذا الحوار الشيق الماتع معك، لو طلبنا منك أن تختار لنا قصيدة تكون مسكا ختام هذا الحوار لمتابعي موقع منار الإسلام، فماذا تختار؟
أختار قصيدة (عند باب رسول الله) القصيدة النابعة من أعماق قلبي…وقصيدة ( وطن الأنبياء )
وأشكركم على جهودكم المباركة، وآمل أن تتقبلوا كل حبي واحترامي وتقديري.
نشكركم سيدي على قبول دعوتنا، كان حوارا جامعا و ممتعا معكم، ونرجو أن تتكرر لقاءاتنا في قادم الأيام وألا تبخلوا على متابعي موقع منار الإسلام بإنتاجاتكم القيمة..
عند باب رسول الله:
سلامٌ لأرضٍ تصطفيك إماما *وبيتٍ به صمتي يفيض سلاما
نُنافحُ فيها بالكلام بلاغةً *فنقصرُ فيها بالكلامِ كلاما
يفيض بنا اللفظُ الجميلُ فصاحة* فنختزلُ اللفظَ الجميلَ علاما
ونركب بحراً للمعاني ودُرِّها *فتأتي المعاني الرائعاتُ زِماما
ونرشفُ من نبع الأصالة رشفةً * لعلَّ بها بعضَ الطموحِ ختاما
وقفتُ وقلبي في مخالبِ طائرٍ* إذا ذُكروا ضجَّ الوتينُ وهاما
سلامٌ لِروحٍ تسكنُ القلبَ روضةً *ومجدٍ عظيم يجتبيكَ إماما
وعين بكتْ في الشامخات مواجداً *تؤجج دمع العاذلات ضِراما
تعيد لنا الماضي المجيد منارةً *فترفعنا رغم القصور وسَاما
فيأخذنا التاريخُ سيرةَ عاشقٍ * فنحملهُ تاجًا يُعِيَدُ عِظاما
يعيدُ لنا صبر الرجال مناقباً *وروحاً إلى الماضي تعود حُساما
وقفتُ هنا والروحُ لهفى لسيدي **فصافحتُ دنيا للعلا تتسامى
وملتُ إلى باب الحبيب مسلّماً *فردَّ أبو الزهراء قالَ سلاما
فأمسكت شُبَّاك النبوة راجفًا *فقال رويداً لا تخف وعلاما
فقلتُ له والقلبُ فرَّ بخفقه *كطيرٍ يرى حريةً ووئاما
مقامُكَ يا خيرَ الأنامِ وهيبةٌ*وقلبُ محبٍّ في هواك تنامى
وبي عصفَ الحبُّ المؤثَّلُ طافحاً *ونادى هنا خيرُ الأنامِ أقاما
فقلت حبيبٌ جاءَ يحملُ جرحَهُ *ويذرفُ دمعًا للحبيبِ جِماما
وأطرقتُ في نفسي أسيرَ هنيهةٍ* تُسائِلُ في المجدِ العظيمِ هُماما
فقلتُ له والدمعُ أحرقَ مَدمعي * وألفُ سؤالٍ يستحيلُ كِلاما
هنا صنعَ التاريخَ يوماً محمدٌ * هنا وقفَ التاريخُ ثُمَّ تسامى
فما أعظمَ التاريخَ حين أتيتَهُ** وأعظمْ به للسامقاتِ مَراما
أتيتَ وقد عمَّ البلاءُ بأمةٍ * فكنتَ لها الغصنَ النضيرَ قَواما
وطفت بها غيمًا عميمًا ورحمةً* ومن خلفِ مسراكَ العبيرُ تنامى
بكم وقفَ التاريخُ يرنو لأمةٍ ** وأنت بها تزجي العطاءَ دواما
أشرتَ فقال الكونُ هذا محمدٌ *فصلَّتْ عليكَ الكائناتُ قياما
فيا أجملَ الجود الذي جاد ربُّه * به إننا بعدَ الحبيبِ يتامى
أتيتُ وبي شكوى جريحٍ معذَّبٍ* إذا لم يَبُحْ ضجَّ الضميرُ ولاما
بلادي خرابٌ بالمجوسِ وحقدِهمْ**وصهيونُ غذّاها الدماء ضِراما
وكلبٌ من الروسِ البغال وطغمةٌ* وجيشُ أنو شروان عادَ وسَاما
هناكَ هوتْ عينُ الضمير ونورُها * وحلَّ بنا الظلمُ الغشومُ قَتاما
فهذا يرى الموتَ الزؤام يحيطه * فصاحَ بلا عقلٍ وساحَ وهَاما
وهذا من الأهوال ألقى بنفسه* ببحرٍ وفي الحيتان طاف وعاما
أولئكَ في عصفِ اللهيب صراخُهمْ*وأشلاءُ أطفالٍ تضجُّ بماما
وعينٍ غدت مفقوءةً وكأنها *ترى ما ترى حيثُ الجميعُ تعامى
لقد طفحَ الرعبُّ المخيّمُ فوقنا **وهامَ به شبهُ الرجالِ هُياما
فعالمُ هذا العصرِ ألقى حِمامَهُ*علينا بلاءً قاتلاً وأثاما
وأيُّ حِمام طائرٌ بسمائنا *وكم نال منا كم فحاما وحاما
تعملقَ فيه العلقميُّ بعارِهِ*فهل أفلت العارُ القديم خطِاما
وهل ظن أن البعدّ يوماً أماته *وهل ماتَ عارٌ في الخيانةِ عاما
وهل ينتجُ النذلُ الخؤونُ بطبعهِ *إذا كان طبعُ الخائنين لئاما
ولو ماتَ عارٌ للجبان بيومهِ*لغطوا على عارِ الرغالِ رُكاما
أقمتم نظام الخائنين بسحقنا *وهل كان إلاّ للقرود نظاما
فهل كان حسن الظنِ غيرَ سفاهةٍ* وأسوأ ظنٍ أنْ يكونَ مَلاما
وأسوأ ما في العمر غفلةُ نابهٍ **وأقبحْ بها في الباهظاتِ سُخاما
فهل حصد الظانون غيرَ ندامةٍ* وهل عتبي في الغارقين نياما
فما أجبنَ الأذنابَ حين تفلتوا * وحين نزعنا ربقةً ولجاما
أيحكمنا فَدْمٌ خسيسٌ وطغمةٌ*يسوموننا سوءَ العذابِ سَواما
فيا سيدي في كلِّ بيتٍ وحارةٍ*نُواحٌ لثكلى أو نحيبُ أيامى
ونحن ثباتٌ كالجبال جباهُنا **ونحنُ أباةُ الضيم إنْ هو ضاما
ترانا بها والموتُ كشّر نَابَهُ**وقوفًا إذا ما الموتُ صارَ زؤاما
وقوفاً على ظهر الخيول نسوقهم*وفي حومة الموت الرهيب قياما
ففاضت نفوسٌ والقلوب حناجرٌ*وفارتْ وألقتْ في اللهيب ضراما
فضاقت رحابٌ والسيوفُ تشابكتْ*لبسنا لها عزم الصحابة لاما
فما رفّ رمشٌ والعيونُ شواخصٌ*وبحرُ المنايا خلفنا وأماما
وقوفًا لعمري يخجلُ الموتَ موتُنا **وما خجلَ القردُ القبيحُ فخاما
فكنا جنودَ الله في كلّ صولةٍ*وكنا بها أمضى السيوف حُساما
وكنا رجالَ الصدق إنْ عاهدوا وفوا *ونحن إذا عدّوا الصفاتِ سَناما
ونحن و إن صرنا لوحشٍ فريسةً *نُسامُ عذابًا قاتلاً وغَراما
وقفنا أباةً لا نقرّ لظالمٍ*وطاغوتَ موتٍ يستحلُ حراما
ونحن عباد الله نمشي هوينةً*نردّ خطاب الجاهلين سلاما
فجئنا ننادي يا محمدُ إننا* صبرنا على مرّ الطغاة لزاما
نجدّد إيمانًا بنا وعزيمةً **ونستلهمُ المجدَ العظيمَ دواما
فهذا عليٌّ للحواسمِ سيفُها *وهذا أبو بكرٍ إذا قامَ قاما
وهذا أبو حفصٍ مثالٌ وفيصلٌ*وعثمانُ في بحرِ العطاءِ تسامى
إلينا أبا بكر إلينا بوقفةٍ *ويا عمرُ الفاروقُ قم وإلاما
وياذا الحياء الفذِّ جوداً ورفعةً * ونورُكَ أضحى للتمام تماما
ويا حيدرُ الكرارُ إني متيمٌ*وحبّي لآلِ البيتِ شفَّ وداما
فضجَّ بي التاريخُ حتى تزاحمتْ *وشدَّتْ على ظهر العصورِ زماما
فقلتُ لهم والشامُ بين دمي دمٌ* يسيلُ وعينٌ تستحيلُ غماما
ألا من عليٍّ يومَ نادى بخيبرٍ * ألا خالدُ اليرموكِ إنْ هو راما
ألا عمرُ الفاروقُ يأتي بصوتِهِ* وساريةٌ للصوتِ فاقَ وقاما
ألا يا رجالَ الله أينَ سراقةٌ* وأسوارُ كسرى في يدٍ تترامى
وسعدٌ ينادي إنّهٌ وعدُ أحمدٍ* يعيدُ إلى الحقِّ المصانِ ذماما
ألا من مثنى يضربُ الفرسَ ضربةً* تغنَّتْ بها شيبان والناس ياما
ومن خفقِها نخلُ العراق تمايلت * به سعفاتٌ تستطيبُ صِراما
ولمّا تنادى القومُ يوم كريهةٍ* وألقت على صبر الرجال سهاما
وشدت لها فوق النوائب رايةً*وقفنا لها بالخافقات عصاما
فظنوا بنا والوهم جمَّل ظنّهم *فقُمنا لهمْ بالباقياتِ قياما
فجئنا بهم والذلُ سرَّبلَ حالَهمْ*يهيبُ بهم هذا المآلُ إذاما
فما أجملَ الظنَ الجميلَ بأهلِهِ *وأقبحْ به في الخائبين سَقاما
وما أقبحَ العمرَ الذليلَ دَمامةً *وأقبحْ بهِ في النازلاتِ دِماما
لنا ما تغنى الناس يوماً بمجدهم *فإن سألوا قال الجميع لناما
فكنتم لنا النبعَ النميرَ مروءةً *وكنتم على مرّ العصور كراما
وكنتم لنا في العَادِياتِ مرابعًا*وكنتم لنا في الساغباتِ خياما
وأنتم لنا في النائبات سوابغٌ*فأكرمْ بكمْ في النائباتِ حزاما
فجئني بمثل الراشدين قيادةً *وهاتِ مثالاً للرسول إماما