“الشعر عالم مواز يخلقه الشاعر لتغيير واقعه الوقيع”؛حوار مع الشاعر السوري عمر هزاع
حاوره الأستاذ محمد فاضيلي
“حينما كسر الزلزال قلبي لم يسمع العالم صوت الحطام..لكنه انغمر ألما وحزنا بما فاض عن حاجتي منهما..وهكذا علمت الوجود معنى لم يألفه معجم كوارثه من قبل..علمته كيف يكون ضاجَّ الألم صاخب الحزن، في صمت هائل” عمر هزاع
يسرنا في موقع منار الإسلام ان نستضيف الشاعر العربي السوري الكبير المجدد الدكتور عمر هزاع ملك من ملوك الشعر العربي المعاصر، شاعر مهذب رقيق صاحب لغة عذبة رقراقة وصور شعرية خلابة ونهر إبداعي لا ينضب.. للحوار معه حول تجربته الشعرية وقضايا تتعلق بالأدب والأدباء
1) الشاعر القدير الدكتور عمر هزاع….أهلا وسهلا بكم ضيفا عزيزا على موقع منار الإسلام…
أنتم شاعر وصيدلاني سوري من مواليد دير الزور يوم 11/08/1973
صدر لكم عدد من الدواوين الشعرية وشاركتم في عدد من المهرجانات والفعاليات الشعرية الدولية وفزتم بعديد من المسابقات وحصلتم على عدد من الجوائز وكرمتم في عدد من الملتقيات الشعرية..
هل من كلمة حول أهم المحطات في حياتكم الشخصية؟
بداية؛ لكم مني أجل وأجمل التحيات.. أما بالنسبة لمحطات التجربة الشعرية فهي بلا شك عديدة نظرًا لطول هذه التجربة نسبيًا، وقد تدرجت هذه المحطات بدءًا بالميول الشعرية وليس انتهاء بما أنا فيه من محاولات مستمرة لتجديد القصيدة العربية؛ وإنما إلى ما شاء الله لها أن تمتد..
2) انتم شاعر كبير وشعركم عذب فرات متدفق،
فهلا حدثتمونا عن صلتكم بالشعر والشعراء والقيمة المضافة لشعركم في بحر الشعر المتلاطم؟
الشعر عالم موار يخلقه الشاعر لتغيير واقعه الوقيع الذي يعجز عن تغييره حقيقة، وفي هذا العالم الجديد لا بد له من أدوات مختلفة وطرائق مميزة وصحبة مخلصة يكمل معهم المسيرة ويشدهم ويشدهونه في بنيان متين قوامه الإنسانية الحقة والسعي لرقيها والحفاظ على قيمها العليا في الحرية والعدل والمساواة..
3) ما مميزات تجربتكم الشعرية، وهل تصنفون تجربتكم ضمن مدرسة أدبية خاصة؟
تعرضت تجربتي الشعرية للكثير من الدراسات النقدية المنشورة في كتب ورقية مطبوعة وفي أبحاث جامعية في العديدة من جامعات الوطن العربي وترجمت بعض قصائدي للغات أخرى لأنها؛ وكما خلص إليه نقادها؛ تجربة حية متجددة يمكنها التواصل مع العالم في محاولاتها لكسر أطر الركود والتفكير خارج صندوق العقلية والنفسية الشعرية التقليدية التي تكلست عند حدود مفاخر الشاعر بنفسه ومنجزاته أو بغرامياته المتخيلة وبقية أغراض القصيدة الكلاسيكية التي تجاوزها الزمن..
ومنهم من يصف تجربتي بالأسلوب الجديد ومنهم آخرون يصفونها بالطريقة، في حين يصر بعض الباحثين على الوصول بها إلى مستوى المدرسة الشعرية ذات المريدين والأتباع، مفصلين سمات هذه المدرسة ومنفردين في التنظير لجدة أساليبها الفنية وابتكاراتها..
4) أكيد أن وراء موهبتكم الشعرية شخصيات واحداثا وظروفا خاصة،
فمن يا ترى بلور شاعرية الدكتور عمر هزاع الخاصة والفريدة، وهل تجربتكم الشعرية وهب أم اكتساب؟
الموهبة أصل تترتب عليه بقية الفروع، وقد كان لأساتذتي في المدارس فضل اكتشافها مبكرا ودفعها للنمو ورعايتها باستمرار، ومن جانبي فقد كنت أعيش للشعر وفيه وبه، فأخلصت له ومنحته أثمن أوقاتي، فكان رفيقي في أحلك الظروف وأنورها..
وأظنني ممن يتأثر بكل جميل ينطبع في النفس والذاكرة، لهذا فقد كانت قراءتي غزيرة وما زالت تتبع آثار الجمال وتقتفيه..
5) الدكتور عمر شاعر القضية وشاعر الحب وشاعر الحكمة،
هل يمكن تلخيص رسالة شاعرنا الكبير في هذه القضايا الثلاث؟
الشعر عندي حياة ولا يمكن صبه في قالب واحد وإخضاعه لنمطية واحدة لاكتساب مثل هذه الألقاب، وما أشد ظلم هذه الألقاب التي تختصر حياة شاعر وتجربته في قارورة صغيرة من أغراض الشعر! لهذا فأنا أكتب عن كل ما يحركني وأكتب عن كل ما يمكنه إعادة تشكيلي وبلورتي وهدمي وبنائي من جديد..
6) لديكم دكتور مجموعة من الإصدارات الشعرية منها ديوان وسراجا منيرا، ديوان السابعة حربا بتوقيت دمشق، ديوان على مقام التجلي، ديوان الراسخون في الحب، ديوان بأسماء ضحكاتك، ديوان المغني، ديوان هسهسة، ديوان كأنها جان، ديوان ترمي بشرر كالقصر..
هلا اكرمتمونا بفكرة عنها؟
مجموعاتي الشعرية المطبوعة هي جزء صغير من مجموع قصائدي التي لو اجتهدت في طباعتها مبكرا لتجاوزت الثمانين مجموعة، لكنني مقل وكسول في الطباعة إضافة إلى انشغالي بظروف أخرى لا تتيح لي الوقت الكافي لمتابعة مثل هذه المطبوعات باستمرار..
عامة:
لكل مجموعة أفق تحلق فيه من حيث مضامين قصائدها المختارة، فديوان: وسراجا منيرا؛ بحث شعري غير مسبوق في السيرة النبوية بصيغة قصيدة ملحمية مطولة اجتازت 1265 بيتا شعريا على بحر واحد وقافية واحدة دون تكرار أية لفظة في رويها على مدار القصيدة كلها، تتناول السيرة النبوية المطهرة بتفاصيلها.. بينما ديوان: السابعة حربا بتوقيت دمشق؛ فهو ديوان يتحدث عن الحرب السورية حتى عامها السابع، ويوثق أحداثها الدامية وصراعاتها المريرة المرعبة..
وهكذا لكل مجموعة سمتها الفريدة وخيطها الناظم الذي تدور حوله قصائده في تناغم داخلي وموضوعي..
7) صدر لكم أخيرا ديوان: افسر قلق الريح،
هل استطعتم من خلاله تفسير أسباب قلق الريح؟
هذا الديوان له طابع مختلف وبنية جديدة لم تكن مألوفة في كتابة الدواوين الشعرية من قبل؛ إذ أتناول فيه قضايا مشتجرة الأفكار على خطين متوازيين أحدهما قصيدة المتن والآخر قصيدة الحاشية لخلق منطقة تفكير وجداني ومنح القارئ فسحته في المشاركة في نسج خيوط اللعبة الشعرية وتداول معانيها وفق رؤاه الخاصة التي تنتج عن قراءته لكلتا القصيدتين في كل فكرة منفردة..
8) هل تعتقد دكتور عمر ان القصيدة العربية الحالية في مستوى المقاومة الشعرية،
وهل هي قادرة على خلق المفاجأة في هذا الزمن الغاضب؟
القصيدة العربية دوما قوية ومتألقة وصامدة مهما بدت عكس ذلك، لأنها تمتلك أركان البناء المتين ولا يمكن تجاوزها من قبل أي فن، ولا ينبغي ذلك، فالفنون تتكامل ولا تتصارع.. وهي كعادتها في توسع واستمرار وخلق جديد..
9) يقول نزار قباني إن” نصف شعراء العرب من المرتزقة والانكشاريين يقاتلون في صفوف السلطة ضد شعوبهم، ويقبضون رواتبهم من خزينة السلطة..
هل من كلمة توجهونها لأدباء الارتزاق والانكشارية الذين ابتليت الأمة بهم وبأدبهم الرذيء؟
لقد كتبت في ذلك الكثير من القصائد وضمنتها دواويني المطبوعة أو نشرتها على صفحات تواصلي المجتمعي، ولعلني أذكر إحداها هنا تلبية لطلبك الكريم:
وهي من ديواني الأخير: أفسر قلق الريح:
لَو صارَتِ الأُغنياتُ مَحضَ هُرا..
وانقَلَبَ الشَّنفَرى..
عَلى الفُقَرا..
وأَجَّرَ الطَّارِئُونَ أَلسُنَهُم..
وانبَطَحُوا..
تَحتَ أَرجُلِ الأُمَرا..
وباتَ كُلُّ ابنِ بِنتِ آكِلَةٍ بِثَديِها يَرتَدِي العَرا وَبَرا..
وأَصبَحَ الشِّعرُ لِلتَّسَوُّلِ..
والقَصِيدَةُ الحَقُّ أَصبَحَتْ خَطَرا..
ولَم يَعُدْ في كَمانِهِ وَتَرٌ..
فِداءَهُ..
لَاصطَنَعتُنِي وَتَرا..
وظَلتُ؛ وَحدِي؛ أَصوُغُ سُنبُلَهُ..
وبِالمَجازاتِ..
أُوقِظُ المَطَرا..
لَقُلتُ لِلشَّاعِرينَ:
إنَّ لَكُم؛ في مَوقِدِ الرأَيِ والرُّؤى؛ شَرَرا..
أَبِيعَتِ القُدسُ؟
بَعدَ ما أَكَلَتْ أَفواهُكُم!
ثُمَّ..
والعُيُونُ تَرى!
أَأَخرَسَ الفَلسُ صَوتَكُم؟!
فَدَعوا لَنا العَصا..
واشبَعُوا؛ إذًا؛ جَزَرا..
وقُلتُ لِلشَّاعِراتِ:
كُلًّ دُجىً..
تَشَهرَزَدنَ..
الحَرَملِكُ استَعَرا..
ولا تَسِر لِلكِلابِ واحِدَةٌ مِنكُنَّ قَبلَ ادِّخارِها حَجَرا..
يا أَيُّها النائِمونَ فِيهِ..
ضُحًى..
والنابِحُوهُ؛ إذا سَجا؛ قَمَرا..
دَعُوهُ..
يا مُدَّعِيهِ..
وابتَعِدُوا..
فَإِنَّهُ إِن تَأَلَّمَ انفَجَرا..
10) يقول نزار أيضا:” إن عظمة الشعر مرتبطة بعظمة الدولة، فإذا ارتفعت رايات الدولة ارتفعت رايات الشعر، ولذلك لا أحلم بأن يكون لدينا شعر عظيم ما دامت حالتنا القومية زفت وقطران”
هل توافقون هذا الرأي، وكيف في نظركم تاثر الشعر العربي بالوضع السياسي المتأزم والمتمزق والمتشرذم؟
الشعر يكون عظيما بقدر ما يحمل من هم وقضية محورية، وهذا لا ينبع من اهتمام الدول (الغنية) ومحاولتها رعاية الشعر والشعراء وتدجينهم وتكريس مبادئ الرداءة والغرابة في منجزاتهم الشعرية؛ بل على العكس تماما، ينمو الشعر الحقيقي الشرس ويتجدد في أزقة المدن الحزينة وزنقات المجتمعات التي تعاني من القهر والاستبداد، وليس في الصالات المكيفة وغرف الفنادق ومنصات المهرجانات..
11) هل ترى بأن الشعر يساير التغييرات السياسية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي، أم أنه ما يزال يقف على الأطلال، يبكي مجدا ضاع من زمن، ويحن لغد مشرق طال انتظاره وشوقه إليه؟
يحاول معظم الشعراء مواكبة الحدث الحياتي بينما ينفرد قلة فقط باستشراف المسقبل وقراءته، في حين يعيش كثرة من الشعراء في جلابيب القدماء ويرزحون تحت ثقل سلاسل التبعية ظانين أنهم يحسنون صنعا!
12) أصبح المتلقي العربي غير متحمس للشعر لاستغراقه في هم الحياة وملذاتها، وانشغاله بازماته الخاصة في مجتمعات عربية نخرتها الفوضى والتفاهة والأنانية..
وهذا أحد الجوانب المظلمة في الواقع الشعري؛ الانفصال عن الواقع والتجرد من مسؤولياته!
في نظركم ما هي صفات الشاعر الناجح، وما تعريفكم للريادة الشعرية، وكيف نرد للشعر العربي قيمته وتاثيره وجاذبيته التي فقدها من سنين؟
الشاعر ينجح إذا استطاع تجاوز نفسه كل مرة، فهو بذلك في نضال دائم مع ذاته المتفجرة التي لا تهدأ، وكما أسلفت فإن الشعر لم يفقد بريقه وألقه وفاعليته وإنما ران عليه غبار كثير من أدعيائه الذين يجيدون التقاط الفتات ويبرعون في تقبيل الأيادي الملطخة بالدم!
13) يقال إن” النقد يغرق في مصطلحاته وأوهامه، ويعطل الممارسة التي تجعل من النقد كشفا ومن الناقد مكشوفا، بصرف النظر عن اتفاقنا واختلافنا مع منهج الناقد.”
هل توافقون هذه القولة، وما تصوركم لدور النقد وعمله، وكيف ترون علاقة النقد بالشعر: هل هي علاقة حميمية، ام عدوانية، ام تتارجح بين العلاقتين، وهل يقبل الشاعر عمر هزاع بأستاذية النقد للشعر؟
النقد العربي المعاصر لا يجاري شعر مرحلته، والحركة النقدية الكسولة التي لم تعد تعطي الشعر حقه من الاستباق معه في صولاته وجولاته ما زالت ترتد للماضي وتنغلق على التراث ولا تفتح أشرعتها لرياح التغيير، ولعل هذا أحد أهم أسباب السديم الضبابي الذي يلف الشعر ويوحي لجمهوره بأنه خف بريقه وتلاشت أضواؤه!
وأما عن علاقة الناقد بالشاعر فهي تتبع سلوكيات ومبادئ قد ترتقي إلى ذروة الإبداع الحضاري وقد تهوي إلى قعرة المصلحية والنفعية الدنئية..
14) كيف تقيمون علاقة النقد بالشعر العربي الحديث، وهل كان منصفا؟
أشرت أعلاه أن حركة النقد العربية المعاصرة الخجولة لا تليق بسرعة وتوهج واشتعال الحركة الشعرية..
15) ما هي مشاريعكم المستقبلية دكتور عمر؟
لدي الكثير، لكنني أتركه ليد القدر..
16) أخيرا نود منكم كلمة ختامية وإهداء ادبيا لجمهور منار الإسلام ورواده الكرام.
المحبات والتحيات التي تليق بسموكم أجمعين، وأهديكم أحدث قصائدي، ولعلها ترقى إلى مقاماتكم العالية:
سعرُ صرفِ النبيِّ بالليرةِ السوريةِ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاملًا فِكرتَهُ المُحترِقةْ..
يمتطي الريحَ..
ويُخفي قلَقَهْ..
ليسَ مِن بوَّانَ قد جاءَ..
ولم ينظمِ الشعرِ بداعي الشفَقةْ..
إنما مِن قريةٍ غاضبةٍ..
خلعَتْهُ..
واكتفتْ بالنفَقةْ..
وعلى مرمى المجانيقِ رأى رُوحَهُ تَغلي..
فلبَّى نزَقَهْ..
سارَ..
والموتُ على مقربةٍ مِن أغانِيهِ..
وما سارَ ثِقَةْ!
لكنِ الخطوةُ قادتْهُ إلى ضَحِكاتٍ بدَمٍ منبثِقةْ..
دمِهِ المرتَجِّ في حَنجرةٍ..
كشظايا الحِبرِ..
فوقَ الوَرقةْ..
صاحَ:
يا قومُ..
أراني..
وعلى هامتي الطيرُ..
وعَقلي عَلَقةْ..
قِيلَ:
ذيَّاكَ فتًى..
ما عرفوا مَن تَنقَّاهُ!
ولا مَن شَنَقَهْ!
قالَ:
ذيَّاكُم أنا..
فاقتَرِحوا ثمنَ اللحمِ بأرضِ المَرَقَةْ..
فأتى الردُّ:
سنُعطيكَ؛ إذنْ؛ مخرزًا للقلبِ..
لا للحَدَقةْ..
عِندَنا..
كلُّ نَبيٍّ؛ أبدًا؛ سِعرُهُ ما اجتازَ سِعرَ الطلَقةْ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ