ظُلْمَان (قصة قصيرة)
ذ. محمد الحبيب العسالي
عُرِفَ الصحفي القادم من هامش الوطن، بجدية مفرطة و تعاملٍ متقن في اختيار الأخبار ،و حبكةٍ في سرد المقالات ، و بحثٍ مكثفٍ مدققٍ قبل تحرير مواضيع عموده الأسبوعي ( بلد الجور والفجور ) في آخر صفحة للجريدة التي يعمل ضمن طاقمها ، و كان يطرح من خلاله مواضيع جريئة و غير مسبوقة عن شخصيات نافذة في أجهزة الفساد..
ذات صباح و من دون سابق إخبار، اعتُقِل من مسكنه الذي عاش به بضع سنين وحيدا، يؤنس وحدته حاسوب محمول، و عدة كراسات و أعداد من الجرائد، ملقاة بعشوائية على طاولة، جنب سرير بالكاد يتسع لنائم واحد.
اقتيد و الأصفاد بمِعْصميه لمكتب الضابطة القضائية، هناك واجهته قاصرتان تتهمانه بالتغرير و الإغتصاب مع افتضاض البكارة، مرفوقتين بوالديهما المشتكيين و شهود عيان مستنكرين، ومحامين مُدينين و جمعيات مساندات مشجبات،و مجتمع مدني داخل الأسوار مندد و جمهور خارجها مزبد معربد..
دُهِش المتهم لهول المنظر و طامة الخبر الصاعقة، و بعد لَيِّهِ عنقه يمينا و شمالا، متفقدا الحشد الغريب عن بصره بنظرات منكسرة، و قد غزا الاحمرار وجنتيه ،عمل على طأطأة رأسه مستسلما، رافضا توقيع المحضر المنجز مسبقا.
اقْتِيدَ لزنزانة انفرادية بالسجن المحلي .
بعد أخذ و رد ذهابا و إيابا بين الزنزانة و المحكمة أحيانا ،و المحاكمة عن بعد أحايين أخرى، و بعد مداولات ماراثونية في زمن الوباء ، حضر الجلسة الأخيرة ليُنْطَق بالحكم ، خمس سنوات سجنا نافذا ، و غرامة مالية تفوق ما تقاضاه كل فترات عمله أضعافا..
حين سأله القاضي هل لديك ما تضيف في القول؟
اختلط بكاؤه بصوته و نواحه فلم يعد يدري ما عساه فعله، و ما كان منه إلا أن اقتلع سرواله و تُبَّانه إلى حد كعبيه مستديرا بجسده وسط الملأ، ليبدو مبتور العضو التناسلي، إلا من خصيتين و ثقب للتبول غارق بينهما، بقي من حادثة شغل لممرض بمستوصف باديته، وقعت له في الطفولة فترة خثانه .