منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأبعاد الثقافية للغة التعليم

 محمد عيا

0

الأبعاد الثقافية للغة التعليم

 محمد عيا

باحث بسلك الدكتوراه

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة محمد الأول – وجدة

تقديم

تشكل اللغة هوية الأمم وأساس وجودها وازدهارها، إنها صمام أمان لتحقيق التواصل وتـوطـيـد العلاقات بين الناس، والـتـعـبـيـر عـن حـاجـاتـهم ومواقفهم، وتمكينهم من تـبـادل الأفـكـار والآراء والتجارب، وبها يمكن تصور ومعرفة عوامل تكوين الشعوب والأمم، كالدين والعلم والأدب والتاريخ…

فوجود المجتمع يقف على وجود لغة وطنية قوية قادرة على التحدي والصمود، وعلى بناء كيان الأمة، وحفظ ثقافتها، وصيانة هويتها، فمع مرور الزمن، وتطور الحياة وتعقدها، بات الأمر يقتضي النهوض باللغة وخدمتها وتطويرها، لأنها عماد الثقافة، وأداة فعالة في تشكيل المعرفة وبناء الشخصية المثقفة.

ولبلوغ مراتب عليا في الحضارة والتقدم، لابد من التسلح بقدرات لغوية تمكن من الاطلاع على مختلف العلوم والمعارف، التي تنمي أفكار الإنسان وتجاربه، حتى يصبح قادرا على العطاء والإبداع والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية عبر تأسيس علاقات قوية بين أفراد المجتمع، فكلما نمت اللغة وتطورت زادت العلاقات الاجتماعية قـوة وتماسكا واتـسـاعـا ونماء، وزادت عملية الإبداع والإنتاج الفكري، وهكذا تزدهر حياة الأمة وترتقي حضـارتـها وتتخذ الأمور فيها المسار الصحيح.

ويعد إقصاء أي لغة سببا في تدمير التراث الإنساني المشترك، كما فعلت دول الاحتلال في الماضي، عندما فرضت هيمنتها على كثير من الشعوب الأفريقية الضعيفة، وجردتها من لغتها الوطنية، وأحلت بها لغة المحتل في التواصل والتدريس، حيث أخضعت الأمم الإفريقية لخدمة استثمارات قوى الاحتلال ثقافيا واقتصاديا…وذلك عن طريق تأسيس الدول الضعيفة على النموذج الأجنبي المحتل والتحكم في اللغات الأصلية وتهميش دورها.

إن لغة التعليم لها السلطة العليا في تنشئة أفراد المجتمع على ثقافة معينة سواء كانت محلية أو أجنبية، وما كانت قوى الاحتلال لتحقق أهدافها إلا بفرض لغتها على الدول الضعيفة وهو ما أفضى إلى نقل وغرس ثقافة المحتل بكل أبعادها في هذه الدول…

إن اختيار البحث في موضوع “الأبعاد الثقافية للغة التعليم” يرتبط بسبب رئيس يخص بيان أهمية لغة التعليم في ترسيخ الثقافة الوطنية وحفظ هوية الأمة المغربية من الضياع والاستلاب، وخاصة منذ صدور (القانون الإطار 17-51) المتعلق بلغة التدريس في المغرب، وما أثاره من جدال ونقاش واسع بين أنصار العربية من جهة، وأنصار الفرنسة لغة من جهة ثانية.

فما مفهوم كل من اللغة والثقافة؟ وما العلاقة بينهما؟ وما المقصود بلغة التعليم؟ وما أبعادها الثقافية؟

المبحث الأول: مفهوم اللغة والثقافة والعلاقة بينهما.

المطلب الأول: مفهوم اللغة لغة واصطلاحا.

1 – لغة:

باستقراء مجموعة من المعاجم، نجد أن مادة (ل غ ا – ل غ و) لها حمولة دلالية تعني الكلام سواء كان منظما أو مجرد لغو ولغط. جاء في المقاييس: “لغو: اللام والغين والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما يدل على الشيء لا يعتد به، والآخر على اللهج بالشيء. فالأول اللغو: ما لا يعتد به من أولاد الإبل في الدية. والثاني قولهم: لغي بالأمر، إذا لهج به. ويقال إن اشتقاق اللغة منه، أي يلهج صاحبها بها”[1]. وفي لسان العرب: “‌لغا ‌في ‌القول ‌يلغى، وبعضهم يقول يلغو، ولغي يلغى، لغة، ولغا يلغو لغوا: تكلم. واللغة: اللسن. وأصلها لغوة على وزن فعلة. من لغوت أي تكلمت[2].

وفي الحديث النبوي الشريف: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت)[3]. أي تكلمت في موضع يجب فيه السكوت.

2- اصطلاحا

اختلف الباحثون القدامى ومن جاء بعدهم في مسألة تعريف اللغـة وتحـديـد مـفـهـومـهـا من الناحية الاصطلاحية، وهـنـا لن أتـتـبـع الاخـتـلاف فـي تعريفها أو مـنـاقـشـة أســس هــذا الاختلاف، ما يهمنـي هـو الـوقـوف على تعريف أو تعاريف يمكن أن تقرب بين معظم الآراء التي تحدد طبيعة اللغة وتعكس حقيقة أبعادها وعناصرها وكـيـانـهـا.

تشير معظم المصادر إلى أن أبا الفتح عثمان بن جنّي هو أوَّل من عرف اللغة في كتابه “الخصائص” حيث قال في باب القول على اللغة وما هي؟: أما حدها “فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[4].

وهذا التعريف يعد قاعدة أساسية ينطلق منها كل من جاء بعده، ويعتمدون عليه لأنه يشمل جميع جوانب التعريف التي عرضها علم اللغة المعاصر وهي الجوهر والقصد.

وعرفها إدوارد سابير فقال:

 “Language is a purely human and noninstinctive method of communicating ideas, emotions, and desires by means of a system of voluntarily produced symbols”.[5]

أي “اللغة طريقة إنسانية ومتعلمة لإيصال الانفعالات والرغبات بواسطة نظام معين من الرموز اختاره أفراد مجتمع ما واتفقوا عليه”[6].

وعرفها الدكتور أحمد محمد المعتوق “اللغة قدرة ذهنية مكتسبة يمثلها نسق يتكون من رموز اعتباطية منطوقة يتواصل بها أفراد مجتمع ما”[7].

وجاء في المعجم الفلسفي “اللغة هي كل وسيلة لتبادل المشاعر والأفكار كالإشارات والأصوات والألفاظ، وهي ضربان: طبيعية كبعض حركات الجسم والأصوات، ووضعية وهي مجموعة رموز أو ألفاظ متفق عليها لأداء المشاعر والأفكار”[8].

انطلاقا من تحليل التعاريف السابقة يتضح أن اللغة من حيث الطبيعة: هي شيء مكتسب عن طريق الدربة والتنشئة الاجتماعية. ومن حيث المفهوم: هي منظومة تشمل الأصوات، والرموز، والإشارات. ومن حيث الغاية: تستعمل لتبليغ الخطاب أو التعبير عن الأغراض وإبراز المشاعر الأحاسيس.

المطلب الثاني: مفهوم الثقافة لغة واصطلاحا.

1 – لغة:

تفيد معاجم أن مادة (ث، ق، ف) لها تشمل ثلاثة فروع من الدلالة يمكن إيجازها فيما يلي:

– الدلالة الأولى: تعني الحذق والفهم وسرعة التعلم: جاء في العين: “‌ثقف: قال أعرابي: إني لثقف لقف راو رام شاعر. وثفقت فلانا في موضع كذا. والثقف مصدر الثقافة، وفعله ثقف إذا لزم، وثقفت الشيء وهو سرعة تعلمه. وقلب ثقف أي سريع التعلم والتفهم”[9].

– الدلالة الثانية: تعني الغلبة على الآخر والظفر به: يقول ابن دريد: (ث ف ق) ثقفت الرجل إِذا ظَفرت به[10]، واستشهد بقول الله تعالى: ﴿فإمَّا تثقفنهم فِي الْحَرْب﴾ [الأنفال: 57].

– الدلالة الثالثة: تعني التسوية والتقويم والإصلاح: يقول ابن فارس في قاموسه:

“‌ثقف: الثاء والقاف والفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع، وهو إقامة درء الشيء. ويقال ثقفت القناة إذا أقمت عوجها. وثقفت هذا الكلام من فلان. ورجل ثقف لقف، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء”[11].

2 – اصطلاحا

يصعب وجود تعريف موحد وشامل لمعنى الثقافة، فهي من أكثر المفاهيم التي حظيت بالعديد من التعريفات التي اختلفت فيما بينها، وذلك وفقا لاختلاف توجهات العلماء والباحثين الذين انكبوا على دراسة الثقافة ومفهومها، تبعاً لرؤية كل مدرسة اهتمت بها وبما يُعد من مكوناتها…وقد عرفها مالك بن نبي بقوله: “إنها مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه”[12]. وعرفها إدوارد بارنيت: بقوله:

 “Culture…is that complex whole which includes knowledge, beliefs, arts, morals, law, customs, and any other capabilities and habits acquired by a human as a member of society”.[13]

أي:”الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع”[14].

وجاء في المعجم الفلسفي أن الثقافة هي: “كل ما فيه استنارة للذهن وتنمية لملكة الحكم والنقد لدى الفرد أو المجتمع، وتشمل على المعارف والمعتقدات، والفن، والأخلاق، وجميع القدرات التي يسهم بها الفرد في مجتمعه، ولها طرق ونماذج عملية وفكرية وروحية، ولكل جيل ثقافته التي استمدها من الماضي وأضاف إليها، ما أضاف في الحاضر، وهي عنوان المجتمعات البشرية”[15].

انطلاقا من هذه التعاريف الاصطلاحية للثقافة نستنتج أنها تنقسم إلى عنصرين: عنصر ماديّ يستعمله الإنسان كالمسكن، والمأكل، والمشرب، والملبس، وعنصر معنويّ يتمثّل في كل من الأخلاق، والسلوك، والأعراف.

المطلب الثالث: العلاقة بين اللغة والثقافة.

اللغة عمود الثقافة وأساسها، ومن أهم العوامل التي تسهم في تشكيل هوية الأمة، وهي الوسيلة التعبيريّة التي يمكن للإنسان أن يبين بها للآخرين وجوه التميّز الثقافيّ لدى أمّته وشعبه، وبها يتعرّف على الثقافات الأخرى، وكلما كانت اللغة أكثر قوة واتصالاً بثقافة الشعوب كلما كانت أقدر على حماية هذه الشعوب من الاستلاب الثقافي نتيجة الصراع الثقافي الذي تنهجه بعض الدول الإمبريالية لفرض غطرستها على الأمم الضعيفة. يقول كمال بشر: “اللغة ليست مجرد ضوضاء أو أصوات تلقى في الهواء وإنما هي تجسيد حي لكل معارف الإنسان وخبرته، ودليل شخصيته وهويته الثقافية، وهي بمثابة الكاشف عن مكنون النفس والعقل “[16].

وتوظّف الثقافة عند تعليم اللغة سواء لأبناء الأمة أو للأجانب، حيث تسهم في تطور اللغة وإثرائها، من خلال إدخال العديد من المفردات الجديدة إليها، عبر الاقتباس من اللهجات المختلفة.

 ومن هنا نستنتج أن اللغة هي الناطق الرسمي باسم الثقافة ونظام اشتغالها، وبواسطتها تنتقل العلوم إلى الأمة ومنها وفيها، وهي ومفتاح الفكر وميدان الإبداع، وهذا يدلّ على مدى وثوق الصلة بين اللغة والثقافة والتكامل بينهما، فهما درع لبعضهما البعض، حيث يلازم أحدهما الآخر ولا يمكن الفصل بينهما.

المبحث الثاني: لغة التعليم وأبعادها الثقافية

المطلب الأول: في لغة التعليم

لا يمكن لنا أن نتحدث عن الثقافة وأهميتها لدى الانسان، دون ربطها بالتعليم بشكل يجعل كلاً منهما تابعاً للآخر ومكملا له، فالثقافة دعامة أساسية للتعليم بدءاً من الأهداف ثم المناهج ووسائل وأساليب التدريس، وصولاً إلى عملية التقويم لنتائج العملية التربوية، ويشكل التعليم وسيلة تساعد الفرد على استقبال ثقافته وفهمها واستيعاب مضامينها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن هنا يتضح أن للثقافة صلة وثيقة بالإنسان، وتؤثر فيه من المهد إلى اللحد.

ولابد أن نبحث هنا في أمر مهم يخص لغة التعليم، نروم منه الوقوف عند المقصود بها، وعن تأثيرها في الحياة الثقافية، لأن وجود أمة قوية ذات شخصية متميزة وقرار مستقل، وذات تقاليد وأعراف وطبائع نفسية وسلوكية مرتبط تمام الارتباط بلغة التعليم لديها، بل مرتهن بحياة هذه اللغة أو موتها ومحاذٍ لمستويات ازدهارها وضعفها.

ويمكن تعريف لغة التعليم بأنها: “مجموعة من المفردات والرموز والتراكيب والأصوات والإشارات والمعارف والقواعد، التي يوظفها المدرس للتواصل مع طلابه، في مختلف مراحل التعليم، الابتدائية والثانوية والجامعية، لتأدية مهام التدريس والتربية بشكل يمكنه من نقل المعلومات والمعارف والخبرات إلى المتعلمين، وتأهيلهم في مجال البحث العلمي”[17].

وتتميز هذه اللغة بالصفة الرسمية حيث تنتخب الدولة لغة معينة في مجال التدريس سواء كانت وطنية أو أجنبية وتثبتها بنص قانوني يستمد قوته من الدستور.

فمثلا في المغرب ينص الدستور على لغة الرسمية للبلاد ووجوب استعمالها، وذلك في الفصل الخامس ويقول: “تظل العربية اللغة الرسمية للدولة، وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها[18].

أما قانون الإطار 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي نوقش وصوت عليه ودخل حيز التطبيق، فينص على لغة التدريس في المادة 31 ويقول: “اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس…”[19].

ويضيف في فقرة أخرى من هذه المادة فيقول: “إعمال مبدأ التعدد اللغوي من خلال تدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية والتقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات، في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية”[20].

ولقد أثار هذا القانون عند صدوره جدالا واسعا حول لغة التدريس بالمغرب، بين الفريق الذي يفضل لغة وثقافة المحتل (الفرنسية) ويعتبرها لغة التقدم والعلوم رغم تخلفها وبداية انزوائها كثير من البقاع بل وحتى عقر دارها…وفريق آخر يعتبر أن اللغة العربية لغة الأمة، أساس العطاء والتقدم والاستقلال فيبذل كل جهوده لمساندتها وتمكينها حق التمكين.

وبناء على هذه التحركات المطردة بشأن لغة التدريس لنا أن نصوغ مجموعة من الفرضيات والأسئلة حول الوضع الذي سينتج عن السياسة اللغوية الخاصة بالتعليم، وفي اعتقادي تقوم دراسة الأبعاد الثقافية للغة التعليم على ثلاث فرضيات هي:

أولا: اعتماد اللغة العربية لغة الأمة في التعليم سيعمم العلم عبر نقله إلى كل الأفراد وسيمكن لثقافة الأمة ويحفظها ويشيعها عبر تثقيف الجميع.

ثانيا: اختيار لغة الأجنبي في التعليم (الفرنسية مثلا)، سينقل جزءا من العلم إلى جزء من الأمة، وسيمكن لثقافة الأجنبية على حساب ثقافة الأمة ويحاصرها ويحد من انتشارها، وسيعمل على نشر التغريب وتدجين المجتمع.

ثالثا: تعدد لغات التدريس، هذا أمر بلا شك سيعمم الفوضى في التدريس، وسيكون المتعلم في دوامة من الغموض نتيجة كثرة اللغات، مما يضعف لديه قدرة ضبطها، والحصيلة مغادرة الناشئة لمقاعد الدراسة مبكرا، وقلة الكفاءات في مختلف العلوم.

تنبيه: لا أعترض على تعلم اللغات الأجنبية مطلقا؛ فتعلمها شيء مطلوب وضروي، بل أعترض على التدريس بها، لما يحدث ذلك من تهميش للغة الأمة.

المطلب الثاني: التعليم بلغة الأمة وأبعادها الثقافية

العربية لغة الأمة سيفها ودرعها، وسراجها، إنها لبنة من لبنات البناء الحضاري ومفتاح من مفاتيح التقدم والازدهار، ولفرضها في التعليم فوائد جمة وآفاق واسعة على ثقافة الأمة، ومهما تحدثنا وأجدنا في الوصف والمدح فلن نبلغ الغاية في إحصاء هذه الفوائد، فالتعليم بها يقترن بتدريس ثقافتها، فعند تخطيط المعلم لأهداف الدرس وأنشطته، يستعين بالأفكار الثقافية لإثراء وإبلاغ مضمون الخطاب للمتعلم، لأن هذا المنهج يفيد المدرسين بصورة فعالة، ويؤثر في الطلبة كما يجب. ونستجلي حقيقة التأثير الثقافي الناتج عن لغة التعليم في عدة أبعاد منها:

1 – ضمان استمرار اللغة العربية وقوتها، وسيادتها، وانتشارها، وصيانتها من اللحن، وحمايتها من الأخطار الناجمة عن ظاهرة الصراع اللغوي الذي يهدف إلى إبادة اللغات الضعيفة أو إزاحتها من المؤسسات الحيوية، والعمل على تهميشها، يقول الرافعي: “إذا قويت العصبية، وعزَّت اللغة وثارت لها الحمية، فلن تكون اللغات الأجنبية إلا خادمة يرتفق بها، ويرجع شبر الأجنبي شبرًا لا مترًا. ومتى تعين الأول أنه الأول، فكل قوى الوجود لا تجعل الذي بعده شيئًا إلا أنه الثاني[21].

2 – صيانة الهوية الإسلامية للأمة، تقول القاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وتعلم العربية والتدريس بها واجب في الإسلام، لأنها لغة الدين الإسلامي، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. والرسول صلى الله عليه وسلم عربي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. وعليه فلا يمكن فهمُ الكتاب والسنة، ومعرفةُ أسرارِهما، واستنباطُ الأحكام منهما وصيانتهما إلا بهذه اللغة المباركة.

 – 3استقلال السياسة التعليمية، والحرية في تسيير شؤون هذا القطاع الحيوي دون أي توجيهات أو إملاءات خارجية، يقول عبد السلام ياسين: “السياسة التعليمية هي روح السياسة لأنها مفتاح الازدهار الإنساني، ومفتاح الازدهار الاقتصادي، أي مفتاح حياة الأمة، وقوة الأمة وعزة الأمة. السياسة التعليمية مفتاح المستقبل. ولغة التعليم تصح فيصح التعليم وتسقم فيسقم”[22]، نعم إن فرض اللغة الوطنية في التدريس يحرر التعليم من التبعية، ويضع اللبنة الأولى في طريق التحرر الشامل، يقول عبد العلي الودغيري في حوار له مع موقع الجزيرة نت: “إن الاستقلال الحقيقي يبدأ بالاستقلال اللغوي، والتجارب كلها تدل على أن الدول التي نهضت إنما نهضت بلغاتها”[23].

4 – تعزيز الولاء للأمة والاستعداد للدفاع عن وحدتها وسلامتها، فالتدريس باللغة الأمة تربي في أبنائها قوة الشجاعة والاستماتة في الدفاع عن جميع أقطار الأمة ماديا ومعنويا. يقول محمد سكران: ” إن اللغة العربية هي ثالث اثنين -التاريخ والجغرافيا- في تشكيل الهوية القومية، وترسيخ الولاء والانتماء للوطن، بل هي أسبق منهما ومن الدين نفسه، في تحديد هوية الأمة”[24].

5 – تقوية الوحدة الثقافية للأمة والحفاظ على عاداتها، وتوطيد العلاقات الاجتماعية بين أبنائها، بتوحيد مشاعرهم وتحقيق نوع من التشابه في سلوكهم وأساليب عيشهم وتسهيل التخاطب والتواصل بينهم. يقول أحمد حسين حسنين: “تشغل اللغة القومية مكان الصدارة في تكوين الهوية، والعنصر الثقافي الأهم في توحيد الانتماءات الجماعية بين البشر، فالأمم التي تبني هويتها وشخصيتها تلجأ إلى اللغة في ذلك البناء والتوحيد”[25].

6 – تطور وازدهار العلوم والمعرفة وتعميمها، يقول الدكتور قاسم سارة: “تدل الدراسات الميدانية الحديثة أن أصلح لغة للتعليم هي اللغة التي يفكر بها الطالب، فالمفاهيم العلمية إذا أقيت على الدارسين باللغة التي يفكرون بها نفذت بيسر إلى أعماق أذهانهم، فتفاعلوا معها وأمكنهم أن يبدعوا من خلالها”[26]. وهذا يعمم العلم والمعرفة على كافة أفراد المجتمع، وقد شاع في الناس أن (التعليم باللغة الوطنية ينقل كل العلم إلى الأمة)، والعربية قادرة على تدريس العلوم واحتواء كل جديد، يقول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات[27].

7 – التشبع بالثقافة التي تميز الأمة عن غيرها، وذلك عبر تربية أبنائها على حماية خصوصياتنا الثقافية وإبراز ما يميزنا عن الأمم الأخرى وهذه التربية تتم وفق ما يفرضه ديننا وثقافتنا في التعليم وغيره، ولا شك أن هذه العملية كفيلة بالترويج لثقافتنا عبر التأليف والنشر والتواصل باللغة العربية لأن انتقال الإرث الثقافي للأمة من جيل إلى آخر يتم عبر لغة التعليم.

وللتدريس بلغة الأمة أبعاد ثقافية كثيرة تحتاج إلى ضبطها وصيانتها، وإشاعتها في المجتمع وتوعيته بأهميتها في حياته.

المطلب الثالث: التدريس باللغة الأجنبية (الفرنسية) وأثره على ثقافة الأمة

إن التعليم باللغة الأجنبية مفتاح للتخلف والاستلاب، وخطر لا ينتهي وله أبعاد ثقافية سلبية لا تحصى، فبها يفرض المحتل المارق ثقافته على الأمة، ويفتت وحدتها وتماسكها، ويلوث حياتها الاجتماعية والثقافية والفكرية، ويبث سمومه في جسم لغتها.

يقول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله:

سرت لوثة الإفرنج في كما سرى*** لعاب الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة*** مشكلة الألوان مختلفات[28]

إن مطالعة شيء من تاريخ الاحتلال الذي شمل كثيرا من أقطار الأمة يظهر الكثير من الأساليب المقيتة التي وظفها المحتل في سبيل القضاء على لغة القرآن أو الحد من تأثيرها، لكنه وبعد سنين من المكر والخداع فهم أن العربية أصل في أمة الإسلام ولا سبيل إلى القضاء عليها، فعدل عن هذه الفكرة واستبدلها بفرض لغته إلى جانب العربية في التدريس واستعان في ذلك بمن يسهل خداعه من أهل السياسية الذين يحرصون على مصالحهم قبل اللغة وغيرها، وقد حذر الدكتور عبد السلام المسدي من تولي مثل هؤلاء الأصناف تسيير الشأن اللغوي فقال: “إن اللغة أمر جليل، بل لولا خشية المظنات واتقاء انفلات التأويل لقلنا إن اللغة أجل من أن تترك بيد السياسيين، والسبب في ذلك أن رجال السياسة يصنعون الزمن الجماعي على مرآة زمنهم الفردي، أما رجال الفكر فينحتون زمنهم على مقاس الزمن الجماعي”[29].

إن من يرضى لغة الاحتلال لتعليم شعبه، شخص تنقصه النباهة والحكمة، واستقلال القرار، بل وغياب الإرادة والتخطيط، وحسن الاختيار، فهو يسير في الطريق الخطأ ويضع أمته على رأس قائمة الدول المتخلفة، وهذا بكل تأكيد هو نتيجة التدريس باللغة الأجنبية، الذي يعود على من اختاره بأبعاد ثقافية سلبية لها آثار وعواقب غير محدودة، ويمكن تناول بعضها فيما يلي:

1 – محاصرة اللغة الوطنية وإضعافها والحد من نموها وانتشارها وتأثيرها: وذلك بحجج كثيرة أبرزها اعتبار أن اللغة الأجنبية لغة للعلم والتقنية، ووصف اللغة العربية بالعجز والقصور عن استيعاب العلوم والمعارف، وقد أثبتت الأيام ما يولده هذا الأمر من عقدة لدى من يدرس بغير لغته. يقول بكر بن عبد الله: “التدريس باللغة الأجنبية يكون لدى الطالب عقدة قصور لغته عن تدريس العلوم الحديثة، كما يرسخ لديه قطع صلة هذه العلوم بالإسلام وباللغة العربية، وهذا ينشئه على الزهد في لغته والأنفة منها، ثم يحمله على تصويب سهام الغدر تجاه العربية من كل جانب، ويولد لديه حساسية مفرطة في الحرص على اللغة الأجنبية من اللحن، أما لغته العربية فلا ضرر أن يمر على سمعه جميع سوءات اللحن”[30].

وقد أثبت علماء العربية أن الاحتلال يهدف إلى تنمية لغته على حساب العربية، وهذا أمر جلي لكل من له حس الدفاع عن العربية، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “عُجِّزت اللغة العربية وخذلها أهلها. ما هي عجزت وهي القوية على حمل رسالة الله، ولا هي ضاقت وهي الواسعة، ولا هي أجدبت وهي الخصبة”[31].

2 – توريث الذل والتبعية والانحطاط: يقول الرافعي: “ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع”[32].

3 – حصر العلم والمعرفة على فئة محدودة من المجتمع: لقد تنبهت الدول المتقدمة إلى خطورة أخذ العلم بغير لغتها منذ زمن قديم، وشاعت في الناس حكمة تقول: إن التعليم باللغات الأخرى ينقل بعض الأفراد إلى العلم، ولكن التعليم باللغة الأم ينقل كل العلم إلى الأمة.

4 – إفساد الهوية الإسلامية للأمة: حيث يتم نشر التغريب وتكريس التبعية المذلة، وتشتيت الأسرة المسلمة باسم الحرية الفردية، والترويج للانحلال، الفكري المنافي للأعراف والأخلاق والقيم وذلك بالتشجيع على تأليف روايات مليئة بالبذاءة والفجور والسفاهة…فباسم الفرنكوفونية يتم إسقاط القدوات والتضييق على الثقافة الإسلامية الأصلية، والهدف من هذا كله حسب تعبير الدكتور بكر بن عبد الله هو “صرف الجيل عن تراث الأمة الإسلامية، المكتوب بلسانها العربي، وفي مقدمتها الوحيان الشريفان، والانصراف إلى الوافد الذي شب عليه، كما هو الحال في الدول العربية التي سلخ الاحتلال لسانها”[33]

5 – السيطرة على القطاع التعليمي والتحكم في السياسة التعليمة: وهذه هي الحالقة بها ينفذ العدو إلى كل أهدافه في الحياة العامة من الإدارة ووسائل الإعلام، والشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية، وأسماء وإعلانات الشوارع، والمدرسة حيث محاصرة العملية التعليمية للأمة وإحاطتها بسياج من الجمود والتخلف والتبعية، وتوجيه مساراتها، وقيمها ومعاييرها، وأهدافها وفق مصلحة الاحتلال.

إن الدول الغربية ترفض قطعا التعليم بغير لغتها الوطنية في أي مسألة، كما ترفض استيراد نظريات أجنبية في تدبير قطاع التعليم. يقول كونانت أستاذ التربية الأمريكي: “إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنكليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية”[34].

6 – إضعاف الولاء للأمة وتعزيز الولاء للمحتل: التعليم باللغة الأجنبية يربي في الناشئة ثقافة الولاء للاحتلال، فقد يظهر جيل يقول إن الدولة التي لا تستطيع فرض لغتها وحمايتها لا تستحق العيش فيها ولا الدفاع عنها، وهذا ما يسعى إليه المحتل الخبيث. يقول الجابري متحدثا عن خطة فرنسا التعليمية كما جاء على لسان هاردي مدير التعليم بالمغرب إبان (الحماية) ومن ذلك: “أما عن المواد العامة التي ستتخلل هذا التعليم التطبيقي فهي بطبيعة الحال، اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط تلاميذنا بفرنسا، والتاريخ الذي يجب أن يعطيهم فكرة عن عظمة فرنسا”[35].

7 – ترسيخ فكرة أن لغة المحتل هي لغة الوظيفة والرقي في المناصب العليا، وتشجيع الشباب على تعلمها.

8 – طمس الثقافة المحلية للأمة وصبغها بكل ما هو أجنبي، وتفكيك العلاقات الاجتماعية بين أبنائها وحصول التأثر والاستلاب الثقافي بمظاهر الثقافة الأجنبية والميل إلى إغراءاتها المادية.

المطلب الرابع: تعدد لغات التعليم (العربية، الفرنسية، الإنجليزية) وأثره على الثقافة المحلية

لا يسمح بازدواج أو تعدد لغات التعليم في بلده، إلا من لا يفقه شيئا في السياسة والثقافة والحضارة ومفهوم الأمة، ولا يهمه لا الاستقلال ولا التقدم ولا الازدهار، وإن هذا الاختيار يفتح على صاحبه كل أبواب التخلف ونوافذه، يقول إدريس الكتاني: “تعليم المواد الدراسية بلغتين في آن واحد سواء في المرحلة الابتدائية أو الثانوية، لم تأخذ به ولم تعمل به أية دولة حرة في العالم لتناقضه مع الحقائق العلمية”[36]. لأن هذا الأمر يعد معولا لهدم الثقافة، وتفتيت الوحدة المجتمعية، واغتيال لغة الأمة في ساحة الصراع اللغوي على أرضها وبتواطئ من لا تهمه إلا المصالح الفردية، وبدعوى نشر العولمة والحداثة، وما ذلك إلا قناع يرتديه سحرة الإمبريالية لمحاصرة اللغة العربية واستهلاك رصيدها ثقافة، والتحكم في دواليب السياسة التعليمية، وتسييد النموذج الغربي ولغته وثقافته التي لا تتناسب مع الأمة.

إن فرض لغات متعددة في التدريس له عواقب وخيمة وآثار سلبية على القطاع الثقافي للأمة، وتكمن بعض هذه الآثار فيما يلي:

1تهميش اللغة الوطنية أو قتلها: وذلك عبر افتعال صراع لغوي بين اللغات المقررة في التدريس، وتزداد حدة هذا الصراع بسبب أطماع الدول الأجنبية، في تعزيز مصالحها وإثبات وجودها عبر القوة الناعمة، التي تكون فيها الغلبة للأقوى حيث يعمل المحتل على إقناع المغلوب بأن لغته قاصرة وعاجزة عن مسايرة العصر واستيعاب المستجدات العلمية والتكنولوجيا والمعرفية، وقد دحض الدكتور المهدي المنجرة هذه الادعاءات التافهة وأثبت زيفها، وذلك في حوار له مع مجلة عالم التربية حيث قال: “لا أقبل من أي أحد أن يقول إنها قضية بيداغوجية، وأن لنا مشاكل، وأن التعريب صعب، وصعب أن نستعمل اللغة العربية في تعليم الكيمياء والبيولوجيا. فهذا كلام لا أساس له؛ لأن التجارب في العالم بأسره برهنت أنه بدون الاعتماد على اللغة الوطنية، وبدون لغة الأم في تعليم العلوم، لن يكون هناك تقدم حقيقي، وأستطيع أن أقدم لك نماذج من كوريا وتايوان واليابان وماليزيا والصين وغير ذلك… وأظن أنه لم يتبق وقت للكلام في هذا الموضوع؛ لأنها ليست قضية تقنية أو فنية. يجب أن نتفق أنها قضية سياسية”[37].

2 – قصر العلم والمعرفة على فئة محدودة فيمن يجيد اللغات الأجنبية: حيث يتيه الطلبة المغلوبون على أمرهم في متاهات اللغات بحثا عن الكنز الوهمي الذي تعدهم به الدول الإمبريالية بعد إتقان لغتها.

3 – إفساد الهوية الإسلامية للأمة: بتغييب قيم الحرية والمسؤولة في الثقافة الإسلامية، ونشر قيم الانحلال والمجون والإلحاد التي تميز الثقافات الأجنبية، وقد نبه الله عز وجل على خطورة هذا الأمر بقوله: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

4 – قتل القطاع التعليمي للأمة وتخريب سياسته: وذلك بإغراقها بنظريات وثقافات متعددة ومخططات تحمل في طياتها الكثير من أساليب الإفساد والاستنزاف والتبديد لأفكار الشباب.

5 – خلق ولاءات متعددة وتهميش الولاء للأمة: يقول الرافعي: “إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء. والذين يتعلقون باللغات الأجنبية ينزعون إلى أهلها بطبيعة هذا التعلق، إن لم تكن عصبيتهم للغتهم قوية مستحكمة من قبل الدين أو القومية؛ فتراهم إذا وهنت فيهم هذه العصبية يخجلون من قوميتهم ويتبرؤون من سلفهم وينسلخون من تاريخهم، وتقوم بأنفسهم الكراهة للغتهم وآداب لغتهم، ولقومهم وأشياء قومهم، فلا يستطيع وطنهم أن يوحي إليهم أسرار روحه، إذ لا يوافق منهم استجابة في الطبيعة، وينقادون بالحب لغيره، فيتجاوزونه وهم فيه[38].

6 – طمس الثقافة المحلية للأمة وظهور ثقافات متعددة: الانفصام والانسلاخ الثقافي وإذكاء التناقض القيمي والثقافي نتيجة ما تفرضه كل لغة.

خاتمة

لقد تناولت فيما سلف من المحاور اللغة والثقافة وأهميتهما فتبين أن اللغة لا يمكنها أن تعيش بدون الثقافة إذ هي مادتها وأداتها، ولا يمكن للثقافة أن تتطور وتتجسد على أرض الواقع من دون اللغة، لأنها لسانها وقاعدة عملها، ثم تناولت لغة التعليم وما لها من أبعاد سواء كانت لغة الأمة أو الأجنبية، فتبين أن التعليم بلغة الأمة له مآثر جمة ودور أساس في حماية ثقافة الأمة والحفاظ على دينها وتراثها، وإثبات قدرتها على الصمود في وجه غارات العدو، كما تبين التدريس باللغة الأجنبية أو باللغات المتعددة وبال على ثقافة الأمة ووجودها واستقلالها، وهذا يفرض على الأمة أخذ الحيطة والحذر والعمل على إنهاء التدريس باللغة الأجنبية كيفما كانت، ومهما بلغت حجج السحرة.

وفي ختام هذا المقال أوجه من خلاله ثلاث رسائل هي:

الأولى: إن على الأمة في المغرب وغيره من الأقطار التي تستعمل العربية مع غيرها في التدريس، أن تبني سياستها اللغوية على أساس فرض لغة الأمة في التدريس، ووضع خطة التعريب الشامل للتعليم وإنهاء التعليم باللغات الأجنبية باعتباره يتعارض مع مبدأ استقلالية القرار، والإبداع الفكري، والإنتاج العلمي الحقيقي.

 الثانية: إن المسلم عالما كان أو طالبا أو أقل من ذلك، مدعو إلى الكتابة بالعربية والتواصل بالعربية والنشر بالعربية في مختلف وسائل التواصل، للحفاظ على هذه اللغة، فلا يليق بنا أن نحافظ على لغات الآخرين وثقافاتهم ونهمل لغتنا وثقافتنا، حتى لا نخالف الطبع القويم.

الثالثة: يا من يكتب وينشر ويؤلف بالعربية، عملك محمود، وأنت مطالب بالمزيد المزيد…

والحمد لله رب العالمين


مصادر ومراجع

القرآن الكريم

الحديث النبوي الشريف

الكتب:

أبو الحسن علي الحسني الندوي، نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية، ط 1، دار الكلمة، 2002.

أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، جزء 3.

بكر بن عبد الله أبوزيد، المدارس العالمية الأجنبية – الاستعمارية – تاريخها ومخاطرها، ط 1، دار ابن حزم، 1427-2016.

دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة: د. منير السعيداني، ط1، مركز دراسات الوحدة الإفريقية، بيروت-2007.

عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ط 1، مطبوعات الأفق، 1997 الدار البيضاء.

قاسم سارة، التعريب – جهود وآفاق، ط1، دار الهجرة، 1409-1979.

كمال بشر، علم اللغة الاجتماعي، دار غريب للطباعة والنشر، ط 1995.

مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة: عبد الصبور شهين، دار الفكر-دمشق، 1984، ط 4.

مجموعة مؤلفين، اللغة والهوية في الوطن العربي-إشكاليات التعليم والترجمة والمصطلح، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ط1.

محمد سكران، الثقافة العربية – التحديات وآلية المواجهة، ط1، مكتبة الأنجلو المصري، القاهرة، 2007.

محمد عابد الجابري، مشكل التعليم بالمغرب، ط1، دار النشر المغربية، 1979

مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، ط 1، المكتبة العصرية، بيروت، 1421هـ-2000م.

المملكة المغربية، الدستور، مديرية المطبعة الرسمية، 2011، الرباط.

نوال محمد عطية، علم النفس اللغوي، المكتبة الأكاديمية، 1995، ط3.

المعاجم:

ابن دريد، جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، ط1 الجزء1، دار العلم للملايين، بيروت،1987م.

ابن منظور، لسان العرب، دار صادر – بيروت، 1414 هـ، ط 3، جزء 15.

أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ – 1979م.الجزء 1.

الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، الجزء 5.

مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983.

المجلات:

أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية: أهميتها-مصادرها-وسائل تنميتها، عالم المعرفة، 1978، العدد 212.

إدريس الكتاني، ازدواجية لغة التعليم، مجلة لسان العرب، العدد 1، 1964.

المهدي المنجرة في حوار مع مجلة عالم التربية حول قضايا التربية والتعليم بالمغرب العدد 2 و3 سنة 1996م.

المواقع الالكترونية:

عبد العلي الودغيري، الاستقلال الحقيقي يبدأ باللغة، موقع الجزيرة نت، 05-02-2019.

ملاحق

وزارة التعليم، قانون الإطار 17-51، المطبعة الرسمية، 2018.

مراجع أجنبية

Edward Burnett Tylor, Primitive Culture: researches into the Development of Mythology, Philosophy Religion, Art, and Custom, London 1871, 2 vols.

Edward Sapir, Language an Introduction to the Study of Speech, 1921.


الفهرس

تقديم   2

المبحث الأول: مفهوم اللغة والثقافة والعلاقة بينهما. 3

المطلب الأول: مفهوم اللغة لغة واصطلاحا. 3

1 – لغة: 3

2- اصطلاحا  3

المطلب الثاني: مفهوم الثقافة لغة واصطلاحا. 4

1 – لغة: 4

2 – اصطلاحا  5

المطلب الثالث: العلاقة اللغة والثقافة. 6

المبحث الثاني: لغة التعليم وأبعادها الثقافية   6

المطلب الأول: في لغة التعليم   6

المطلب الثاني: التعليم بلغة الأمة وأبعادها الثقافية   8

المطلب الثالث: التدريس باللغة الأجنبية (الفرنسية) وأثره على ثقافة الأمة   10

المطلب الرابع: تعدد لغات التعليم (العربية، الفرنسية، الإنجليزية) وأثره على الثقافة المحلية   13

خاتمة   16

مصادر ومراجع   17

الفهرس      19


[1] مقاييس اللغة 5/ 255-256

[2] لسان العرب، ابن منظور،، دار صادر – بيروت، 1414 هـ، ط 3، جزء 15، ص 251-252.

[3] صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دار اليمامة، دمشق، ط: 5، 1414 هـ – 1993 م، ج: 1، ص 316.

[4] الخصائص، أبو الفتح عثمان بن جني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، جزء 3، ص 34.

[5] Edward Sapir, Language an Introduction to the Study of Speech, 1921. P 5

[6] علم النفس اللغوي، د. نوال محمد عطية، المكتبة الأكاديمية، 1995، ط3، ص 44.

[7] الحصيلة اللغوية: أهميتها-مصادرها-وسائل تنميتها أحمد محمد المعتوق،، عالم المعرفة، 1978، العدد 212، ص 29.

[8] مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983-القاهرة، ص 169.

[9] العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، الجزء 5 ص 139.

[10] جمهرة اللغة، ابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين – بيروت،1987م، ط 1، الجزء 1 ص 429.

[11] معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ – 1979م.الجزء 1 ص 382-383.

[12] مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة: عبد الصبور شهين، دار الفكر-دمشق، 1984، ط 4، صفحة 74.

[13] Edward Burnett Tylor, Primitive Culture: researches into the Development of Mythology, Philosophy Religion, Art, and Custom, London 1871, 2 vols, p 1

[14] مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، دنيس كوش، ترجمة: د. منير السعيداني، المنظمة العربية للترجمة – مركز دراسات الوحدة الإفريقية، بيروت،2007، ط 1، ص31.

[15] مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983-القاهرة، ص 65.

[16] علم اللغة الاجتماعي، كمال بشر، دار غريب للطباعة والنشر، ط 1995، ص 237-238

[17] اللغة والهوية في الوطن العربي-إشكاليات التعليم والترجمة والمصطلح، مجموعة مؤلفين، أحمد حسين حسنين، الفصل 8 (لغة التعليم وتأثيرها في الهوية العربية)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ط1، ص311 بتصرف.

[18] المملكة المغربية، الدستور، مديرية المطبعة الرسمية، الباب 1، الفصل 5، ص 3-4.

[19] قانون الإطار 17-51، 2018، وزارة التعليم، المطبعة الرسمية، المادة 31، ص 9.

[20] قانون الإطار 17-51، ص 9.

[21] وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، المكتبة العصرية، ط 1، 1421هـ-2000م، ص 30.

[22] حوار مع صديق أمازيغي، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، ط 1، 1997، ص 105.

[23] الاستقلال الحقيقي يبدأ باللغة، عبد العلي الودغيري، الجزيرة نت، يوم 05/02/2019. وقد اطلعت على مضمون هذا الحوار آخر مرة يوم 02/04/2024، الساعة 22:43.

[24] الثقافة العربية – التحديات وآلية المواجهة، محمد سكران، مكتبة الأنجلو المصري، ط 1، 2007، ص 29.

[25] اللغة والهوية في الوطن العربي-إشكاليات التعليم والترجمة والمصطلح، مجموعة مؤلفين، أحمد حسين حسنين، الفصل 8 (لغة التعليم وتأثيرها في الهوية العربية)، ص 318-319.

[26] التعريب – جهود وآفاق، قاسم سارة، دار الهجرة، ط 1، 1409-1979، ص 9.

[27] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، تحقيق: لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت، ج 2، ص 352.

[28] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، تحقيق: لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت، ج 2، ص 352.

[29] الهوية العربية والأمن اللغوي، دراسة وتوثيق، عبد السلام المسدي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 260.

[30] المدارس العالمية الأجنبية – الاستعمارية – تاريخها ومخاطرها، بكر بن عبد الله أبوزيد، دار ابن حزم، ط 1، 1427-2016، ص 36 بتصرف.

[31] حوار مع صديق أمازيغي عبد السلام ياسين،، ص126.

[32] وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، ص 29.

[33] المدارس العالمية الأجنبية – الاستعمارية – تاريخها ومخاطرها، الدكتور بكر بن عبد الله أبوزيد، ص 36 بتصرف.

[34] نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية، أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار الكلمة، ط 1، 2002، ص 161.

[35] مشكل التعليم بالمغرب، محمد عابد الجابري، دار النشر المغربية، ط1، 1979، ص 19.

[36] ازدواجية لغة التعليم، إدريس الكتاني، مجلة لسان العرب، العدد 1، 1964، ص 26.

[37] المهدي المنجرة في حوار مع مجلة عالم التربية حول قضايا التربية والتعليم بالمغرب العدد 2 و3 سنة 1996م، وقد خصصت مجلة علوم التربية عدداً خاصاً لمسألة التعريب بالمغرب تحت عنوان: تعريب التعليم والمحيط في انتظار القرار، العدد 4 خريف 1996م تناولت فيه الموضوع وإشكالاته بتفصيل.

[38] وحي القلم، ص 29-30.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.