الحلقة الثانية عشرة: “بناء المسجد والمؤاخاة… القائد يبني وحدة المجتمع”
د. ابراهيم بومسهول
الحلقة الثانية عشرة: “بناء المسجد والمؤاخاة… القائد يبني وحدة المجتمع“
د. ابراهيم بومسهول
مشهد من المدينة
وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرًا، فاستقبله الأنصار بفرح عظيم، يتسابقون على استضافته. لكن النبي ﷺ كان يعلم أن أول ما يحتاجه المجتمع الجديد ليس مجرد بيوت للضيافة، بل بيتًا يجمع القلوب.
وقف ﷺ في أرض يتيمة تعود لغلامين من الأنصار، فاشتراها، وقال: “هنا نبني مسجدًا.”
بدأ بنفسه يحمل الحجارة، يردد: “اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة.”
وكان الصحابة يتسابقون على حمل اللبن والحجارة وهم ينشدون: “لئن قعدنا والنبي يعمل، لذاك منا العمل المضلل.”
هكذا وُضع حجر الأساس للمجتمع الجديد: المسجد، ليس مكانًا للصلاة فقط، بل مدرسة للتربية، ومقرًا للشورى، ومركزًا للقرارات الكبرى.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
لم يكتفِ ببناء المسجد، بل بنى الوحدة بين الناس. آخى بين المهاجرين والأنصار، فجعل عبد الرحمن بن عوف أخًا لسعد بن الربيع، وجعل سلمان الفارسي أخًا لأبي الدرداء… وهكذا توزّع المهاجرون بين بيوت الأنصار، يعيشون معهم كأنهم أسرة واحدة.
كانت تلك الخطوة معجزة اجتماعية: في لحظة تاريخية قصيرة، تحولت قلوب متباينة إلى مجتمع متماسك، يذوب فيه الفارق بين الغريب والمقيم، والغني والفقير.
القيمة القيادية
- الرمزية والبناء المؤسسي: أول ما فعله النبي ﷺ هو بناء مؤسسة (المسجد) تعطي المشروع ثباتًا وجاذبية.
- المشاركة العملية: القائد يشارك الناس في العمل، لا يكتفي بالأوامر.
- الوحدة فوق الفوارق: المؤاخاة دليل أن القيادة تعني إذابة العصبيات وبناء مجتمع على أساس القيم لا الانتماءات الضيقة.
إسقاط معاصر
- أي مشروع تغيير يحتاج إلى مؤسسات جامعة، لا يقوم على الأفراد وحدهم. المسجد في المدينة يذكّرنا أن القائد يبدأ ببناء مكان أو فكرة توحّد الناس حولها.
- القائد الناجح لا يعيش فوق الناس، بل ينزل معهم إلى ساحة العمل، يحمل مثلهم، ويتعب مثلهم.
- مجتمعاتنا اليوم تعاني من التفرقة والانقسام، والدرس النبوي أن الوحدة تبدأ بقرار قيادي شجاع يُذيب الفوارق ويجمع القلوب حول هدف مشترك.
خاتمة
أول عمل للنبي ﷺ في المدينة لم يكن حربًا ولا إدارة سياسية، بل كان بناء المسجد والمؤاخاة. ومن هناك انطلقت دولة عظيمة غيرت وجه التاريخ.
إذن، رسالتنا من هذه الحلقة:
القيادة الحقيقية تبدأ ببناء الوحدة حول قيم جامعة، وصناعة مؤسسات تُثبّت المشروع وتمنحه الاستمرارية.