منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصراع على الأسرة والانتقال من الحروب الحضارية والدينية إلى الحروب الأخلاقية

د.فؤاد بلمودن

0
الصراع على الأسرة والانتقال من الحروب الحضارية والدينية إلى الحروب الأخلاقية
د.فؤاد بلمودن
باحث في الفكر الإسلامي
عضو المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري
لقد صمدت الأسرة على مر العصور بوصفها تلك الوحدة الاجتماعية الحاضنة لقيم الأنسنة والضامنة لاستمرار النوع البشري، وعبر التاريخ الإنساني شكلت الأسرة مفارقة بين المنظورات الأخلاقية المقدِّسة للأسرة ولوظائفها التربوية والاجتماعية والبيولوجية من جهة، والمنظورات الشاذة التي رأت في الأسرة كابحا للتطور الاجتماعي والفرداني، فقديما لم ير أفلاطون من دور للأسرة ضمن مدينته الفاضلة ورأى فيها عاملا معيقا لتشكل الجمهورية، واستمر هذا القلق والتشكيك في أهمية الأسرة وقيمتها الاجتماعية لينتقل من الفلسفة الهيلينية إلى الفلسفة الغربية الحديثة، حيث بات التساؤل عن جدوى الأسرة سؤالا مألوفا، فمع تطور الوظائف الاجتماعية للدولة نحو مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأطفال والمسنين والجمعيات المدنية والمدارس والجامعات والموريستانات… فقدت الأسرة مسوغات استمرارها، ولم تعد من ضرورة لوجودها، فقد أصبح هناك مجتمع وفرد فقط، فدعى التطوريون أمثال سبنسر ومورغان إلى زوال الأسرة بصورة تدريجية، لكونها حسب سبنسر “مجرد قشرة ضاغطة على الفرد”، ووصفها الفرنسي أندري جيد ب“السجن الانفرادي أو الزنزانة الانفرادية”، أما الاتجاه العبثي الفوضوي فيرى في الأسرة عامل استبداد تجاه الفرد إذ تسلبه حريته عبر زرع الروح العائلية الاستغلالية والمقيدة لطموحات الفرد كما عبر عن ذلك باكونين، في سعي منه لدق إسفين في نعش آخر مؤسسة اجتماعية منظمة بعد تفكيك سلطة القبيلة والعشيرة، فكلما تم تفكيك هذه الروابط التقليدية تحققت الفوضى وارتفع منسوب الحرية وتكسرت القيود الاجتماعية والأخلاقية.
بينما نظر إليها الاشتراكيون أمثال ماركس وإنجلز على أنها أداة لتكريس الفوارق الطبقية بين الأفراد وتغذية النزعة الرأسمالية من خلال الملكية الفردية والتوارث.
وقد شكلت هذه التصورات ملامح فلسفة نظرية وأداة مرجعية للكثير من العهود والمواثيق والقوانين والتشريعات الحديثة التي تفوح بروح العداء للأسرة والتشكيك في جدواها أو على الأقل تهميشها وإلجائها إلى ركن قصي.
وقد استمرت الفلسفة المثالية والأخلاقية على موقفها الداعم لاستمرار وظائف الأسرة، وشكلت الأساس لموقف العلوم الإنسانية الحديثة، فقد دافع علماء الاجتماع بقوة عن الأسرة حيث يرى أوغيست كونت أن المجتمع يتألف من الأسر لا من الأفراد، وهو الموقف الذي دافع عنه إميل دوركايم.
أما في علم النفس فالأسرة ضرورية للفرد لأنها هي الوحيدة التي تمده بالتوازن النفسي والنمو البيولوجي والعقلي السوي، فلا أحد يعوض الأم والأب في إمداد الطفل بالكثير من العواطف والحنان.
بينما استمرت المنظورات الدينية التوحيدية أساسا على موقفها المبدئي بقدسية الرابطة الأسرية بحسبانها أقدس الروابط الاجتماعية وأمتنها، وهذا ما يعبر عنه الموقف الإسلامي الذي أرسى منظومة قيمية وتشريعية متكاملة لحفظ الأسرة باعتبارها قيمة مركزية وكلية ناظمة لأصول النظر الاجتماعي في الإسلام، فالأسرة تتأسس وفق ميثاق غليظ له قداسة استثنائية تنأى به عن العبث والنزوة العابرة، يقوم على المودة والتراحم، وتسيجه أركان وشروط تجمع بين الصرامة والمرونة، لكنها ذات جذور عميقة المغزى بعيدة المعنى، تجمع بين إرادة الفرد ورضى المجتمع، وداخل هذه المنظومة تحفظ الكرامة الإنسانية للمرأة الزوجة التي تضطلع بشرف الحافظية، وللرجل الذي ينهض بعبء القوامة، وللطفولة التي تنعم بحضن الأسرة وبالحقوق التي خولت لها في كل الأحوال والظروف.
إن الأسرة هي الصخرة العاتية التي تتكسر حولها كل المؤامرات الماكرة التي تستهدف الإنسان وقيم المجتمع.
وإن معركة القيم والاخلاق تكاد توهمنا أن باعثها هو اختلاف الرؤى والمعايير الإديولوجية والثقافية والدينية فقط؛ وهي على الحقيقة ليست كذلك؛ إنها معركة تختزل عودة الصراع بين الإنسان العاقل وبين الحيوان الغريزي الأبله؛ ولذلك سنجد أن معركة الأسرة ستضم كل القوى التي مازالت تؤمن بإنقاذ الإنسان في الشرق والغرب سواء كانت قوى دينية أو ذات مرجعية طبيعية إنسانية، بينما سيحتشد في الاتجاه المقابل أنصار مذهب الغريزة الدوابية الذين يحلمون بإعادة تشكيل نوع بشري حديث، متطور، ومتحلل من كل القيود والمعايير القيمية التي تفرضها ما يسمونها بمؤسسات السلطة الأبوية المتخلفة، وأخطر هذه المؤسسات في نظرهم -بعد تحييدهم للمؤسسات السياسية والدينية عبر العلمنة وتحييدهم للمؤسسات العلمية والثقافية عبر الدهرنة والدرْوَنة- هي مؤسسة الأسرة آخر القلاع التي ما زالت تزود الإنسان وترفد المجتمع بالقيم والمعايير الأخلاقية والفطرية، عن الخالق والمصير، وعن الرحم والأقارب، والصلات الروحية، وبر الوالدين، والمحبة والأخوة والتعاون والتكافل والخير…
فمعركة الاسرة ستصبح بدون منازع معركة الإنسان المصيرية؛ وخسارتها -لا قدر الله- تعني شيئا واحدا، إنه الدخول في طور القِرْدية الدوابية، أي تشكل الإنسان المسخ، الذي يبشر به نجوم هوليود بقوة بعدما استقوا خلفيتهم المرجعية من نفايات الداروينية البائدة ومخلفات التفكير التلمودي القديم.
قال الحق سبحانه في كتابه الحكيم: ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)) [سورة المؤمنون: 115-116]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.