”الرفيق قبل الطريق”(4) قصة،مثل… عبرة لم تزل
وفاء أم ريان
”الرفيق قبل الطريق”(4) قصة،مثل… عبرة لم تزل
بقلم: وفاء أم ريان
لطالما سمعنا عن المثل الذي يقول: “الرفيق قبل الطريق”، فالسفر مع من تعلم أخلاقه ومناقبه يبهجك ويقيك مما لا تحمد عواقبه.
وقصة هذا اليوم، أيها الكرام، تسافر بنا إلى قديم الزمان، حيث كان السفر من بلد مصر إلى بلد كنعان يستمر أيامًا على ظهر الحصان. كان السيد صالح تاجرًا من أغنى التجار، دائم التجوال والأسفار، لم يترك حضرًا ولا مدرًا، ولا مصرًا من الأمصار. ذات يوم أراد أن يخرج بتجارته إلى بلاد كنعان، وقرر اصطحاب صديقه المخلص النعمان، لكن الصديق اعتذر منه بشدة، فابنته هند كانت مريضة، ولا يستطيع السفر وتركها وحيدة. وبينما التاجر في الطريق على مشارف القرية، اعترض سبيله رجل قوي البنية، كثيف اللحية، فسلّم على السيد صالح، وطلب منه الإذن بمرافقته، فقبل التاجر صالح بسرور، فهو في حاجة لمن يخفف عنه وعثاء السفر ويدخل في نفسه الحبور.
وما إن مضت بضع ساعات في الطريق حتى أخذ الرجل الغريب يلعن، ويحنق، وصدره يضيق، ويشكو الأيام القاهرة التي جعلته يغادر الأحباب، ويرحل عن الأصحاب، من أجل البحث عن لقمة العيش في آخر البلاد. فأخذ التاجر صالح يهدئ من روعه، وينصحه بالصبر الجميل، لينال الأجر الجزيل. غير أن الرجل لم يكتفِ بالتأفّف، بل زاد على ذلك بعدم التعفّف، فطلب من العم صالح أن يُقرضه بعض المال، وسيُرجعه له متى استقامت الأحوال. تعجّب العم صالح من هذا الطلب؛ فأنّى له أن يقرض غريبًا لا يعرف له حسب ولا نسب؟ غير أن مروءته وحياءه منعاه من عدم الإيجاب، وقال في نفسه: فلأجعلها صدقة على والديّ ودفْعًا لكل تأنيب وعتاب. مرّت ثلاثة أيام من السفر على التاجر صالح كأنها ثلاث سنوات من الدهر الجارح.
وكان الغريب إذا حضر وقت الطعام يتضوّر جوعًا، ويدّعي السقم، ويطلب من العم صالح أن يُعدّ الأكل، فهو لا يحتمل داء المعدة وشدة الألم. فيعطيه العم صالح نصيبه من الأكل، ويقول في نفسه:
الحمد لله، لقد أكلت وشبعت حتى التّخمة عندما سافرت مع صديقي أبي هند، فنِعم الصحبة واللّمّة. ولمّا وصلا إلى بلاد كنعان، حمد التاجر الله على السّلامة، وتذكّر رفيقه النعمان وأيام الكرامة. وفي طريق عودته إلى مصر، تلثّم حتى كادت مقلتاه لا تُرى، وغادر متسللًا كي لا يجده الغريب مرة أخرى، فيطلب مرافقته؛ فتكون بذلك الطامّة الكبرى.
وأختم بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أيها الكرام الأبرار، ورافقتكم السلامة في أسفاركم، وجعلنا الله وإياكم من المصطفين الأخيار.