الصحبة والجماعة هي الطريق السليم لإصلاح الفرد والمجتمع | سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ بن سالم باهشام
الصحبة والجماعة هي الطريق السليم لإصلاح الفرد والمجتمع | سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا
عباد الله، يقول – سبحانه وتعالى – في سورة الكهف: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، في هذه الآية من سورة الكهف، تجتمع الصحبة والجماعة، والصحبة في الجماعة، والتي هي الخصلة الأولى من الخصال العشر لشعب الإيمان، والخصلة الأولى من الخصال الثلاث من شروط التربية بالتصور المنهاجي، إذ أمر سبحانه وتعالى فيها بصحبة الأخيار وملازمتهم، ونهى عن صحبة الأشرار، وهذه مسألة عظيمة من مسائل هذه الحياة، فإن الإنسان لا بد له من صاحب قد يكون صالحا فيصلحه، ويرتقي به في مدارج الدين إلى مرتبة الإحسان، وقد يكون فاسدا فيفسده، فيرتكس به إلى أسفل سافلين، كما لا بد له من قوم يأوي إليهم ويكون معهم، قد يكونوا صالحين، يسعون في نشر الفضائل والعلوم، وتحديد العدل بين الناس، مَن جالسهم انتفع بهم واهتدى بهديهم. وقد يكونوا فاسدين، يسعون في الأرض فسادا، فانظروا مع من تريدوا أن تكونوا.
عباد الله، إن من طبيعة الإنسان أنه اجتماعي بطبعه، وأنه لابد له من صحبة صالحة في حياته كلها، ولو كان الإنسان في غنى عن الصحبة الصالحة؛ لأغنى الله عنها نبيه وصفيه محمد ﷺ ليلة الهجرة، لكن الله ﷻ خلد هذه العلاقة العظيمة في كتابه الكريم بقوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، فالصحبة من أعظم النعم، وقد قيل: سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقاً صدوقاً صادق الوعد منصفا، فالصحبة مفتاح لكل خير مغلاق لكل شر.
عباد الله، من القواعد المطردة التي لا يطرأ عليها تغيير رغم تغير الأزمنة والأمكنة، أن الصاحب ساحب، فالصاحب يؤثّر في صاحبه سلبًا وإيجابًا، وهذا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ؛ أَنَّ لِلْصاحب تَأْثِيرًا عَلَى الدِّينِ وَالسُّلُوكِ، وَالنَّفْسُ تُؤَثِّرُ وَتَتَأَثَّرُ سَلْبًا وَإِيجَابًا، وَالْمَرْءُ كَمَا قِيلَ يُعْرَفُ بِصاحبه.
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِــهِ ** فَكُـــــــــــــلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَــــــــــــارَنِ يَقْتَـــــــــــــــدِي.
إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَـــــــارَهُمْ ** وَلَا تَصْحَبِ الْأَرْدَى فَتَرْدَى مَع الرَّدِي
وَأَصْدَقُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي صحيحي البخاري ومسلم؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)، [أَخْرَجَه البخاري، في الذبائح والصيد، باب المسك:5534، ومسلم، في البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين واجتاب قرناء السوء:2628]. وكل واحد منا يُوزَنُ بِمَنْ صَاحَبَ وَاخْتَارَ، وقيمة الشخص بقيمة المصحوب، فلينظر أحدكم من يصاحب، ورحم الله من قال:
يُوزَنُ الْمَرْءُ بِمَنْ صَاحَبَ وَاخْتَارَ وَلِيَّـا ** وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَازْدَدْتُ رُقِيًّا وَرُقِـــــــــــــــــــيَّـا
أَنْتَ لِي نَبْعٌ مِنَ الْإِخْلَاصِ يَبْقَى أَبَدِيَّا ** لَمْ أَزَلْ أَحْمَدُ رَبِّي أَنَّ لِي خِلًّا وَفِيَّا
ولهذا فعلى المرء أن يختار أصحابه بعناية، فالصّحبة الصّالحة تُحسّن من سلوك العبد وتؤثّر فيه، ويجني منها فوائد جمّة، إذ تعين على الطاعة، وتهذب السلوك، وتثبت على الدين، وتدفع للتنافس في الأعمال الصالحة، وتتوج بتحقيق محبة الله تعالى للصاحب والمصحوب.
عباد الله، ليس من السهل مخالفة الهوى والشيطان، إلا أنّ صحبة الصالحين الأخيار، تُعين على طاعة الله تعالى، وتحضّ على العبادة، فالصاحب الصالح ينصح صاحبه ويحثّه على فعل الخيرات، وينهاه عن اقتراف المنكرات، وبالصحبة الصالحة يترك المرء فعلا ما، حياءً من أصحابه الصالحين، وفيما بعد يكون سببًا لالتزامه بطاعة معينة، أو إقلاعه عن ذنبٍ بشكل دائم ومستمر، وهذا مجرب ومشاهد.
عباد الله، الاستقامة خير من ألف كرامة، والصّحبة الصّالحة هي خير معين على الاستقامة والالتزام، وخير سبيل لدوام التذكير بأوامر الله – تعالى- ونواهيه، والرغبة في طاعته، وقد أمر الله – تعالى- بمصاحبة ومجالسة الأخيار.
عباد الله، إنّ لصحبة الصّالحين أثراً بيّنا في تهذيب السلوك وتقويمه، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، فالطبيعة الإنسانية تقتضي ذلك، والواقع المشاهد يدلّ على ذلك، فالعبد يؤثّر ويتأثر، والمرء عندما يُجالس الصّالحين ويُصاحبهم؛ فإنّه سيكتسب شيئًا من أخلاقهم. وستسري فيه طباعهم وسلوكياتهم شيئًا فشيئًا، فيكون ذلك خير وسيلة في اكتساب الزينة والفضل في الدنيا والآخرة، فالسلوك الحسن والخصال الطيّبة هي زينة للعبد في الدنيا؛ ورفعة له في الآخرة.
عباد الله، إنّ مصاحبة الصالحين الأخيار، وصبر النفس معهم، والتردّد عليهم، والإكثار من مجالستهم، وسيلة مهمّة ومفيدة جدا من وسائل الثبات على الدين في مواجهة الفتن والمغريات، فالدنيا لها أهلها الذين يلهثون في طلبها، وليس لهم همٌّ سوى تحصيلها. أمّا الصالحون فهم من أهل الآخرة الذين يعملون لها ويُذكّرون بها، ويكونون عونًا لغيرهم على ذلك، والذين يُمكن للعبد أن يُجالسهم ويتأثر بهم أحياء وأمواتا؛ ولو عن طريق مطالعة أخبارهم والقراءة في كتبهم، والانتفاع بما تركوه من العلم النافع والأخلاق الرفيعة.
عباد الله، إنّ النفس البشريّة مجبولة على حب التنافس والتفوّق، وفي صحبة الأخيار يكون هذا التنافس تنافسًا محببًا خاليًا من الحسد والغيرة، حيث يتنافس أهل الخير في الطاعات وفي الأعمال الصالحة، فالعبد عندما يُجالس الصالحين ويصاحبهم، يتّجه في بداية الأمر للاقتداء بهم وهم يوجّهونه ويحرصون على نفعه. ثمّ يشعر في نفسه برغبة في مجاراتهم، فيبدأ بالاستزادة من أعمال البر والخير؛ فلربما زاد على أصحابه وفاقهم علمًا وورعًا، وهو الذي كان في بادئ الأمر يتعلّم منهم، فهذا تنافس شريف لا يُفسد المحبة والود، بل يزيدهما ويقوّي رابطتهما.
عباد الله، إنّ مصاحبة الأخيار ومجالستهم تتوج بحب الله تعالى، إذ تزيد من محبة الله – تعالى- للعبد، فأهل الصلاح والخير هم العباد المحبوبين لدى ربّهم – تبارك وتعالى-، وفي الإكثار من مجالستهم تعريض للنفس لنفحات من هذه المحبة والرضا. كما أنّ العبد عندما يكون مدار حبّه وبغضه هو ما يرضي الله؛ فلا يحب إلّا في الله، ولا يُبغض إلّا لله، فإنّه سيكون محبوبًا لربّه – سبحانه-، وصحبة الصالحين الأخيار؛ من العلاقات التي غالبًا ما تكون المحبّة فيها خالصة لله، وليس فيها غاية أو سبب دنيوي. لهذا ينبغي على الواحد منا أن يفتش داخل نفسه ليعرف حقيقتها، فإذا نفر قلبك من الصالحين المصلحين؛ فأنت مريض؛ عليك بالمبادرة بمداواة نفسك حتى تجدها تميل إلى أهل الخير، ومداواتها بمخالفتها عما تحب وتهوى، وإذا رأيت نفسك تميل إلى أهل الشر والفجور، فاتهم نفسك واستدرك عمرك قبل الفوت، وإذا رأيت نفسك تميل إلى الأخيار وتحب مجالستهم مع علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك وقبح ما تخفي وأنت بينهم، فاعلم أن فيك بقية خير، فاجتهد في اقتلاع الشر من نفسك لتكون مثلهم، وإذا رأيت نفسك تحب الذهاب مع المجرمين، وأنت من أهل الخير؛ ففيك شعبة من النفاق.
عباد الله، إن الإخوان الصالحين نعمة عظيمة من الله، وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: ( لولا ثلاث ما أحببت البقاء ساعة: ظمأ الهواجر – أي الصيام في النهار الحار- والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام، كما ينتقى أطايب الثمر). وقال الشافعي رحمه الله تعالى: (لولا القيام بالأسحار، وصحبة الأخيار، ما اخترت البقاء في هذه الدار). وكانوا إذا فقدوا أخاً عزيزاً عرف ذلك فيهم، قال أيوب السختياني رحمه الله: (إذا بلغني موت أخٍ لي فكأنما سقط عضو مني). ولذلك كان التفريط في الصالحين وتضييع الأخ الصالح من أعظم البأس، وبؤس من أعظم البؤس. وأشد البأس على النفس، وأعجز الناس، من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم، فربما يلقاهم ثم يضيعهم، فهذا أعجز من الذي فرط في ملاقاتهم والتعرف عليهم أصلاً؛ لأنه عرف النعمة ثم كفرها، يعرفون نعمة الله ثم يجحدونها ويتخلون عنها، والرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال؛ والشمال بلا يمين. قال الأصمعي رحمه الله: (إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده، فانظر إلى حنينه إلى إخوانه، وتشوقه إليهم). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.