الفطرة السليمة (5) سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق
الفطرة السليمة (5) سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق/الدكتور أحمد الادريسي
الفطرة السليمة (5) سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق
بقلم: الدكتور أحمد الادريسي
تهديم الأخلاق والقيم الإنسانية | سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق
دعم ونشر نظام التفاهة (2) سلسلة؛ أنقذوا مكـارم الأخلاق
أولا: الفطرة وأسسها في الإسلام:
– الفطرة لغة: الفطرة من فطر الشيء أي ابتدأه و أنشأه. فطَرَ الشيءَ يَفْطُرُه فَطْراً فانْفَطَر وفطَّرَه: شقه. وتَفَطَّرَ الشيءُ: تشقق. والفَطْر: الشق، وجمعه فُطُور. وفي التنزيل العزيز: هل ترى من فُطُور؛ وأَنشد ثعلب:
شَقَقْتِ القلبَ ثم ذَرَرْتِ فيه هواكِ، فَلِيمَ، فالتَأَمَ الفُطُورُ.
وأَصل الفَطْر: الشق؛ ومنه قوله تعالى: إذا السماء انْفَطَرَتْ؛ أَي انشقت. وفي الحديث: قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى تَفَطَّرَتْ قدماه أَي انشقتا. ابن سيده: تَفَطَّرَ الشيءُ وفَطَر وانْفَطَر. وفي التنزيل العزيز: السماء مُنْفَطِر به[1].
– الفطرة اصطلاحا: هي الخلفة التي خلق الله سبحانه وتعالى عباده عليها و جعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره و كراهية الشر ودفعه وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول والاخلاص لله عز وجل والتقرب اليه. وقيل؛ الفطرة هي الصفات الخَلقية الأولية التي منحها الله تعالى للإنسان وغرسها في طبيعته، من المعرفة به والميلُ الأصلي إلى السلوك المستقيم. أما التوجه التلقائي إلى الخالق سبحانه وإلى توحيده، وطلب ما عنده من خير، فهذه فطرة عَقَدية. وخلاصة ما ورد عن الفطرة:
– الفطرة من سنن الله التي لا تقبل الإلغاء والتبديل، لكنها تقبل التغيير وتخضع للتأثير.
– صرحت النصوص كذلك بأن كل الناس من جميع الأجناس يولدون على هذه الفطرة أول ما يولدون، فهي سنة من سنن الله التي لا تتبدل ولا تتخلف.
– بعد الولادة والاندماج في الحياة الاجتماعية، تصبح جميع الصفات الفطرية عرضة للتأثيرات السلبية، التي قد تغير منها قليلا أو كثيرا، دون أن تمحوها وتبدلها من أصلها.
– أنها هي الصفات الخَلقية الأولية التي منحها الله تعالى للإنسان وغرسها في طبيعته.
– أن الصفة الفطرية الأساسية الجامعة هي الاستقامة والسلامة.
– حب الفضائل والمحاسن وكره الرذائل والقبائح (فطرة قلبية وجدانية).
– الميلُ الأصلي إلى السلوك المستقيم والتصرف والتحدث بصدق (فطرة سلوكية عملية).
– الشريعة مبنية على الفطرة، وهذا الوصف العظيم صالح لأن يكون الأصلَ العامَّ لفهم مناحي التشريع والاستنباط، فهو أَوْلى الأوصاف بأن يجعل أصلاً جامعا لكليات الإسلام… وفي هذا تنبيه للعلماء بأن عليهم أن يسايروا هذا الوصف الجامع ويجعلوه رائدهم وعاصمهم في إجراء الأحكام، بمنزلة إبرة المغناطيس لربان السفينة”[2].
ويمكن للفطرة أن تمرض وتنتكس فيصبح الإنسان في أسفل السافلين و يتبلد حسه فينسى آيات الإعجاز في الكون و الحياة و ينسى القدرة المعجزة التي تجري الرزق و تجري الأحداث فالإنسان حين يمر بتجربة جديدة يكون متفتحا لها بكل حواسه يريد أن يتعرف على تفضيلات الشيء الجديد و لكنه حين يألف المشهد فان حواسه تمر عليها بغير انتباه وكذلك يفعل الإنسان أحيانا مع الله ينسى أنه الخالق وأنه المدبر والرازق والمحي والمميت فيتلبد حسه و تمرض نفسه بسبب ما يتلبسها من انتكاسات وانحرافات فتنسى الله ووتنسى معية الله وحفظه، وحينها لا يعود الإنسان كما خلقه على الفطرة السوية و في أحسن تقويم وغنما يصبح في أسفل السافلين.
ثانيا: أسباب انتكاس الفطرة :
– اتباع الهوى: فاتباع شهوات النفس وأهوائها يصد الإنسان عن الدين و هو يعلم أنه يسير في غير الطريق الصحيح.
الغفلة : فما من انسان غفل عن الله سبحانه و تعالى في وقت من الاوقات و أمكر وجود الله سبحانه و تعالى إلا و جاءت عليه أوقات سمع فيها نداء الفطرة و صراخ ذاته الباطنية وهتاف وجدانه و الكل يقول له إنك مخلوق و عبد الله سبحانه و تعالى .
– التمسك بالعادات السيئة: فالتقاليد الاجتماعية لها أثر في تحويل هذه الفطرة من التمسك بالدين والأخلاق الى التمسك بالعادات التي تتنافى مع تعاليم الاسلام.
ومن وسائل الحفاظ على الفطرة وإصلاحها:
– حمل النفس على الالتزام بشرع الله تعالى في المعاملات وذلك بالتمسك بالأخلاق الفاضلة.
– التأمل في الكون: فإن فيه الآيات والدلائل ما يجعل الانسان يعلن خضوعه لخالق هذا الكون العظيم.
– تزكية النفس، وإصلاحها بطاعة الله تعالى وتطهيرها من الرذائل.
ثالثا: الفطرة السليمة عند علمائنا.
من أقوال العلماء في الفطرة السليمة، أذكر ما يلي:
– قال ابن قيم الجوزية عن الفطرة الحنيفية: (والصحيح من هذه الأقوال ما دل عليه القرآن والسنة: أنهم ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تركوا وفِطَرَهم لكانوا حنفاء مسلمين، كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا مشقوق الأذن. ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك شرطا مقتضيا غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: “إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم”. أخبر أن تغيير الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقت عبادي مشركين، فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك، كيف وقد قال: «خلقت عبادي حنفاء كلهم» “؟ فهذا القول أصح الأقوال)[3].
– قال ابن عبد البر رحمه الله: (يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم “كل مولود يولد على الفطرة” الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. والفطرة لها معان ووجوه في كلام العرب…)[4].
– يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الحب الفطري والكره الفطري “الناس إذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح، فهم يعنون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه، يحصل به اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس. وإذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به أنه ضار لصاحبه ولغير صاحبه، وأنه بغيض يحصل به الألم والغم وما تتعذب به النفوس. ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر قضايا الطب)[5].
وقال أيضا: (إن الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل. والناس الذين وصل إليهم ذلك والذين لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وبصدق الصادق وعلم العالم وإحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب والجهل والإساءة. ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء له. وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به، لا يمكنهم دفع ذلك من أنفسهم، كما فطروا على وجود اللذة بالأكل والشرب والألم بالجوع والعطش”[6].
– قال الأمير الصنعاني: “ومن الفطرة السليمة مدح المحسن وذم المسيء بالعقل الحكيم والذوق السليم. بل مَنْ ميز من الصبيان مَدح من أحسن وذم من أساء.
– قال الشيخ ابن عاشور: (الفطرة في كل أحوال الإنسان؛ والفطرة: ما فُطِر– أي خُلق – عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي جسدًا وعقلاً. فسَيْرُ الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلافُ الفطرة. وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية، ومحاولة عمله برجليه خلافُ الفطرة. واستنتاج المسبَّبات من أسبابها والنتائجِ من مقدماتها فطرةٌ عقلية. ومحاولةُ استنتاج الشيء من غير سببه – المسمى في علم الجدل بفساد الوضع – خلافُ الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السفسطائية ثبوتَها خلافُ الفطرة العقلية)[7].
خاتمة:
يشكل انحراف الفطرة خطر كبير على الفرد والأمة والمجتمع الانساني ومن هذا الانحراف تنطلق المفاسد في الأرض وتمتد الفتن ونثور الأهواء والشهوات والمصالح المتصارعة وتنافس الدنيا تحت جميع الشعارات المحببة إلى النفوس المزخرفة للفتنة من سلام ووطنية وقومية ودين وغيرها.
والحمد لله رب العالمين.
[1]– ابن منظور؛ لسان العرب. (الناشر: دار صادر – بيروت. الطبعة: الثالثة، عام 1414هـ).
مادة: ف ط ر.
[2] – محمد الطاهر بن عاشور؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الصفحة: 42-43.
[3] – ابن قيم الجوزية؛ أحكام أهل الذمة. تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وشاكر بن توفيق العاروري. (الناشر: رمادي للنشر –الدمام. الطبعة الأولى: 1417هـ -1997م). ج:2 /ص: 1069.
[4] – ابن عبر البر؛ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري. (الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية –المغرب. طبعة: 1387هـ). ج:18 / ص: 72.
[5] – ابن تيمية؛ الرد على المنطقيين. الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان. الصفحة: 423.
[6] – ابن تيمية؛ الرد على المنطقيين. الصفحة: 424. (مرجع سابق).
[7]– محمد الطاهر بن عاشور؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. (دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع). الصفحة: 36.