المواطنة في الفكر الغربي
بقلم: حميد نعيمي
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:
الجذور التاريخية للمواطنة
المطلب الأول: المواطنة في أثينا
اكتشف اليونان السياسة بمعنى الميدان المستقل عن الحياة الاجتماعية، واعتبروا أن جماعة المواطنين la communauté des citoyens هي المصدر الوحيد للشرعية وللقرارات السياسية والقضائية، وبالتالي من هذا المنطلق هناك تفريق بين الفضاء العام الذي يشترك فيه كل مواطن، والفضاء الخاص الذي تمارس فيه حرية الأفراد بشرط احترام القانون والآخرين.[1]
إن الحديث عن أثينا هو الحديث عن أول نظام ديموقراطي في تاريخ البشرية، فقد ظهرت (المدينة الدولة) بمعناها الحقيقي مع داراكون وصولون أحد حكام اليونان اللذين عملا على تنظيم الكيان المدني الذي سيؤدي إلى تشكيل الدستور الديموقراطي ويؤسس لنظام حقوقي قوامه حقوق المواطنة.[2]
لقد تفوق فلاسفة اليونان من خلال وضع نموذج فكري سياسي لمفهوم المواطنة له حضور على مستوى الممارسة، فقد نجحوا في تحقيق على قاعدة المواطنة بين الأفراد، وذلك من خلال إقرار حقهم في المشاركة السياسية الفعالة وصولا إلى تداول السلطة وتولي المناصب العامة وهذا ما يقرب مفهوم المواطنة في دولة أثينا إلى المفهوم المعاصر إذ تعتبر مصدرا أساسيا لها.[3]
1 – المواطنة عند أفلاطون
اهتم أفلاطون عبر مؤلفاته الثلاثة: الجمهورية والقوانين والسياسة، بكيفية تكوين المدينة الدولة وإدارتها ومفهوم العدالة، حيث يعتبر جل علماء السياسة أن كتاب الجمهورية هو قمة النضج الفكري الأفلاطوني، بحيث لم تكن الجمهورية تعبر عن شكل من أشكال الحكم بل إنها عبارة عن دستور يظهر ما ستكون عليه سياسة الدولة وفقا لمبدأ العدالة، طبعا بالإضافة إلى مواضيع الفلسفة الرئيسية.[4]
يرى أفلاطون أن المواطنون الصالحون هم الذين يحترمون النظام الاجتماعي والسياسي، ويلتزمون بالقانون ويمارسون الانضباط من تلقاء أنفسهم، يذهب أفلاطون أبعد من ذلك فهو يرى أن هذه الصفات يجب أن تنمو داخل المدارس التي تدار من طرف الدولة، وبالتالي يركز على فكرة التربية على المواطنة من خلال مؤسسات التربية إذ يقول: “ما نفكر به هو التربية بالفضيلة، تدريب ينتج رغبة حريصة في أن يصبح المرء مواطنا كاملا يعرف كيف يحكم وكيف يكون محكوما كما تتطلب العدالة”.[5]
2 – المواطنة عند أرسطو
إن الحديث عن أرسطو هو الحديث مباشرة عن كتابه “السياسة” حيث خالف فيه التوجه الأفلاطوني المرتكز على المثالية، وذلك بالاستناد إلى النظرية السياسية الواقعية ذات الأبعاد الاجتماعية التي لخصها في مقولته “الإنسان بطبعه حيوان سياسي”، أي لا يمكن دراسته إلا في إطار اجتماعي[6]، فيعتبر أرسطو الإنسان المعزول غير القادر على المشاركة في التجمع السياسي لإنه مكتفي ذاتيا ليس جزءا من المدينة الدولة، فبالتالي هو إما وحش أو إله.[7]
يقول أرسطو في كتاب السياسة: “لا يكون المواطن مواطنا بمحل الإقامة وحده…ولا بالادعاء أمام القضاء…لأن الإقامة والادعاء القضائي متاحة لغير المواطنين، إن السمة المميزة للمواطن الحق على الوجه الأتم هي التمتع بوظائف القاضي والحاكم…فالمواطن كما حددناه هو على الخصوص مواطن الديموقراطية”.[8]
وبالتالي المواطن عند أرسطو يعرف من خلال مشاركته في الوظائف القضائية والوظائف العامة الأخرى، ولا سيما تلك التي يمكن أن يشغلها دون تحديد المدة مثل الانتماء إلى جمعية الشعب السلطة العليا في الدولة، وبالتالي ينطبق هذا التعريف على المواطن في النظام الديموقراطي.[9]
كما لا يخفي أرسطو فكرة التربية على المواطنة من خلال الإشارة إلى التربية المدنية حيث يقول: “إن مواطني دولتنا يجب أن يكونوا قادرين على أن يعيشوا حياة العمل والحرب…والصحيح أن يكونوا قادرين على القيام بأعمال صالحة، هذه هي الأهداف العامة التي ينبغي اتباعها في تربية النشء منذ الطفولة”.[10]
المطلب الثاني: المواطنة عند الرومان
بعد الخبرة اليونانية نشأت الخبرة الرومانية في المواطنة، لقد تجاوزت في نطاقها الجغرافي حدود المدينة (روما)، فأعطى قانون جوليا Lex Julia سنة 90 ق.م، المواطنة لمئات الآلاف عبر إيطاليا أي خارج مدينة روما، ثم أدخل يوليوس قيصر حالة المواطنة إلى شمال إيطاليا، وباتت تقوم على الواجبات والحقوق.[11]
لقد ناضل عامة الشعب في روما وانتفضوا ضد حكم النبلاء الذين كانوا يحتكرون صفة المواطنة، ما أكسبهم هذه الصفة بعد كفاح كبير، وبالتالي أصبحت هذه الصفة متاحة للجميع، فالمهم أن يكون الفرد رجال حرا فقط حتى يكون مواطنا، ولعل أهم ما ميز المواطنة في الحضارة الرومانية هو مسألة الازدواجية عل إعتبار أن الامبراطورية تمتد إلى مناطق أوسع من روما، وهو ما فتح المجال أمام جدال من نوع آخر يدور حول حق الرعايا والأفراد داخل الامبراطورية وخارج روما المدينة في إكتساب حق المواطنة، وهو ما حدث بعد ذلك من خلال إنتقال صفة المواطنة إلى ما وراء روما في الأقاليم التي تخضع لحكم الإمبراطورية.[12]
وكان الرعايا الرومان يتمتعون بالمواطنة في كل محمياتها، امتدت الإمبراطورية على مساحة شاسعة جدا وبالتالي كانت في حاجة ملحة إلى الولاء، فكان هذا محفزا وعاملا محركا لتعميم حقوق المواطنة، فأعلن الإمبراطور الروماني كركلا Caracallus أن كل رجل حر في الإمبراطورية هو مواطن، وعلى هذا الأساس لم تعد المواطنة تقتصر على فئة أو طبقة معينة بل أصبحت معيارا للتمييز بين أحرار روما والغرباء.[13]
لم تمد روما العالم بنظرية سياسية متكاملة بل أعطته المادة الكافية لنظرية سياسية، فأرست قواعد نظام قانوني يعتبر المرتكز الأساسي الذي تقوم عليه كثير من النظم القانونية في العالم الحديث ونذكر بالخصوص القانون الوضعي الذي عمل على الفصل بين السياسة والأخلاق، وأدى ذلك إلى تطور فكرة الشخصية القانونية للدولة.[14]
وقد ذهب شيشرون Cicero إلى اعتبار الدولة جماعة معنوية وليست مجرد مجموعة أفراد مجتمعين بل هم مرتبطون قانونيا من خلال توافق آرائهم، ورغبتهم في المشاركة في حياة جماعية، ويجعل هذا التصور من الدولة شبيهة بالمؤسسة المساهمة التي تكون عضويتها حقا عاما ومشتركا بين مواطنيها.[15]
استند الرومان إلى جانب طاعة القانون لا لعدالته وتماشيه مع مبادئ الأخلاق، واتفاقه مع التعاليم الدينية، لكن لأنه أمر نابع من السلطة السياسية العليا التي تعتبر بمثابة إرادة الكيان السياسي في الدولة، يدل هذا على تحول في مفهوم الإنسان من حيوان سياسي لدى اليونان إلى حيوان قانوني لدى الرومان باعتباره مواطنا له علاقة قانونية بالدولة.[16]
ولعل أغلى امتياز تمتع به المواطن الروماني هو حماية القانون الروماني لشخصه وملكيته وحقوقه وأمنه على نفسه من التعذيب أو العنف أثناء المحاكمة، فكان القانون يحمي المواطن في الدولة.[17]
[1] )la citoyenneté en question(,Monique Castillo, Edition Ellipses:2002, p7.
[2] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ط2010، اتحاد الكتاب العرب: دمشق، ص53.
[3] (المواطنة والديموقراطية في الدول العربية)، علي خليفة الكواري، ص16.
[4] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص22.
[5] المرجع نفسه، ص32.
[6] (التفكير الاجتماعي)، أحمد الخشاب، دار النهضة: بيروت، ص132.
[7] (تاريخ موجز للمواطنية)، ديريك هيتر، ترجمة: اصف ناصر ومكرم خليل، ط2007، دار الساقي: بيروت، ص35.
[8] (السياسة)، أرسطو، ترجمة أحمد لطفي السيد، الدار القومية للطباعة والنشر، ص183.
[9] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص29.
[10] (تاريخ موجز للمواطنية)، ديريك هيتر، ص37.
[11] نفسه، ص59.
[12] نفسه، ص 50-51.
[13] (مفهوم المواطنة في الدولة الديموقراطية المعاصرة)، منير مباركية، ط2013، مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت، ص84.
[14] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص68.
[15] (الفلسفة السياسية)، علي عبود المحمداوي، ط2017، منشورات الاختلاف ومنشورات الضفاف: بيروت، ص77.
[16] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص69.
[17] نفسه، ص72.