قصص للأطفال من وحي الخصال
قصة اليوم: الصاحب ساحب
للكاتب: عبد الصمد فناني
مدخل السلسلة
هي مجموعة تربوية أدبية، نعتزم نشرها تباعًا، تقدّم للأطفال الخصال العشر الكبرى للإيمان كما رتّبها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في “المنهاج النبوي”. وهي قصص قصيرة، مشوّقة، قريبة من عقل الطفل وقلبه، تجمع بين الإبداع والإمتاع، وتغرس في النفوس معاني: الصحبة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد.
المجموعة القصصية من إبداع الأستاذ القاص عبد الصمد فناني، الذي صاغ هذه الحكايات بلغة سلسة وأحداث ممتعة، ليجعل القيم الإيمانية الكبرى حاضرة في وجدان الناشئة، يتلقّونها عبر الحكاية، فتترسخ معانيها في قلوبهم وتنعكس في سلوكهم، لتكون وسيلة تربوية ذكية تجمع بين التربية والخيال، والمعنى والمتعة، وتسهم في تعزيز القيم الأخلاقية والإيمانية في المجتمع.
ملخص القصة
لقمان تلميذ حسن الخصال، محبوب بين زملائه، لكن صحبته لأيمن المشاغب أفسدت سلوكه ودراسته. وعندما لاحظ والده التغير، ذكّره بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الجليس الصالح والجليس السوء، وأراه الفرق بين بائع المسك والحداد. عندها أدرك لقمان أن الصاحب ساحب، فقطع صحبته السيئة ليعود إلى طريق النجاح.
القيمة التربوية
تُظهر قصة “الصاحب ساحب” أن الصحبة هي المدخل التربوي الأول، فهي التي تحفظ المؤمن من الانحراف وتعينه على ذكر الله تعالى والعمل الصالح. فالصاحب الصالح يؤثر في صاحبه تأثيرًا إيجابيًا، يتسرّب إلى قلبه فيتشرب منه الفضائل ويقتدي به في السلوك، بينما الصاحب السيئ يترك أثرًا سلبيًا يضعف القيم ويشوّه الاختيارات.
قصة “الصاحب ساحب”
كان لقمان تلميذًا حسن الخصال، يؤدي فروضه بإتقان، ويتعامل بأدب مع الجميع، ويجتهد في دراسته بمحبة وإخلاص. عرفه أهل الحي بسمته الطيب وخلقه الجميل، فكان قدوة بين أقرانه.

بعد أن اجتاز المرحلة الابتدائية بتفوق، التحق بسلك الإعدادي، وهناك تعرف على زملاء جدد قادمين من مؤسسات مختلفة وأحياء مجاورة.
عندما شرع التلاميذ في الدراسة، وخلال مرحلة اكتساب الموارد في جميع المواد، أظهر لقمان قدرة فائقة في الإعداد والاستيعاب والمشاركة، وأثبت حضورًا مشرفًا داخل الفصل بشهادة أصدقائه وأساتذته.
أصبح لقمان محط إعجاب وسط أقرانه، حيث توجهت له الأنظار وتواترت الأقوال لانضباطه واجتهاده، فكان زملاؤه لا يفترون عن التقرب منه، لأنه لا يبخل عليهم بالمساعدة والتوجيه.
مرت المرحلة الأولى من النصف الأول من السنة، وحصل لقمان على نتائج مشرفة جعلته ينال رضى والديه وطاقم المؤسسة الإداري والتربوي، وتوج بجائزة تشجيع وتقدير من طرف جمعية أولياء التلاميذ.
بعد أن أمضى أسبوعًا من الراحة والاستجمام، عاد بنفس جديد إلى صفوف الدراسة، وكان كله أمل في اجتهاد أكبر ونجاح أعظم في النصف الثاني.
عند بداية المرحلة الثانية من السنة الدراسية، تعرف لقمان في طريقه على تلميذ يسكن في حيهم يدعى أيمن، وكان مشاغبًا في محيطه ومتعثّرًا في دراسته، فأصبح يتردد بشكل متكرر على منزل لقمان، وكان هذا الأخير لا يرد دعوته للعب في الشارع طيلة وقت الفراغ.
بعد مدة يسيرة، لاحظ أبو لقمان تغيرًا سلبيًا على سلوك ابنه ودراسته، فقرر تتبع فلذة كبده عن كثب، فاكتشف أن ما لحق ابنه من تراجع خلقي ودراسي إنما هو نتيجة صحبته لأيمن.
في اليوم الموالي قرر الأب نصح ابنه قائلاً: يا بني، إن الصاحب ساحب، فانظر من تصاحب. ثم ذكره بحديث شريف قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة»
لكن الابن لم يستوعب أن علاقته بزميله أيمن هي التي أفسدت أخلاقه وأضعفت دراسته.
فكر الأب في إيجاد طريقة لإقناع ابنه بالعدول عن رأيه تجاه زميله، فخطرت بباله فكرة حكيمة، حيث دعا ابنه لمصاحبته إلى السوق للتبضع، وأخبره أنه سيزور صديقين قديمين اشتاق لرؤيتهما.
فالتحقا بمحل الصديق الأول، وكان بائعًا للمسك، فسلما عليه، واستقبلهم بحفاوة.
أعجب لقمان برائحة المسك العطرة الفواحة التي ملأت المكان، فشدته واضطر لشرائها.
مباشرة بعد ذلك توجه الأب بصحبة ابنه إلى صديقه الحداد، فسلما عليه وتبادلا أطراف الحديث، وكان منشغلًا في عمله يتصبب عرقًا جراء حرارة النار الموقدة بجانبه.
وفجأة أحس لقمان بالغثيان بسبب ما اشتمه من رائحة خانقة، فهرع إلى خارج الدكان يتنفس الصعداء.
في المساء، وأثناء جلسة صفاء، ذكر لقمان لأسرته ما وقع له أثناء زيارته لبائع المسك والحداد، فاغتنم الأب الفرصة، وأوضح لابنه أن الغرض من الزيارة كان تقريب الصورة للذهن حتى يدرك المغزى من تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم لنوعين من الناس:
الجليس الصالح، الذي يدل على الله وما فيه رضاه ويعين على الطاعة، فمثله كبائع المسك: إما أن يعطيك، أو تشتري منه، أو تجد منه ريحًا طيبة.
والجليس السوء، الذي يصد عن سبيل الله ويعين على فعل المعاصي، فمثله كالحداد الذي ينفخ ناره: إما أن يحرق ثيابك بشرره المتطاير، أو تجد من قربه رائحة خبيثة.
عندها أدرك لقمان أن الصاحب ساحب، وأن أيمن كان يسحبه إلى ما يضرّه، فتأثر واعتذر لوالديه، وقرر أن يقطع تلك الصحبة السيئة ليعود إلى طريق النجاح والرضا.