قصص للأطفال من وحي الخصال؛ قصة اليوم: الشجرة الكريمة
عبد الصمد فناني
قصص للأطفال من وحي الخصال
قصة اليوم: الشجرة الكريمة
بقلم: عبد الصمد فناني
الملخص
القصة تحكي عن جود، الفتاة الكريمة التي كبرت مع شجرتها الوفية، متأثرة بتربية والدها الذي غرس فيها حب العطاء. وحين واجهت مشكلة صعبة في بيتها، ألهمتها الشجرة حلاً عجيبًا أعاد الأمل إلى أسرتها، وأثبت أن الخير لا يضيع أبدًا، وأن البذل يثمر محبة وتعاونًا دائمًا.
القيمة التربوية
القصة تُبرز أن البذل خصلة عظيمة، فهو الذي يفتح أبواب التعاون ويزرع المحبة بين الناس. من يعطي بإخلاص يجد أن عطاءه يعود إليه مضاعفًا، وأن التضحية والوفاء تصنع روابط قوية في المجتمع، وتعلّم الطفل أن الخير إذا غُرس في القلوب أثمر بركة ونجاحًا لا ينقطع.
قصة: الشجرة الكريمة
كانت جود فتاة مميزة، جميلة الخِلقة، جميلة الخُلق، مجدة في دراستها، لا تبخل على صديقاتها، كما لا تبخل على الفقراء والمحتاجين بالمساعدة، شأنها شأن والديها الكريمين، معدن السخاء والكرم.
فكان بيتهم لا يخلو من الأيتام والأرامل والمعوزين، ممن يحتاجون مدّ يد العون.
وفي صباحٍ مشرق، أراد والدها الحاج محسن أن يغرس في قلبها درسًا يبقى معها العمر كله، فأهداها شتلة صغيرة من شجرة التين، وقال لها وهو يبتسم: “يا جود، هذه شجرة مباركة، مدحها الله تعالى في القرآن. اعتني بها حتى تكبر، نرتاح في ظلها، ونشم رائحتها الطيبة، وتفيض علينا بثمارها وخيرها”.
امتثلت جود لأمر والدها، فأخذت الشتلة وزرعتها في حديقة المنزل، وكانت دائمًا تتعهدها بالعناية والاهتمام، وتتفقدها كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة، فتداعبها وتسقيها وتزيل ما حولها من الشوائب، وتقدم لها الدواء إن دبّ إلى أوراقها داء، وكأنها تحاكي معاملة والديها تجاهها.

فكانت تعاملها بحب وحنان، كما تعامل الأم طفلها الصغير، وكانت تحس أن الشجرة تبادلها نفس الشعور، فلا تبخل عليها بثمارها وظلها، وتتسلق أغصانها لتطلّ على الحياة من الأعلى.
وبعد مرور سنوات، أصبحت الشجرة ضخمة الأغصان، وارفة الظلال، كثيرة الثمار، كما صارت الصغيرة شابة في مقتبل العمر منشغلة بنفسها، مثقلة بأعباء الدراسة، فأصبحت قلّما تزور شجرتها العزيزة وتهتم بها، وكأنما قطعت الصلة بينهما.
ومرت الأيام، وتعرض أبو جود الحاج محسن لوعكة صحية خطيرة ألزمته الفراش مدة طويلة، فأصبحت الأسرة تعاني من الفاقة نتيجة توقفه عن العمل، وكثرة المصاريف، وغلاء الدواء.

وذات يوم عادت جود من مدرستها شاحبة الوجه، مثقلة بالهموم، فاتجهت مسرعة إلى حديقة البيت، إذ لم تحتمل رؤية والدها يتألم بلا دواء. جلست تحت شجرتها، وأخذت تفكر بهدوء وروية عن طريقة للحصول على المال لشراء الدواء لأبيها المريض.
أبصرت الشجرة صديقتها جود وأحست بحالها.
الشجرة: ما لي أراك مهمومة يا عزيزتي؟
جود (كئيبة): إن أبي مريض يحتاج الدواء، ونحن نفتقر إلى النقود.
الشجرة : أود مساعدتك يا جود، لكن ليس عندي نقود.
عمّ السكون الأجواء، وأخذتا تفكران في حل، حتى صاحت الشجرة فجأة: وجدتها! وجدتها!
تعجبت جود وقالت: ماذا وجدت؟
أجابت الشجرة فرحة: لدي فكرة أسأل، الله تعالى أن تكون حلاّ.
استبشرت جود بعد حزن و كآبة، وقالت بلهفة: هيا أخبريني بسرعة أيتها الشجرة الوفية.
قالت الشجرة: حسنا، سأمنحك كل ثماري، لتوزيعها على الأصدقاء والجيران. وأرفقي مع كل سلة بطاقة صغيرة تطلبين فيها الدعاء لوالدك بالشفاء، فإن الله قريب مجيب.
أضاء وجه جود فرحًا، وقالت: ما أروعك أيتها الشجرة الوفية، هكذا يكون الصديق في الشدة والضيق.
وبالفعل، وزعت جود ثمار التين على الأصدقاء والجيران، وأرفقت معها بطاقات كتبت فيها:
“هدية من جود ابنة الحاج محسن، الحاج يسألكم الدعاء له بالشفاء.”
تأثر الجميع بالرسالة، ـ وتذكروا الحاج محسن، ومساعدته للجيران، وتواصلوا فيما بينهم، وقرروا أن يجمعوا مبلغًا معتبرًا يكفي جود في علاج والدها المريض. وبعد أيام قليلة، جاءوا في زيارة مفاجئة إلى بيتها، يحملون معهم ظرفا ماليا كتب عليه: شكرا للحاج محسن وابته جود.
غمرت الفرحة بيت جود، وشكرت أصدقاءها وجيرانها بحرارة، وقادتهم إلى الشجرة الوفية قائلة:
الشكر لصديقتي التي ألهمتني هذه الفكرة، وكانت السبب في هذا اللقاء الجميل. وهي مثلكم تماما ما نسيت المحبة التي تربط بيننا، رغم انشغالي عنها. اقتربوا جميعًا من الشجرة، ووضعوا أيديهم عليها، شاكرين الله تعالى على نعمة الأصدقاء، والمحبة والوفاء.
هكذا اجتمع الناس على الخير كما تجتمع الأغصان في شجرة واحدة. وهكذا تعلمت جود ما كان يريد الحاج محسن، وهو أن الخير إذا زرع في القلوب أثمر محبة وتعاونًا، وأن الوفاء ورد الجميل، معنى أصيل، حتى في الطبيعة والكائنات من حولنا.