سبل الخيرية (1) ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه))
” اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا و جلاء أحزاننا”
د. ابرهيم بومسهول
شاءت حكمة الله سبحانه أن يخلق الناس متباينين من حيث الاستعدادات و القدرات، و في ذلك تنوع و تكامل. و من عدله أن جعل أبواب الخير و نيل الثواب متنوعة و متعددة، فاتحا سبحانه المجال أمام عباده لبلوغ أرقى مراتب الإحسان. عسانا ننافس الصحابة رضوان الله عليهم كما قال التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني: “أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا؟ كلا، والله لنزاحمنّهم عليه زحاماً حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً”[1].
فهيا بنا أخوة الإيمان ندخل في تلك القافلة حتى نجاور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ونزاحم أصحابه عليه، واضعين نصب أعيننا قوله عز و جل: “وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ”. ( المطففين: 26 ).
نروم من خلال هذه السلسة، توضيح بعض هذه السبل، من خلال جملة من الأحاديث النبوية المبشرة بالخيرية لعباد الله.
في فضل القرآن.
أخرج البخاري من حديث حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” خيركم من تعلم القرآن وعلمه”قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج قال وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا.
وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم “إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه”.
ولا يخفى على أي مسلم، المكانة العظيمة التي يتبوؤها القرآن الكريم، فهو كتاب الله -سبحانه وتعالى- ومعجزته الباقية حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو الذكر الحكيم و النور المبين ومصدر التشريع الأوّل في الإسلام. أنزله الله تعالى على نبيه و مصطفاه سيدنا محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- رحمة للعالمين. وهو كلام الله الذي نقله الوحي جبريل لرسول الله ونقله الصحابة عن رسول الله والتابعون ومن بعدهم بالتواتر، وبه تحدَّى الله المشركين أن يأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: ” وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” ( البقرة 23).
لقد خص الله تعالى عباده الذين يتعلَّمون كتابهُ بفضل كبير وثواب عظيم، وجعل لمن يعلِّم الناس القرآن أجرًا أعظم وأكبر، فنسبهم إلى ذاته الكريمة سبحانه فجعلهم أهله و خاصته. روى ابن ماجة وأحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ:هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ “.
بل جعل سبحانه القرآن شفيعا لصاحبه و معيار نيل المراتب في الجنة. فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ “يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا”. و عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ”. و روى الترمذي وأبو داود واللفظ له، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ، كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا”.
أولياء الله و القرآن.
قال أبو الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون المقرئ: أخبرنا أبو بكر محمد بن نصر السامري، قال: حدثنا سليمان بن جبلة، قال: حدثنا إدريس بن عبد الكريم الحداد، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار قال: قال لي سليم بن عيسى: دخلت على حمزة بن حبيب الزيات [2] فوجدته يمرغ خديه في الأرض و يبكى، فقلت: أعيذك بالله.
فقال: يا هذا استعذت في ماذا؟ فقال: رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت، و قد دعي بقراء القرآن، فكنت فيمن حضر، فسمعت قائلا يقول بكلام عذب: لا يدخل علي إلا من عمل بالقرآن. فرجعت القهقرى، فهتف باسمي: أين حمزة بن حبيب الزيات؟ فقلت: لبيك داعي الله لبيك. فبدرني ملك فقال: قل: لبيك اللهم لبيك.
فقلت كما قال لي، فأدخلني دارا، فسمعت فيها ضجيج القرآن فوقفت أرعد، فسمعت قائلا يقول: لا بأس عليك، ارق و اقرأ. فأدرت وجهي فإذا أنا بمنبر من در أبيض دفتاه من ياقوت أصفر مراقته زبرجرد أخضر، فقيل لي: ارق و اقرأ. فرقيت، فقيل لي اقرأ سورة الأنعام. فقرأت و أنا لا أدرى على من أقرأ حتى بلغت الستين آية فلما بلغت } و هو القاهر فوق عباده{ قال لي: يا حمزة ألست القاهر فوق عبادي؟ قال: فقلت: بلى. قال: صدقت، اقرأ. فقرأت حتى تممتها، ثم قال لي: اقرأ. فقرأت ” الأعراف ” حتى بلغت آخرها، فأومأت بالسجود فقال لي: حسبك ما مضى لا تسجد يا حمزة من أقرأك هذه القراءة؟ فقلت: سليمان[3]. قال: صدقت، من أقرأ سليمان؟ قلت: يحيى [4]. قال: صدق يحيى، على من قرأ يحيى؟ فقلت: على أبى عبد الرحمن السلمي. فقال: صدق أبو عبد الرحمن السلمي، من أقرأ أبا عبد الرحمن السلمي؟ فقلت: ابن عم نبيك على بن أبى طالب. قال: صدق على، من أقرأ عليا؟ قال: قلت: نبيك صلى الله عليه و سلم. قال: و من أقرأ نبيي؟ قال: قلت: جبريل. قال: و من أقرأ جبريل قال: فسكت، فقال لى: يا حمزة، قل أنت. قال: قلت: ما أجسر أن أقول أنت قال: قل أنت. فقلت: أنت.
قال: صدقت يا حمزة، و حق القرآن لأكرمن أهل القرآن سيما إذا عملوا بالقرآن، يا حمزة القرآن كلامي، و ما أحببت أحدا كحبي لأهل القرآن، ادن يا حمزة. فدنوت فغمر يده في الغالية[5] ثم ضمخني بها، و قال: ” ليس أفعل بك وحدك، قد فعلت ذلك بنظرائك من فوقك، و من دونك، و من أقرأ القرآن كما أقرأته لم يرد به غيري، و ما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر، فأعلم أصحابك بمكاني من حبي لأهل القرآن، و فعلى بهم، فهم المصطفون الأخيار، يا حمزة و عزتي و جلالي لا أعذب لسانا تلا القرآن بالنار، و لا قلبا وعاه، و لا أذنا سمعته، و لا عينا نظرته. فقلت
سبحانك سبحانك أي رب ! فقال: يا حمزة: أين نظار المصاحف؟ فقلت: يا رب حفاظهم. قال: لا، و لكنى أحفظه لهم حتى يوم القيامة، فإذا أتوني رفعت لهم بكل آية درجة “.
أفتلومني أن أبكى، و أتمرغ في التراب[6].
أشعار في القرآن
تغنى الأقدمون والمحدثون بالقرآن الكريم، تيمنا ببركاته وحثا للعباد على التعبد به. قال الإمام الشاطبي رحمه الله في حرز الأماني:
وَبَعْدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ *** فَجَاهِدْ بِهِ حِبْلَ الْعِدَا مُتَحَبِّلاَ
وَأَخْلِقْ بهِ إذْ لَيْسَ يَخْلُقُ جِدَّةً *** جَدِيدًا مُوَاليهِ عَلَى الْجِدِّ مُقْبِلاَ
وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ ***وَأَغْنى غَنَاءٍ وَاهِبًا مُتَفَضِّلاَ
وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ *** وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً
وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ*** مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً
هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزّ يجتُلَى
هَنِيئًا مَرِيئًا وَالِدَاكَ عَلَيْهِما ***مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ
و قال الإمام أبوعمرو الداني في المنبهة:
و اعلم هديت الرشد والتوفيقا ** و كنت ممن يسلك الطريقا
بأن درس المرء للقرءان ** من أفضل الأعمال للرحمن
لأنه كلامه عز و جل ** سبحانه سبحانه الرب الأجل
بكل حرف منه يعطِى عشرا ** من حسنات قد كتبن ذخرا
طوبى لمن كان له بالليل ** صلاة من شمر فضل الذيل
و أنشد الإمام الحافظ ابن الجزري رحمه الله في طيبته:
وَبَعْدُ:فَالإنْـسَـانُ لَـيْــسَ يَـشْــرُفُ ***إِلاَّ بِـمَــا يَحْـفَـظُـهُ وَيَــعْــرِفُ
لِــذَاكَ كَــانَ حَـامِـلُـو الْـقُــرآنِ ***أَشْـرَافَ الاُمَّــةِ أُولِــي الإحْـسَـانِ
وَإنَّـهُـمْ فِــي الـنَّـاسِ أَهْـــلُ اللهِ *** وَإنَّ رَبَّــنَــا بِــهِــمْ يُـبَـاهِــي
وَقَـالَ فِـي الْقُـرآنِ عَنْـهُـمْ وَكَـفَـى *** بِـأنَّـهُ أوْرَثَــهُ مَـــنِ اصْـطَـفَـى
وَهْـوَ فِـي الاُخْـرَى شَافِـعٌ مُشَـفَّـعُ *** فِـيـهِ وَقَـوْلُــهُ عَـلـيْـهِ يُـسْـمَـعُ
و قال مصطفى الجزار:
أَكْـرِمْ بقـومٍ أَكْرَمُـوا القُرآنـا *** وَهَبُـوا لَـهُ الأرواحَ والأَبْـدَانـا
قومٌ.. قد اختـارَ الإلـهُ قلوبَهُـمْ *** لِتَصِيرَ مِنْ غَرْسِ الهُـدى بُسْتَانـا
زُرِعَتْ حُروفُ النورِ.. بينَ شِفَاهِهِم*** فَتَضَوَّعَتْ مِسْكـاً يَفِيـضُ بَيَانَـا
رَفَعُوا كِتابَ اللهِ فـوقَ رُؤوسِهِـمْ *** لِيَكُونَ نُوراً في الظـلامِ… فَكَانـا
سُبحانَ مَنْ وَهَبَ الأُجورَ لأهْلِهَـا *** وَهَدى القُلُوبَ وَعَلَّـمَ الإنسانـا
و الحمد لله رب العالمين
[1] . محمد الصالح الضاوي، موسوعة حكم و مواعظ الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، دار الكتب العالمية، بيروت، لبنان، ص 395 .
[2] . حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكُوفيُّ يكنى بـ”أبي عِمَارة”، ولد سنة، و لٌقب بـالزيَّات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة. أدرك الصحابة بالسنِّ، ولعلَّه رأى بعضهم. توفي سنة 156 هـ بحلوان وعمره 76
[3] . سليمان بن مهران الأعمش أبو محمد الأسدي الكاهلي تابعي من حفَّاظ الحديث النبوي، ومُحدّث من الثقات، لقَّبه شمس الدين الذهبي بـ “شيخ المُحدّثين”، وأعده أصحاب الطبقات من الطبقة الرابعة من التابعين. وعاش الأعمش في الكوفة، وكان محدثها في زمانه. ولد 680 م و توفي 765 م . سير اعلام النبلاء ج 6 ص 227.
[4] . يحيى بن وثاب . قال أبو نعيم الحافظ: اسم أبيه وثاب بزدويه بن ماهويه، سباه مجاشع بن مسعود السلمي من قاشان، إذ افتتحها، وكان وثاب من أبناء أشرافها، ثم وقع في سهم ابن عباس، فسماه وثابا، وتزوج فولد له يحيى، ثم استأذن ابن عباس في الرجوع إلى قاشان، فأذن له، فدخل هو وابنه يحيى الكوفة، فقال يحيى: يا أبت إني آثرت العلم على المال، فأذن له في المقام . فأقبل على [ ص: 380 ] القرآن، وتلا على أصحاب علي وابن مسعود، حتى صار أقرأ أهل زمانه . فأورث وثاب عقبه، فحازوا رئاسة الدارين ; لأن يحيى فاق نظراءه في القرآن والآثار، وفاق خالد بن وثاب وولداه: أزهر ومخلد، في رئاسة الدنيا والولايات . سير اعلام النبلاء ج 4 ص 380.
[5] . نوع من أنواع الطيب، يستخلص من العنبر .
[6] . جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تهديب الكمال في اسماء الرجال، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1405هـ – 1985 م، بيروت، م 7، ص 318-319 . و ذكرها ابن الجوزي في صفة الصفوة، و ابن شاهين في كتابه الاشارات في علم العبارات .