قبسات من وحي الربيع النبوي
الأستاذ عبد الحفيظ الإدريسي
قبسات من وحي الربيع النبوي
بقلم: الأستاذ عبد الحفيظ الإدريسي
هل هلال ربيع الأول وهلت معه ذكرى من أعظم الذكريات. حيث توالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وعم الهناء.
ولد الهدى فالكائنات ضياء ” وفم الزمان تبسم وثناء
هديه صلى الله عليه وسلم أفاض نوره وعم العالمين. فكان رحمة للخلق أجمعين. ابتداء ببيته وصحبه وانتهاء بأمته حيث رحمته بشرى أخرج الله بها من يشاء إلى صراط مستقيم.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته:
إن الناظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته يجد كيف كان يحسن معاشرة أهله، ويُولِيهم عناية ومحبَّة غامرة ، تجلّت فيها العواطف في أرقى معانيها، والمشاعر في أسمى مظاهرها، فكان يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، ولا يعنِّف ويَجْرَح، روى أنس رضي الله عنه قال: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله” رواه مسلم.
“إلا أن يجاهد في سبيل الله” بمعنى: أنه يضرب أعداء الله -تبارك وتعالى، حينما يُنتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله تعالى”.
بل جعل صلى الله عليه وسلم حسن المعاملة معياراً من معايير الخيرية
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“خيركم خير كم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” رواه الترمذي
لقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم جميل العشرة، دائم البِشر، يداعب أهله، ويضاحك نساءه.
فمن لطيف معاملته صلى الله عليه وسلم لزوجه فيما رواه مسلم. أنه كان يشرب من موضع شربها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:” كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضع فاه على موضع في، فيشرب وأتعرق العرق ، وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في“.
ومِن جميل معاملته وعشرته صلى الله عليه وسلم لأزواجه، أنه كان يعمل في بيته روى الإمام أحمد في مسنده عن عروة عن أبيه، قال“: سأل رجل عائشة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته شيئا، قالت: نعم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.“
يحفظ الود، ويعترف بالجميل “فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما غِرْت على نساء النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – إلاَّ على خديجة، وإني لم أدركْها، قالت: وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا ذَبَحَ الشاة يقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة وكان صلى الله عليه وسلم يقول عنها إنها كانتْ وكانتْ، وكان لي منها ولد“ رواه البخاري.
فمناقبها حاضرة في ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
هديه صلى الله عليه وسلم مع صحبه رضي الله عنهم:
أما مع صحبه فكان صلى الله عليه وسلم ـ يقضي حوائجهم، ويجيب دعوتهم، ويعود مرضاهم، ويدعو لهم ولأبنائهم ، ويشهد جنائزهم.
“عن أنس – رضي الله عنه ـ قال: “كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، فيسلم على صبيانهم، ويمسح برؤوسهم ، ويدعو لهم” أخرجه النسائي
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشارك أصحابه ما يعانونه من فقر وجوع، فإذا حلَّ الجوع بهم يكون قد مر به قبلهم، وإذا أرسل أحد إليه بصدقة، جعلها في الفقراء من أصحابه ، وإن أُهْدِيت إليه هدية أصاب منها وأشركهم فيها ، وكان معهم أجود بالخير من الريح المرسلة ،
يقول أحمد شوقي:
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى *** وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وكان عليه الصلاة متواضعا حيث لا يقبل أن يبالغ أحد في مدحه فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي ـصلى الله عليه وسلم ـ يقول: ” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله ” رواه البخاري..
وهو ما عبر عنه الإمام البوصيري رحمه الله في بردته الشهيرة:
دع ما ادعته النصارى فى نبيهم ” وأحكم بما شئت مدحاً فيه وأحتكم
وانسب الى ذاته ما شئت من شرف ” وانسب الى قدره ما شئت من عظم
فإن قدر رسول الله ليس له حد ” فيعرب عنه ناطق بفم
ومن هديه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه استشارته لهم، فكثيراً ما كان يقول لهم: ” أشيروا عليَّ أيها الناس” . أخرجه الشيخان
كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على من حوله يتفقد أحوالهم ويتتبع أخبارهم يروي قرة بن إياس رضي الله عنه:
“كان النبي الله – صلى الله عليه وسلم – إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة، لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: مالي لا أرى فلانا؟، قالوا: يا رسول الله، بُنَيَّهُ الذي رأيته هلك . فلقيه النبي – صلى الله عليه وسلم – فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك ، فعزاه عليه، ثم قال: يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ ، قال : يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إليَّ، قال: فذاك لك، فقالوا: يا رسول الله أله خاصة أم لكلنا؟، قال : بل لكلكم ” أخرجه النسائي.
وكان – صلى الله عليه وسلم – حريصاً على تعليم أصحابه حينما أساء رجل في صلاته علمه صفتها، وسُمِّي حديثه بحديث المسيء صلاته ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ
” صلوا كما رأيتموني أصلي” رواه البخاري.
وفي حجة الوادع قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ “لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه” رواه مسلم
3 – هديه صلى الله عليه وسلم مع عموم الناس:
ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حسن عشرته ومعاملته للناس، وسَمَتْ أخلاقه سموًّا لا يدانيه فيه أَحد، فكان صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في ذلك.
قال الله تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِير” الأحزاب:21 من تمام هديه في الناس أنه كان ينتصر للمظْلومين والمُسْتَضْعَفِين، وقد قالت له زوجته خديجة رضي الله عنها لما خاف على نفسه في بداية نزول الوحي عليه: “كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لَتَصِلُ الرحِم، وتحمل الكَل، وتكَسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” رواه البخاري.
كما شارك النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول وهو معاهدة وُقِّعت في مكة المكرمة قبل البعثة النبوية، بين عشائر مِنْ قريش، وقد شهِده النبي صلى الله عليه وسلم لِمَا اشتمل عليه مِنْ خير وعدل ونُصرة للمظلومين..
ومن هديه صلى الله غليه وسلم أنه يعامل كل واحد من جلسائه بحسب حاله، فيتبسط مع من يتبسط معه، ويستحي ممن يستحي منه، كما في حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: “أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ
“. وفي رواية قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ، إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ”. (رواه الشيخان)
كما كان النبي كثيراً ما يعطي الهبات للمسلمين الجدد حتى يؤلف قلوبهم للإسلام، فبعد انتهاء غزوة حنين أعطى كل من عينية بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس وغيرهم من المؤلفة قلوبهم عددا كبيرا من الإبل، ، بل استخدمها في تأليف قلوب زعماء مكة والقبائل من الأعراب، فكان ذلك سبباً في رسوخ الإسلام في قلوبهم.
و لهذا قال الأعرابي لقومه لما رأى من بالغ كرم النبي صلى الله عليه وسلم:(يا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لا يَخْشَى الفَاقَةَ)،
هذا غيض من فيض أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم القرآنية. وهي مدعاة إلى مزيد من التعلق به ودعوة العالمين إلى هديه والتمسك بمنهاجه. وما الربيع النبوي إلا مناسبة من ضمن مناسبات لتذكير أنفسنا والناس بعظمة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.