المنهج الجدلي عند ابن العربي من خلال كتاب أحكام القرآن
المنهج الجدلي عند ابن العربي من خلال كتاب أحكام القرآن / لحبيب دراز
المنهج الجدلي عند ابن العربي من خلال كتاب أحكام القرآن
الباحث: لحبيب دراز
مقـدمة
الحمد لله الذي خلق الناس أطيافا وشِيعاً شتَّى، ونَظمهم في سلك التدافع أعمارا وأفكارا، فقدر وهدى، والصلاة والسلام على المبعوث حُجّة وحَكما وهُدى، المبَيِّن طُرُقَ الاستدلال الصحيحة من مزالق الهوى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على النهج وارتوى.
وبعد.
لقد خلق الله الإنسان وأودع فيه جهازا عظيما، هو العقل يستطيع به أن يدرك صور المعارف، ويفهم كثيرا من حقائق الأشياء المادية، والمعنوية، وجعله مسؤولا عن التفكر في الأدلة الموصلة إلى الحقائق، التي تكشف له طريقي الخير والشر في الحياة الدنيا، والحياة الآخرة.
ولذلك اهتمت الشريعة بشأن العقل والتفكر الموصل إلى الفهم الصحيح اهتماما عظيما، وتواردت نصوص الكتاب والسنة على تمجيدهما والحث عليهما، وذمت الذين يعطلون عقولهم عما خلقت من أجله من تفكر سليم، وعقل صحيح، كما ذمت الذين لا يأخذون بوسائل الفهم المتينة وضوابطه الرصينة، والذين يكتفون بالتقليد الأعمى وما أشبهه من حجج واهيات، ويستمسكون بالباطل ويصرون عليه، حتى ولو قدمت لهم الحجج القاطعة والبراهين الساطعة لقاوموها ودافعوا عنها بالباطل.
ولقد حفل القرآن بالآيات القرآنية التي تدعوا إلى تقرير الحق، وإبطال الباطل، وذكر الميزان الذي توزن به الدعاوى والبينات، والأمر بإعمال العقل والتدبر، والنظر، ومن المقابلة بين الحق والباطل كما دلت على ذلك كثير من الآيات كقوله تعالى:”ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”[1].
ولما كان القرآن فيه دعوة صريحة للجدل والمناظرة، لم تخل السنة بأنواعها الثلاثة (الفعلية، والقولية، والتقريرية) من الدعوة إلى الجدل والمناظرة، وتوضيح وجه الحق من الباطل كما دل على ذلك قوله ﷺ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ»[2] والمجاهدة فيها دعوة صريحة إلى استعمال الخطاب بالحجة والبرهان، كما وردت عن النبي ﷺ أحاديث ومناسبات جادل فيها النبي ﷺ بعض المشركين واليهود، كما جادله الصحابة وأقرهم على ذلك كما حدث في صلح الحديبية عندما جادله عمر رضي الله عنه في شأن منع المشركين للرسول ﷺ وأصحابه من دخول مكة[3].
بالإضافة إلى ما سبق انعقد الإجماع على مشروعية الجدل والمناظرة، وما زال العلماء يتناظرون في المسائل تبيانا للحق، وإظهارا للحقائق للسائل.
ومع اتساع رقعة البلاد الإسلامية، وكثرة المذاهب الإسلامية، وتعدد العلوم الإسلامية، بظهور أصول الفقه، وعلم الكلام، والمنطق، اتسعت رقعة الخلاف حول النصوص الشرعية، وأدى ذلك إلى تعدد وتباين في الفهوم والإدراك؛ وتعددت القراءات للنص الواحد نظرا لتعدد المصادر، فالبعض يبحث عن دلالة النص من جنس لفظه، والبعض يبحث عن دلالته من من مصادر خارجية، فنشأ ما يسمى بعلم الخلاف في الفقه، ثم تطور إلى جدل فقهي بين الفقهاء يقوم على الاعتراض على دليل الخصم، وعدم التسليم له بالدليل.
وقد تسابق الأصوليون في التأليف في علم الجدل، وأكثروا الحديث عنه، وخصصوا له مباحث في أصول الفقه، كما أن بعض الفقهاء وظفوه في كتبهم الفقهية والأصولية، وبضعهم خصه بالتأليف كما هو الشأن بالنسبة لهذه الكتب:
ـ المعونة في الجدل للشيرازي.
ـ الكافية في الجدل للجويني.
ـ كتاب الجدل على طريقة الفقهاء لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي.
ـ علم الجذل في علم الجدل. لنجم الدين الطوفي الحنبلي.
والبحث الذي بين أيدينا هو محاولة بسيطة ومتواضعة من أجل إبراز الجانب الجدلي الفقهي عند القاضي أبي بكر بن العربي من خلال ردوداته الفقهية، وهو أحد أعلام المذهب المالكي الذي بلغ رتبة الاجتهاد فاجتهد ودعا إليه، وذم التقليد والاتباع وكسر قيود المختصرات والشروح، فاستقصى الأدلة، وحرر مواطن الخلاف، ورد الشاذ من الأقوال.
المبحث الأوّل: في مفهوم الجدل وأنواعه
لدراسة مسألة ما فقهية كانت أو أصولية، أو لغوية، في كتاب ما لا بد من الوقوف على منهج صاحبه في التأليف وطريقة عرضه للمسائل؛ وهذا ما سنحاول الوقوف عليه إن شاء الله من خلال المباحث الآتية:
المطلب الأول: مفهوم الجدل وأنواعه.
في هذا المبحث سأتعرض لمعنى كلمة الجدل لغة، واصطلاحا وأنواع الجدل، وعلاقة المعنى الاصطلاحي بالفقه، كما أنني تجاوزت التعرض لكلمة الفقه لأنه معلوم ولا حاجة لذكره هنا ولا هو جوهر البحث. وإنما غرضي هو إبراز الجانب التطبيقي في الاستدلال والرد عند ابن العربي، وليس تعريف كلمة الجدل والفقه.
- في مفهوم الجدل
الجدل لغة.
إن كلمة الجدل لها معان متعددة، وأضرب مختلفـة، يقول عنها ابن فارس:
“الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام”[4].
وعند تتبعي لكلمة الجدل وجدتها تطلق ويراد بها مايلي:
1ـ الصرع والغلبة: وكلمة الجدل بفتح الدال المفاوضة، والمغالبة، والجدل الصرع، وجدَله جدَلا وجدلُه، فانجدل، وتجدل: صرعه على الجدالة، وهو مجدول وقد جدلته جدالا، وأكثر ما يقال: جدلته تجديلا[5].
2ـ الشدة والقوة والفتل: وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلًا إِذا شَدَدْتَ فَتْله وفَتَلْتَه فَتْلًا مُحْكَماً؛…. وَغُلَامٌ جَادِل: مُشْتَدّ… وجَدَلَ وَلَدُ النَّاقَةِ وَالظَّبْيَةِ يَجْدُلُ جُدُولًا: قَوِي وتَبِع أُمه .. وجَدَل الْغُلَامُ يَجْدُل جُدُولًا واجْتَدَلَ كَذَلِكَ. والأَجْدَل: الصَّقْر، صِفَةٌ غَالِبَةٌ، وأَصله مِنَ الجَدْل الَّذِي هُوَ الشِّدَّة[6].
3ـ الإحكام والإتقان والحسن: تقول جدل الحبل أي أحكم فتله وأتقنه، وجارية مجدولة الخلق، أي حسنته[7].
4ـ الخصومة والمناقشة والمحاجة: والاسم الجدل، وهو شدة الخصومة[8].
والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة[9].
5ـ المراء: والمراء الجدال والمخاصمة، والمماراة المجادلة، وقيل: المراء مخاصمة في الحق بعد ظهوره، وليس كذلك الجدال[10].
واعتمادا على ماسبق فإننا نجد هذه المعاني حاضرة، في المعاني الاصطلاحية، يقول أحد الباحثين المعاصرين:” فمن العلماء من غلب معاني الصرع والغلبة والشدة والقوة في وضع الحد لتعريف الجدل، ومنهم من غلب معاني الإتقان والإحكام، والحسن، وآخرون غلبوا معاني الخصومة”[11].
- الجدل اصطلاحا.
لقد ذكر علماء الجدل في تعريفهم لهذا المصطلح معان متعددة يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
عرفه الشريف الجرحاني بقوله:
الجدل عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها[12].
وعرفه أبو البقاء الكفوي بأنه:
عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره[13].
وعرفه أبو زكرياء يحي الأنصاري بقوله:
الجدل دفع العبد خصمه عن إفساد قوله بحجة، قاصدا به تصحيح كلامه[14].
وعرفه ابن عقيل:
الفتل للخصم عن مذهب إلى مذهب بطريق الحجة، ولا يخلو الفتل للخصم عن مذهبه، بحجة أو شبهة، أو شغب.[15]
وعرفه أبو المعالي الجويني:
إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة[16].
وعرفه أبو الوليد الباجي:
تردد الكلام بين اثنين قصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه.[17].
وعرفه ابن حزم الظاهري بقوله:
إخبار كل واحد من المختلفين بحجته، أو بما يقدر أنها حجته، وقد يكون كلاهما مبطلاـ وقد يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا؛ إما في لفظه، وإما في مراده، أو في كليهما، ولا سبيل أن يكون محقين في ألفاظهما ومعانيهما[18]..
وعرفه ابن خلدون بقوله:
معرفة بالقواعد من الحدود والأدب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي، أو هدمه، كان ذلك الرأي في الفقه، أو غيره[19].
- مناقشة التعاريف:
من خلال التعاريف السابقة يظهر لنا أن العلماء تباينوا في تعريف الجدل، ليس فقط فيما يتعلق بالألفاظ، وإنما كان الاختلاف والتباين جوهريا، أي شمل اللفظ والمعنى، فبعضهم ربط علم الجدل بعلم الكلام والمنطق؛ وبعضهم ربطه بأصول الفقه، وبعضهم حصره في الخلاف بين المذاهب، وبعضهم أطلق ولم يعين؛ فربطه بجميع العلوم.
وعليه فإننا نستنتج ما يلي:
ـ تأثير المعنى اللغوي في المعنى الاصطلاحي.
ـ اختلاف المعنى الاصطلاحي للجدل باختلاف العلوم.
ـ الاختلاف في تعريف الجدل كان جوهريا وليس في اللفظ أو الشكل.
ـ بعض التعاريف ربطته بالفقه وأصوله وبعضها ربطته بعلم الكلام والمنطق.
ـ بعض التعاريف قصدت به معنى إلزام الخصم سواء كان بحق أو باطل.
ـ بعض التعاريف تضمنت آدب الاستدلال والمناظرة.
وعليه فيمكن القول بتجاوز بعض التعاريف التي تضمنت معنى النزاع والخصام والمراء ـ كما هو الشأن بالنسبة لتعريف الجرجاني وأبي البقاء الكفوي، وأبي يحيى زكريا الأنصاري وابن عقيل ـ لأنه ليس من شرط الجدل وجود نزاع وخصام بين الأفراد، بقدر ما يكون الخلاف في نظرتهما نحو مسألة معينة.
ويبقى تعريف الإمام الجويني، والإمام الباجي، وابن حزم، وابن خلدون من التعاريف التي هي ألصق وأنسب بعلم الجدل .
والذي نختاره ونرجحه ونحسب أنه تعريف مناسب لعلم الجدل هو تعريف الإمام الباجي : تردد الكلام بين اثنين قصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه[20].
- أنواع الجدل .
لا بد من الوقوف هنا على أنواع الجدل، من أجل ربطه بالجدل الفقهي الذي هو محور البحث.. والجدل كغيره من الأعمال ، ينبغي أن يلتزم المسلم فيه بالآداب الإسلامية، وأن تكون نيته خالصة لله، فإن جاهد للالتزام بهذه الآداب فهذا جدل محمود[21]، وإن لم يحاول أن يلتزم بها فجدله جدل مذموم[22].
وقد تحدث ابن خلدون عن علم الجدل وذكر نوعين من الجدل إذ يقول رحمه الله ما نصه: ” إنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره، وهي طريقتان: طريقة البزدوي وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال، وطريقة العميدي وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان”[23].
والذي يهمنا هنا هو الحديث عن الجدل المتعلق بالأدلة الشرعية، والذي يتحدث عنه الأصوليون في سياق حديثهم عن الاستدلال، ويعبرون عنه بالاعتراض على الدليل؛ والناظر في كتب أصول الفقه يدرك أن الاعتراضات الواردة على الدليل ثلاثة أنواع: معارضة الدليل، والمطالبة بالدليل، والقدح في الدليل[24].
فالاعتراضات هي: ما يعترض به المعترض على كلام المستدل، وهي في الأصل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مطالبات، وقوادح، ومعارضة؛ لأن كلام المعترض إما أن يتضمن تسليم مقدمات الدليل أو لا؟ الأول: معارضة.
والثاني: إما أن يكون جوابه ذلك الدليل أو لا. الأول: المطالبة، والثاني: القدح[25].
أما ابن العربي فقد قسمها إلى قسمين، إذ يقول في ذلك: “وَهِي على ضَرْبَيْنِ صَحِيحَة وفاسدة، فالفاسد كثير، وَالصَّحِيح مَحْصُور، وَاخْتلف النَّاس فِي تعديده فَأَقل مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ عشرَة أَنْوَاع”[26].
وقد اختلف الأصوليون في تعدادها، فذكر بعضهم منها عشرة، وبعضهم اثني عشر، وبعضهم خمسة عشرة[27]، كالإمام الباجي، وأوصلها الشوكاني إلى ثمانية وعشرين[28]. يقول نجم الدين الطوفي الحنبلي: “وبالجملة فكل ما صلح مانعا لدليل المستدل، أو معارضا له، فهو سؤال صحيح، وإن أفضى إلى غير حصر”[29].
ومن هنا يظهر أن ما ذهب إليه نجم الدين الطوفي الحنبلي، يعد رأيا سديد وكلاما وجيها، فكل ما صلح أن يكون اعتراضا على الدليل، يمكن الاستدلال به.
وبالجملة فإن الاعتراضات على الأدلة كثيرة ومتنوعة، وسنقف على نماذج تطبيقية مع ابن العربي من خلال كتابه أحكام القرآن. في الفصل الثاني.
أما كلمة الجدل الفقهي فلا نكاد نجد لها ذكرا عند المتقدمين بهذه الصيغة، وإنما كانوا يتحدثون عن طرق الجدل والاعتراض على الدليل ويمثلون له بالفروع الفقهية.
وعليه فسيكون هدفنا في البحث هو ربط طرق الجدل والاعتراض التي يتحدث عنها الأصوليون ببعض القضايا الفقهية المختلف فيها بين الأئمة الواردة في كتاب أحكام القرآن؛ وليس غرضنا التعلق بكلمة الجدل والفقه.
المبحث الثاني: خصائص المنهج الجدلي عند ابن العربي.
التزم ابن العربي في جداله الفقهي مع الفقهاء بأصول التشريع المتفق عليها بين المذاهب؛ بالإضافة إلى اعتماده على أصول مذهب مالك، في المقابلة، والرد، والترجيح، يقول عنه أحد الباحثين المعاصرين: “وهو من أئمة المالكية المجتهدين الكبار، ومن المؤصلين للمذهب المالكي المدافعين عن أصوله، والمدللين عليها في كتبه عند تقابل الرد والقبول، والمستخرجين لقواعده الأصولية”[30].
وبالعودة إلى منهجه الجدلي العلمي فإن ابن العربي كان يرتب الأدلة حسب قوتها وموقعها من الاستدلال والترجيح، فيقدم القرآن أولا ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس وهكذ… وابن العربي هو نفسه صرح بهذا الترتيب في الأدلة حيث يقول: “القرآن هو الأصل، ثم فإن كانت دلالته خفية نظر في السنة، فإن بينته فالجلي من السنة، وإن كانت الدلالة فيه خفية نُظِرَ فيما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا رجّح، فإن لم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب وهو القياس على القرآن، ثم على السنة، ثم على الإجماع، ثم على الراجح”[31].
ومن هذا المنطلق ارتأيت أن أقسم هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأوّل: ضوابط الجدل الفقهي عند ابن العربي.
سبقت الإشارة إلى أن ابن العربي كان يرتب الأدلة حسب قوتها في الاستدلال وموقعها من أدلة الأحكام؛ مما يدل دلالة واضحة أن ضوابط الجدل الفقهي عند ابن العربي؛ مستمدة من مصادر التشريع الإسلامي.
ويمكن الإشارة هنا إلى هذه الضوابط ، وإبرازها لنعطي صورة واضحة المعالم؛ على أساس أننا سنقف مع ذلك بشيء من التفصيل والتطبيق في الفصل الثاني. ويمكن إبراز هذه الضوابط فيما يلي:
ـ ضابط الاستدلال من القرآن.
يبحث ابن العربي عن الدليل في القرآن الكريم، لتوجيه رأيه أو إبطال رأي الخصم، فلا يعدل عن القرآن إلا بعد انتفاء الأدلة في القرآن. ويعتمد على مختلف أنواع الدلالات الأصولية، وأوجه القراءات الصحيحة، أما بالنسبة للقراءة الشاذة فليست بحجة عنده كما يفهم من كلامه في سياق حديثه عن إحدى المسائل الفقهية حيث قال: “أنها قراءة شاذة، وهي لا تجوز تلاوة، ولا توجب حكما”[32].
. ضابط الاستدلال بالسنة النبوية.
باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، يعول عليها العربي في الاستدلال، والترجيح، والرد على مخالفيه وانتقاد المذاهب، والانتصار لمذهبه . وسواء كانت سنة فعلية أو قولية، أو تقريرية. بشرط أن تكون صحيحة.
أما الأحاديث الضعيفة فهو شديد النفرة منها ويحذر منها[33].
ـ ضابط الاستدلال بالإجماع.
يستند في جداله إلى الإجماع لإبطال دعوى المخالف والانتصار لرأيه، أو رأي مذهبه… كما تدل على ذلك عبارته في الكتاب “وذلك إجماع من الأمة”[34].
ـ ضابط الاستدلال بالقياس.
وسع ابن العربي دائرة الجدل بالقياس ولواحقه وتتبع أدلة المخالف بالنقد والاعتراض، والرد، والإبطال تارة بالقياس، وتارة بالعلة، وتارة باستصحاب الحال.
ـ ضابط القواعد الأصولية والفقهية.
يعمد ابن العربي في جداله الفقهي إلى الاحتجاج بالقواعد الفقهية والأصولية، الاستنباط الأحكام الشرعية، والتدليل عليها، وإبطال رأي المخالف ، كما تدل على ذلك عبارته، كقوله: ” وهذا عام في العبادات والمعاملات”[35] ” وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ.”[36]
ـ ضابط الاحتكام إلى اللغة العربية:
باعتبار اللغة العربية هي لغة القرآن والوسيلة الوحيدة لفهم خطاب الشرع، فإن ابن العربي لا يتوانى في جداله الفقهي في الاحتجاج باللغة العربية والاحتكام إليها عندما تتعارض الأدلة ويتعدد الخلاف في المسألة الواحدة ، إذ كثيراً ما يحتكم إلى اللُّغة فى استنباط المعانى من الآيات[37]. ولعل هذا ما تدل عليه عبارته : “وقد بينا ذلك لغة”[38]
المطلب الثاني: طريقة عرض القضايا الفقهية ومناقشتها.
إن الناظر في كتب ابن العربي يلاحظ طريقة عرضه للقضايا الفقهية، ومناقشتها نقاشا علميا، متناسقا ومتجانسا، في قالب أصولي جدلي تنم عن معرفته الواسعة، والمتبحرة في كل العلوم .
ويمكن إبراز منهجه في ذلك من خلال مايلي:
ـ استنباط الأحكام من النصوص القرآنية :
سواء كانت دلالتها صريحة؛ أم خفية. هذا هو الأصل الذي يبنى عليه الكتاب لأنه تفسير لآيات لأحكام،؛ ولكن ابن العربي لم يقتصر على ما كان صريحا، بل تعدى ذلك إلى الآيات التي لم يكن ظاهرها يدل على حكم فقهي .
ـ عرض الآراء الفقهية المختلفة ومناقشتها :
لا يقتصر ابن العربي على إيراد المسائل الفقهية على مذهب مالك فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى استعراض المذاهب الفقهية الأخرى ، وتدوين أصحابها، وأدلتهم، ثم مناقشتها.
ـ الترجيح بين الأقوال :
لا يكتفي ابن العربي بعرض المسائل الفقهية فحسب ثم يمضي؛ بل يذكر لكل قول دليله، ووجه استدلاله، ثم يفند الأدلة، وينقح المسألة لينتهي إلى الموازنة والمقارنة ويختار مايراه صحيحا[39]
ـ استعراض أقوال أئمة المالكية في المسائل والأحكام الفقهية والمفاضلة بينهما[40]:
يتعرض ابن العربي إلى استعراض أقوال المالكية، والمفاضلة بينهم، ومن ذلك عند وقوفه على قوله تعالى:” قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)“[41]. حيث استعرض أقوال المالكية في مسألة: على من تجب الجزية، وانتهى إلى ترجيح أحد الأقوال[42] .
وبالجملة فإن منهجه يقوم على عرض المسألة الفقهية، ثم عرض الأقوال، ثم ترجيح بعضها ببيان قوة صحتها، وتفنيد بعضها ببيان ضعف أدلتها، وأخيرا يعرض رأيه في المسألة مع التعليل، والتبرير لما يختاره بينهما.
الخاتمة
بعد هذا البحث في الجدل الفقهي عند القاضي أبي بكر ابن العربي على المستوى التطبيقي، والنظري، نختم بأهم النتائج التي توصلنا إليها والتي نحسبها كذلك، ونسوقها مرتبة حسب الأبواب:
ـ تأثير المعنى اللغوي للجدل في المعنى الاصطلاحي.
ـ من خلال تعريف الجدل نجد البعض يربطه بالخلاف بين المذاهب مما يدل على وجود جدل فقهي قديم، ولكن لم تظهر صيغته بالجدل الفقهي.
ـ لا يوجد مفهوم للجدل الفقهي عند القدماء بهذه الصيغة، وإنما يذكر الجدل في كتب الأصول ويمثلون له بفروع فقهية.
ـ الجدل الشائع عند الفقهاء والأصوليين هو ألصق بأصول الفقه، أكثر من انتسابه للفقه.
ـ الجدل عند الأصوليين لا يمكن دراسته وتطبيقه بمعزل عن الفروع الفقهية.
ـ من خلال المناهج التي سلكها ابن العربي ومختلف الأدلة التي وظفها في الرد على الفقهاء تبن أنه يقر بأن العقل والشرع صنوان، وينشدان معا الوصول إلى الحق.
ـ يمكن اعتبار كتاب أحكام القرآن، كتاب فقه في الخلاف العالي بالنظر لما تضمنه من القضايا الفقهية المعروضة بين مختلف المذاهب مشفوعة بأدلة كل مذهب.
ـ كتاب أحكام القرآن؛ هو كتاب فقه، وتفسير، وأصول، ولغة، بالنظر لما تضمنه من القضايا التفسيرية، والفقهية، واللغوية، والأصولية.
. سلك ابن العربي في كتابه أحكام القرآن منهجا جدليا استدلاليا في إثبات اختياراته الفقهية وإبطال اجتهادات المخالفين معتمدا في ذلك على معرفته الواسعة باللغة وأصول المذاهب والفروع الفقهية.
ـ تبين أن ابن العربي فقيه مجتهد، وعالم أصولي الشيء الذي ساعده على خوض جدل مع الفقهاء في المسائل المتنازع فيها.
ـ لم يلتزم ابن العربي مطلقا بالمذهب المالكي؛ بل كان كثيرا ما يخرج عن المذهب المالكي ويكون منصفا مع المذاهب الأخرى.
ـ اهتم ابن العربي في كتابه بذكر الخلاف العالي خاصة فيما يتعلق برأي الأحناف، والشافعية، لما لهذين المذهبين من وجود قوي في مسار الحركة الفقهية الاجتهادية.
ـ كان ابن العربي يتعرض للخلاف الفقهي داخل المذهب المالكي وخارجه.
هذه أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، وأحمد الله عز وجل في الختام كما في البدء،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
[1] ـ سورة النحل.125
[2] ـ أخرجه أبودوود في باب كراهية ترك الغزو تحت رقم: 2504
[3] ـ سيرة ابن هشام ج: 2/ص: 360ـ ـ لعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (ت 213هـ) تحقيق طه عبد الرءوف سعد الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة .
[4] ـ معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت 395هـ) ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون ـ دار الفكر 1399هـ – 1979م. ج: 1 ص: 434
[5]ـ لسان العرب مادة جدل ـ مختار الصحاح ـ زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (ت: 666هـ) تحقيق: يوسف الشيخ محمد المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا ط: 5 / 1420هـ / 1999م، ص: 25
[6] ـ لسان العرب مادة جدل. ـ مختار الصحاح ج: 1/ص: 36
[7] ـ لسان العرب مادة جدل.ـ /المصباح المنير أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس (ت 770هـ) المكتبة العلمية – بيروت، ج: 1/ ص: 85.
[8] ـ لسان العرب مادة جدل ـ مختار الصحاح ج: 1/ص: 36.
[9] ـ نفس المصدر مادة جدل.
[10] ـ نفس المصدر مادة جدل ـ
[11] ـ صناعة الجدل عند ابن العربي ـ دراسة في المنهج والمصطلح ص: 13 ـ للطالب: يوسف الحزيمري ـ رسالة دكتورة ـ جامعة عبد المالك السعدي ـ 2011
[12] ـ التعريفات علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (ت: 816هـ)، تحقيق: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ط:1/-1983م ص: 74ـ
[13] ـ الكليات. لأيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (ت 1094هـ) تحقيق: عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت ص:52
[14] ـ الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة لزكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ) تحقيق: د. مازن المبارك ـ دار الفكر المعاصر – بيروت ط: 1/، 1411 ص: 102 ـ
[15] ـ الجدل على طريقة الفقهاء لأبي الوفاء عقيل البغدادي الحنبلي (435 ـ 513). مكتبة دار الثقافة الدينية. ص: 2 ـ
[16] ـ الكافية في الجدل لأبي المعالي الجويني (419ـ 478) / تحقيق الدكتورة: فوقية حسين محمود. طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه ـ 1399/1979، ص: 21
[17] ـ المنهاج في ترتيب الحجاج. لأبي الوليد الباجي / تحقيق: عبد المجيد تركي ط الخامسة ـ دار الغرب الإسلامي. ص: 11.
[18] ـ الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الأندلسي(ت: 456)ـ تحقيق الشيخ أحمد شاكر.ـ دار الآفاق الجديدة ـ.بيروت ط: 1/ ـ 1980 ج:1/ص: 45
[19] ـ مقدمة ابن خلدون / دار الكتب العلمية ط. 1/1993. ص: 220.
[20]ـ المنهاج في ترتيب الحجاج. ص: 11
[21]ـ ينظر: أصول الجدل والمناظرة للدكتور حمد بن إبراهيم عثمان ـ دار ابن حزم ط: 2 ـ 2004/ ص: 99ـ
[22] ـ نفس المصدر ص: 98
[23]ـ مقدمة ابن خلدون ص: 275
[24] ـ ينظر: العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء ـ ت : 458 هـ / ج5/ص:1466ـ البرهان في أصول الفقه للجو يني ج2/ص:97 ـ قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ج2/ص: 97 ـ الإحكام في أصول الأحكام للأمدي (ت631).ج:4/ص:69.ـ كشف الأسرار شرح أصول البزدوي.ج4/ص: 49.
[25] ـ إرشاد الفحول ج: 2/ص:647
[26] ـ المحصول في أصول الفقه لابن العربي تحقيق: حسين علي اليدري – دار البيارق – عمان ط 1/ 1420هـ – 1999 / ص:137
[27] ـ المنهاج في ترتيب الحجاج ص.148.
[28] ـ إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ـ لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت ـ 1250) تحقيق وتعليق: شعبان محمد إسماعيل.دار السلام ـ ط.1 ـ ج: 2/ص: 647.
[29] ـ علم الجذل في علم الجدل لنجم الدين الطوفي الحنبلي (ت: 756) ، تحقيق: تحقيق فولفهارت هاينريشس ـ سلسلة النشرات الإسلامية – 32 ـ جمعية المستشرقين الألمانية ـ ص: 55ـ
[30] ـ صناعة الجدل عند ابن العربي ص:269
[31] ـ الفكر السامي في تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الحجوي ج: 1/ص:81
[32] ـ أحكام القرآن 3/ 596
[33] ـ التفسير والمفسرون للدكتور محمد السيد حسين الذهبي ـ مكتبة وهبة، القاهرة بتصرف، ج:1/ص: 335.
[34] ـ أحكام القرآن 1/272
[35] ـ أحكام القرآن ج: 1/ص: 22
[36] ـ أحكام القرآن ج: 1/ص: 28
[37]ـ التفسير والمفسرون ج: 1/ص: 336. بتصرف.
[38] أحكام القرآن ج: 1/ص: 187
[39] أثر ابن العربي في الفقه المالكي ص: 133 بتصرف.
[40]ـ أثر ابن العربي في الفقه المالكي. ص: 134
[41] ـ سورة التوبة : 29
[42] ـ أحكام القرآن لابن العربي ج: 1/ ص: 481