أوجدتم علي في لعاعة من الدنيا ” فصل من السيرة النبوية العطرة”
أوجدتم علي في لعاعة من الدنيا " فصل من السيرة النبوية العطرة"/ محمد فاضيلي
أوجدتم علي في لعاعة من الدنيا
فصل من السيرة النبوية العطرة
بقلم: محمد فاضيلي
في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة كانت غزوة حُنَيْن آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي العرب، والمتأمِّل في هذه الغزوة يرى حكمته وفقهه صلى الله عليه وسلم في معاملة النفوس، وعلاج ما بها من خلل أو خطأ، ومن ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأنصار.
فقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم معهم منهجًا تربويًا حكيمًا لعلاج تأثرهم بتوزيعه للغنائم في حنين، خاطب فيه عقولهم وعواطفهم، فكانت النتيجة أن انقادوا طائعين مختارين راضين بقسمة الله تعالى ورسوله قائلين: “رضينا برسول الله قسْمًا وحظًا”.
بعد أن تحقق النصر للمسلمين في هذه الغزوة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع الغنائم، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وأمر أن تساق إلى الجعرّانة، ثم وزَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخير على المسلمين، وأعطى قبائل العرب عطايا كثيرة من النعم والشاء والغنم، ومن الذهب والفضة والمال، تأليفًا لقلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام، فأعطى لزعماء قريش وغطفان وتميم عطاءً عظيمًا، إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل، ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس…
فقال البعض ممن لم يأخذ نصيبه من الغنائم: إن هذه لقسمة ما أريدَ بها وجه الله.. وهؤلاء من أجهل الخلق برسوله صلى الله عليه وسلم، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله.
وقد تأثر بعض الأنصار من هذا العطاء بحكم الطبيعة البشرية، فعالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف بحكمةٍ ورفق، مبينًا فضل الأنصار وحبه صلى الله عليه وسلم لهم.
عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد -غضب- هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة..
حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عِظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا من ذلك، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار..
قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: «يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجِدة وجدتموها في أنفسكم، ألم تكونوا ضُلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بل الله ورسوله أمَنّ وأفضل، قال: «ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟»..
قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المنُّ والفضل، قال: «أما والله لو شئتم لقلتم، فَلَصَدَقْتُمْ، وَصُدِّقْتُمْ، أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائِلًا فآسيناك.. أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليُسلِموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار»، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّقوا” (رواه أحمد).
بلغ حب النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار مبلغًا عظيمًا حتى تمنى أن لو كان واحدًا منهم، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب: حب الأنصار من الإيمان).
وفيه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا -أو: شِعبًا- لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرًأ من الأنصار» فقال أبو هريرة رضي الله عنه: “ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه” (رواه البخاري).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (رواه البخاري).