منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم

يحي زركيط /(2) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم

0

(2) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم

ذ. يحي زركيط

الإيجاز:

إن البيان النبوي قد تميز بالإيجاز والاختصار في موضوعات تستدعيه وأحوال ومناسبات تقتضيه. فيأتي الكلام موفيا بالدلالة على المقصود وإن قل عدد ألفاظه، غنيا بالمعاني وإن قصرت عباراته.

وقد عُرّف الإيجاز بأنه “إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ”[1].

“والأصل في الكلام الاختصار، لأن “الألفاظ غير مقصودة في أنفسها وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها بالكلام، فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة. وإذا كان طريقان يوصل كل واحد منهما إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أن أحدهما أخصر وأقرب من الآخر فلا بد أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما سلوكا إلى المقصد”[2].

ومن أحسن ما قيل في إيجاز النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره الرافعي حين قال: “وأما القصدُ والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ومن طبيعة الألفاظ في معانيها، ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيهِ (اللفظية والمعنوية) فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية، حتى كان الكلام لا يعدو فيها حركةَ النفس، وكأن الجملة تخلق في منطقه – صلى الله عليه وسلم – خَلقاً سوياً، أو هي تنزع من نفسه انتزاعاً، وهذا عجيب حتى ما يمكن أن يعطيهُ امرؤ حظه من التأمل إلا أعطاه حظ نفسه من العجب، وإنَّما تتم في بلاغته – صلى الله عليه وسلم – بالأمر الثالث – بعد تمكنه من اللغة و البيان- وهو الاستيفاء، الذي يخرج به الكلام – على حذف فضوله وإحكامه و وجازَته – مبسوط المعنى بأجزائه ليس فيها خداج ولا إحالة ولا اضطراب حتى كأن تلك الألفاظ القليلة إنما ركبت تركيباً على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه، وطبيعته في النفس”[3].

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ، مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ، مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ”[4].

وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ)[5].

تضمن الحديثان إيجازا بقسميه: إيجاز القِصَر وإيجاز الحذف.

فأما إيجاز القصر ويسمى (إيجاز البلاغة) “يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف، كقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ البقرة-179- ، فإن معناه كثير، ولفظه يسير”[6].

وهو ما جاء في وصف الجنة بأبلغ عبارة وأخصر كلام، فترك للسامع أن يتخيل أصناف الطيبات وأنواع النعم من القصور والحور والطعام والشراب والراحة والحبور، (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) كلمات شاملة موجزة اختيرت بعناية فائقة فاستغنى بذلك عن الأوصاف التي يطول بها الكلام ولا تستوعبها الكتب والأسفار.

وقعت (عين) في سياق النفي فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلهن ولا عين واحدة منهن، والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ غافر-18-

ونظيره من الإيجاز في وصف الجنة قوله تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ الزخرف-71-

وأما إيجاز الحذف فهو “الإِيجاز الذي يكون قِصَرُ الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعض الكلام اكتفاءً بدلالة القرائِن على ما حُذف”[7].

ففي قوله عليه الصلاة والسلام ( اللهم سبعا كسبع يوسف) إيجاز حذف تقديره كما ذكر الطيبي: “ابعث عليهم وسلط عليهم سبعاً”[8]. فحذف الفعل وجوابه لدلالة المفعول عليه. ونظيره من كلام الله تعالى: ﴿ فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ الشمس-13- أي: احذروا عذاب الله إن مسستموها بسوء.

وداعي الحذف أن الكلام دعاء على الكافرين بالقحط يستوجب الاختصار والإيجاز.

قال ابن حجر: “وأضاف السنين إلى يوسف عليه السلام لكونه الذي أنذر بها أو لكونه الذي قام بأمور الناس فيها”[9].

الإطناب-التشبيه

قوله عليه الصلاة و السلام: “فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ”[10].

في الحديث تشبيه تحصيل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم حيث قال (دنيا يصيبها) وكأنها غرض يرمى بالسهم.

والتشبيه هو “الدّلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما”[11].

قال بدر الدين العيني: “المراد بالإصابة الحصول، فالتقدير فمن كانت هجرته إلى تحصيل الدنيا فهجرته حاصلة لأجل الدنيا غير مفيدة له في الآخرة، فكأنه شبه تحصيل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود”[12].

وفي الحديث أيضا إطناب بالزيادة في قوله ( دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها)، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام.

قال الطيبي في شرح المشكاة: “وذكر المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين: أحدهما أن سبب هذا الحديث ما روي أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها (أم قيس)، والثاني أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك، وهو من باب الخاص بعد العام”[13].

قال ابن حجر: “نكتة الاهتمام الزيادة في التحذير لأن الافتتان بها أشد”[14].

وحكى ابن بطال عن ابن سراج أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر، أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية ويراعون الكفاءة في النسب، فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها من كان لا يصل إليها قبل ذلك.

ولم يقل في الجزاء (فهجرته إليهما) وإن كان أخصر بل أتى بالظاهر فقال (فهجرته إلى الله ورسوله) وأجيب عنه بأن ذلك من آدابه صلى الله عليه وسلم في تعظيم اسم الله عز وجل أن لا يجمع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب (بئس خطيب القوم أنت) حين قال (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى)، وبيّن له وجه الإنكار فقال له قل: (ومن يعص الله ورسوله).

الاستعارة

قوله عليه الصلاة والسلام: (رويدك سوقك بالقوارير)[15].

وقول أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه: “كَلَّا لاَ يُعْطِيهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”[16].

في الحديث الأول قال الطيبي: “هي استعارة لأن المشبه به غير مذكور، والقرينة حالية لا مقالية، ولفظ الكسر ترشيح لها”[17].

والاستعارة “ضرب من المجاز اللغوي علاقته المشابهة دائما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. وهي في حقيقتها تشبيه حذف أحد طرفيه”[18].

قال بدر الدين العيني: “قوله: (بالقوارير) جمع قارورة من الزجاج سميت بها لاستقرار الشراب فيها، وفي رواية هشام عن قتادة: رويدك سوقك ولا تكسر القوارير، وزاد حماد في روايته عن أيوب، قال أبو قلابة يعني: النساء، وفي رواية همام عن قتادة: لا تكسر القوارير، قال قتادة: يعني ضعفة النساء. وقال ابن الأثير: شبه النساء بالقوارير من الزجاج لأنه يسرع إليها الكسر. وكان أنجشة يحدو وينشد القريض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك، وفي المثل: الغناء رقية الزنا، وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن من شدة الحركة. وقال الرامهرمزي: كنى عن النساء بالقوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية، وقيل: سُقْهن كسوقك القوارير لو كانت محمولة على الإبل، وقيل: شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا وقلة دوامهن على الوفاء كالقوارير يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر”[19].

وفي الحديث الثاني استعارة تصريحية أصلية في قوله ( أصيبغ) و (أسد).

قال ابن حجر: ” قوله أصيبغ بمهملة ثم معجمة عند القابسي وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر وقال بن التين وصفه بالضعف والمهانة والأصيبغ نوع من الطير أو شبهه بنبات ضعيف يقال له الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر ذكر ذلك الخطابي وعلى هذا رواية القابسي وعلى الثاني تصغير الضبع على غير قياس كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد صغر خصمه وشبهه بالضبع لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز”[20].

استخدم أبو بكر رضي الله عنه هذه الاستعارة ليبين أن الذي يستحق سلب القتيل هو أبو قتادة المتصف بالجرأة والإقدام والمعروف بشجاعته في كل غزوة يقاتل لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وليس ذلك الرجل الذي أراد أخذ سيف القتيل ولم يظهر منه معشار ما عرف به أبو قتادة، فاستحق أن يصفه الصدّيق بوصف يحمل كل معاني التضعيف والتصغير أمام صورة الأسد الذي لا يهاب الموت. ولم يكتف الصدّيق بهذه المقارنة من حيث الشجاعة من عدمها بل نسبه إلى قريش وكأنه لم يخرج إلا حمية وعصبية لقبيلته بينما نسب الثاني إلى كتيبة أسد الله، تلك الكتيبة التي باعت نفسها لله وجعلت أسمى أمانيها الاستشهاد في سبيل الله.

هذا الخطاب البياني الذي قارن فيه أبو بكر الصديق بين الرجلين مستعملا أسلوب الاستعارة التصريحية كان له الأثر فيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أعطى السيف لأبي قتادة.

الكناية

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ”[21].

قول امرأة عبد الله بن عمرو ( لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفا – وفي رواية: لم يغش – ) كناية عن عدم جماعه لها. والكناية عن الأشياء التي يستحيى منها كثيرة في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والكناية هي “اللفظ الدال على معنيين مختلفين، حقيقة ومجاز من غير واسطة، لا على جهة التصريح”[22]، كقوله تعالى:﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ البقرة-223- كناية عن الجماع، وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ المائدة-77- قال المفسرون: هذا تنبيه بأكل الطعام على عاقبة ما يصير إليه؛ وهو الحدث، لأن من أكل الطعام فلا بدّ أن يحدث وكقولهم فلان كثير الرماد كناية عن الكرم.

والكنايات لها مواضع؛ فأحسنها العدول عن الكلام القبيح الى ما يدلّ على معناه في لفظ أبهى منه[23]. ومن عادة العرب وشأنهم؛ استعمال الكنايات في الأشياء التي يستحيى من ذكرها، قصدا للتعفّف باللسان، كما يتعفّف بسائر الجوارح.

و”الكناية لها فى البلاغة موقع عظيم فإنها تفيد الألفاظ جمالا، وتكسب المعاني ديباجة وكمالا وتحرك النفوس إلى عملها، وتدعو القلوب إلى فهمها”[24].

قال بدر الدين العيني: “حاصل الكلام هنا أن هذه المرأة شكرت عبد الله أولا بأنه قوام بالليل صوام بالنهار، ثم شكت من حيث إنه لم يضاجعها ولم يطعم شيئا عندها”[25].

قال صاحب الطراز: “فقولها «لم يغش لنا كنفا» من الكنايات الغريبة، والكنف هو الستر، والكنف الوعاء، وكلاهما محتمل ههنا”[26].

ومن كنايات إتيان المرأة: الوطء والجماع والمباشرة والإفضاء والإغشاء والملامسة والمباضعة…

ونظير هذا الحديث في الكناية: جاءت امرأة إلى عمر رضى الله عنه فقالت: (أشكو إليك زوجي، خير أهل الأرض إلا رجل سبقه لعمل، أو عمل مثل عمله، يقوم الليل حتى يصبح، ويصوم النهار حتى يمسي؛ ثم أخذها الحياء فقالت: أقلني يا أمير المؤمنين! فقال: جزاك الله خيرا! فقد أحسنت الثناء، فلما ولّت قال كعب بن شور: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت إليك في الشكوى، فإنها كنّت بذلك عن عدم المباضعة.

مسائل بلاغية متنوعة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ، فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لاَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدُ»[27].

تضمن هذا الحديث عددا من المسائل البلاغية أجملها فيما يأتي:

  • استعمال اسم التفضيل (أثقل) في تصوير تخلف المنافقين عن تأدية الفجر والعشاء في المسجد، وكأن الصلاة عموما حمل ثقيل لا تقوى ظهورهم على تحمله، ويزداد الحمل إذا كانت الصلاة وقت الفجر والعشاء. قال ابن حجر: “وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما لأن العشاء وقت السكون والراحة والصبح وقت لذة النوم”[28].
  • قوله (لأتوهما ولو حبوا) هذه الكلمة التي تصور إنسانا يمضي نحو حاجته بكل إصرار وكأنه طفل يحبو على ركبتيه ويديه يستفرغ جهده وطاقته ليصل إلى مبتغاه، تجعل السامع القادر على المشي يستصغر نفسه إن هو تخلف عنها بل تبعث في نفسه همة ونشاطا لإدراك الأجر والثواب الذي أعده الله لمن يحرص على هاتين الصلاتين في جماعة المسجد. واستعمل الإيجاز بحذف المضاف في (لأتوهما) “والمراد لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد”[29].
  • وتضمن الحديث نهيا للمؤمنين عن التخلف عن الفجر والعشاء ورد بجملة خبرية تصف حال المنافقين، وهذا أبلغ في النهي والتحذير من وروده بالجملة الطلبية (لا تفعلوا). قال النووي معقبا على ما كان لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي: “هو أبلغ في النهي لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه والنهي قد تقع مخالفته فكان المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتم”[30]. فالتخلف ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[31]

في هذا الحديث عبّر في الشرط بالمضارع وفي جوابه بالماضي بخلاف حديث (من صام رمضان) و (من قام رمضان) جاء التعبير فيهما بالماضي في الشرط والجواب معا.

وحكى ابن حجر عن الكرماني قوله: “وإنما عبّر بالمضارع في الشرط في قيام ليلة القدر، وبالماضي في قيام رمضان وصيامه لأن قيام رمضان وصيامه محقّقا الوقوع فجاءا بلفظ يدل عليه، بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل”[32].

وأضاف ابن حجر: “وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أن المغفرة في زمن الاستقبال إشارة إلى تحقق وقوعه، على حد قوله تعالى: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّه﴾ [النحل: 1]”[33].

و أوّله الطيبي بقوله: “من يقم ليلة القدر فليحتسب قيامه، وليعلم أن الله قد حكم بغفرانه قبل”[34].


[1]سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي ص 211.

[2]سر الفصاحة ص 214.

[3]إعجاز القرآن والبلاغة النبوية  لمصطفى صادق الرافعي ص229.

[4]صحيح البخاري كتاب الاستسقاء باب دعاء النبي صلى الله عليه و سلم… رقم 1007.

[5]صحيح البخاري كتاب التفسير سورة السجدة باب قوله:” فلا تعلم نفس ما أخفي لهم” رقم 4780.

[6] جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع لأحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي ج1/198.

[7] البلاغة العربية لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة ج2/29.

[8] شرح الطيبي على مشكاة المصابيح ج4/1122.

[9] فتح الباري ج2/636.

[10] صحيح البخاري كتاب الإيمان باب ما جاء أن الأعمال بالنية رقم 01.

[11] البلاغة العربية ج2/161.

[12] عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، ج1/ 26.

[13] شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بالكاشف عن حقائق السنن ج2/417.

[14] فتح الباري ج1/23.

[15]صحيح البخاري كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر و الرجز رقم 2354.

[16] صحيح البخاري كتاب المغازي باب قوله تعالى: ( و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) رقم 4322.

[17] شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للطيبي ج10/3809.

[18] علم البيان، عبد العزيز العتيق ص 175.

[19] عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني ج22/186.

[20] فتح الباري ج8/41.

[21] صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن رقم 5052.

[22] الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ليحيى بن حمزة الحسيني العلويّ ج1/189.

[23] نهاية الأرب في فنون الأدب لأحمد بن عبد الوهاب شهاب الدين النويري ج3/152.

[24] الطراز ج1/219.

[25] عمدة القاري ج20/58.

[26]الطراز ج1/210.

[27]صحيح البخاري كتاب الأذان باب فضل العشاء في الجماعة رقم 657.

[28]فتح الباري ج2/184.

[29]نفسه ج2/184.

[30]شرح النووي على مسلم ج9/192.

[31]صحيح البخاري كتاب الإيمان باب قيام ليلة القدر من الإيمان رقم 35.

[32] فتح الباري ج1/123.

[33] نفسه ج1/124

[34] شرح المشكاة ج5/1574.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.