المؤمنة والإحسان في رمضان
بقلم: د. فاطمة سويطط
مقدمة
رمضان شهر الإحسان والقرب إلى الله تعالى، شهر تجديد الصلح معه سبحانه، وطلب عفوه وغفرانه: ففيه تسمو الروح وتتطهر وتتشوف إلى المعالي، فالله جل وعلا هيأ الظروف في شهر رمضان لتتدرب المؤمنة على تغليب الأوصاف العالية لترتفع عن جاذبية الأرض، فالصيام حين يكون إيمانا واحتسابا يكون حاجزا دون الوقوع في المعاصي والذنوب، كما يكون دافعا للترقي في مدارج الإسلام ومعارج الوصال.
فكيف هو حال المومنة في شهر الصيام؟ وما أبواب إحسان المومنة فيه؟
أولا: حال المؤمنة في شهر الصيام:
إن شعور المؤمنة بأهمية الشهر الفضيل، ومعرفتها بمنزلته الكبرى عند الله تعالى، واستشعارها البعد الإحساني للصيام المتجلي في قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه»[1] سيجعلها تستقبل شهر الغفران بكل فرح وسرور ، بل ستستعد لاستقباله استقبال الغائب العزيز، إذ تبدأ التحضيرات الأساسية بصيام أيام من شهر شعبان، والتهيئ للزيارات العائلية وصلة الأرحام، وتوضيب أحوال البيت ليشعر أهله بقرب زيارة الضيف العزيز.
إن المؤمنة في رمضان تعمل جاهدة لتتفرغ للعبادة والطاعات والمسارعة في أعمال البر والإحسان، لأنها تعلم أن أجر الصيام والعمل الصالح فيه مضاعف، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ” كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”[2] فهي تتجنب كل وسائل التفاهة المضيعة للوقت، المخلة بالسمت الحسن والحياء، كما أنها تكبح جماح شهواتها لكي لا تسبح في بحر متطلبات لا تنتهي وتكميليات لا تنقضي.
إن المؤمنة التي تريد أن يغير شهر الصيام عاداتها إلى عبادات تعد برنامجا يوميا موازيا لأعمالها المنزلية – التي إن جددت فيها نية القرب من الله تعالى تصبح بدورها عبادة- تحدد فيه أوقاتا لبيتها وأهلها، وقتا لنفسها تستغله لتكون من المحسنات في شهر الغفران.
أبواب إحسان المؤمنة في رمضان:
كثيرة هي أبواب الإحسان في شهر الصيام، والمؤمنة الكيسة هي التي توفق في اغتنام معظمها، بل تبذل كل ما في وسعها لكي لا تضيع أي منحة ربانية لتجدد إيمانها وترتقي في مدارج الإحسان. ومن أبواب الإحسان المتيسرة للمؤمنة ما يلي:
- التوبة والإنابة: تجديد التوبة هو أمر مطلوب من كل فرد، وقبل رمضان وخلال أيامه يكون أفضل وأحسن، لأن التوبة واليقظة الروحية هي أعمال قلبية، تذيق المومنة حلاوة الإيمان، فتستزيد وتستزيد حتى يصبح الاستغفار والتوبة العامة ديدنها خلال شهر الرحمة والمغفرة، فتكون الإنابة إلى ربها ملازمة لها في كل حين. مصدقا لقول الله تعالى: { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[3]
2 – الإخلاص في النية والعمل: المؤمنة وهي منهمكة في كل أعمالها خلال يومها فعليها أن تطهر تلك الأعمال مهما صغرت أو تعددت أو تكررت من أن تخالطها وساوس النفس وميولاتها التي جبلت عليها، لأن النية أبلغ من العمل. وعمل تقوم به المؤمنة قد ترفعه النية درجات، وقد يضل حبيس فعلها الدنيوي ان غاب فيه القصد والإخلاص، لهذا لا بد من تجديد النية في كل عمل تقوم به.
3 – تلاوة القرآن الكريم: وكما هو معروف فرمضان شهر القرآن بلا منازغ، والمؤمنة تخصص حيزا زمنيا لتلاوة القرآن وتدبره ومدارسته سواء بمفردها أو مع أسرتها او مع أخواتها، فتنال بذلك شرف اتباع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن”[4] وتنال الأجر والثواب العظيم، فعن أبي عن أبي موسى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو”[5]
4 – صلاة التراويح وقيام الليل: صلاة التراويح هي عبادة لا تتكرر إلا في شهر رمضان، فعلى المؤمنة اغتنام هذه المنحة الربانية لكي لا تفوتها الكينونة مع الركع السجود، كما لا يفوتها الوقوف بين يدي المولى عز وجل في جوف الليل، متبتلة داعية ومنكسرة، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفا، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهره، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام »[6].
5 – الإكثار من الدعاء: معلوم أن الدعاء مخ العبادة، وأن الحق سبحانه يقول: ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ “[7] وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: “ثَلاثُ دَعَواتٍ لا تُرَدُّ؛ دَعوَةُ الوالِدِ، ودَعوَةُ الصّائمِ، ودَعوَةُ المُسافِرِ“[8] والمؤمنة عليها الإكثار من دعاء لها ولغيرها، فما أحوج الأمة في حاضرنا إلى دعاء خالص يصادف وقت استجابة.
6 – خدمة أهل البيت بكل حب: لا شك أن العمل اليومي يصبح ذا رتابة وملل، قد يؤدي أحيانا إلى نفور النفس منه واستثقاله، لكن حين تعلم المؤمنة أن حسن المعاملة وإعطاء كل ذي حق حقه من أهل بيتها سيضمن لها الكينونة مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»[9]، إذا اخصلت النية واحتسبت كل عمل قربة من الله تعالى، صار العمل عبادة تؤجر عليها، حينها تقبل على أشغال يومها بكل حب وإحسان وخفة.
7 – الحرص على إطعام الطعام في هذا الشهر: فلتعلم المؤمنة أن من الإحسان في رمضان إفطار الصائم، وإكرام الضيوف وأهل الدار، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»[10] ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة للجود والكرم وبخاصة في شهر رمضان , عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان »[11] ، وعنه عليه الصلاة والسلام قال: «من فَطَر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً »[12]
8 – الاجتهاد في العشر الأواخر: هي عشر مباركات، جمعت خير أول رمضان ووسطه، فيها ليلة خير من ألف شهر، من أدركها فاز بالجائزة العتق من النار، لذا على المؤمنة أن تشد مأزرها وتجتهد في مضاعفة أعمال البر والإحسان والخير فيها لكي لا يفوتها إحياء ليلة القدر المباركة وتنال شرفها وبركتها، وتكثر من الدعاء فيها والتضرع إلى الله تعالى بسؤال خير الدارين، فقد روي أن أمنا عائشة رضي الله عنها قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني »[13]
الخاتمة:
عطايا الكريم الوهاب لا تنتهي في شهر الخير والبركة، والمنح المتاحة لفعل الخير والبر لا تكاد تحصر، والمؤمنة الموفقة المسددة هي من تجد في نفسها بعد انقضاء شهر الصيام سموا روحيا يضفي على قلبها إيمانا يرقى بها في درجات الإحسان والقرب من الرحمان.
[1] – صحيح الإمام البخاري باب، صوم رمضا احتسابا من الإيمان، 1/16.
[2] – صحيح البخاري، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، 3/26
[3] – آل عمران، 17.
[4] – صحيح البخاري، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، 4/188.
[5] – صحيح مسلم، باب فضيلة حافظ القرآن، 1/549.
[6] – سنن الترمذي، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، 4/673.
[7] – غافر، 60.
[8] – السنن الكبرى للبيهقي، باب استحباب الصيام للاستسقاء، 7/70
[9] – أخرجه ابن ماجة، باب حسن معاشرة النساء، 1/636.
[10] – صحيح البخاري، باب إطعام الطعام من الإسلام، 1/12
[11] – صحيح البخاري، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، 4/188.
[12] – السنن الكبرى للبيهقي، باب من فطر صائما، 8/536.
[13] – السنن الكبرى للبيهقي، باب العفو، 7/146.