الآراء الاعتقادية في فكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
الآراء الاعتقادية
في فكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
ملخص البحث
إن دراسة تراث الأمة الإسلامية له أهمية بالغة، فبعض العلماء كانت لهم جهود محمودة في بيان عقيدة الإسلام، وتطهير ما يشوبها من انحرافات وضلال اعتقادي.
فاخترت موضوعا ذات أهمية عن عالم معاصر برز اسمه بين علماء الأمة الإسلامية وإن لم يكن من أهل المغرب، غير أنني سلطت قلمي ومحبري على الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، من أجل سبر أغوار فكره عن العقيدة الإسلامية، وبسط آرائه الاعتقادية عن عقيدة السلف الصالح.
ويمكن القول إن الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله يعد واحداً من أشهر العلماء والمشايخ الأشاعرة المعاصرين في سوريا في العقود الثلاثة الأخيرة، بل والمناصرين لها، فدوره بارز وملموس في مجال العقيدة الأشعرية، بل يُعد ممن يمثلون التوجه المحافظ على مذاهب أهل السنة الأربعة وعقيدة أهل السنة وفق منهج الأشاعرة. إلى جانب اختصاصه في العلوم الإسلامية. ويعتبر البوطي من أهم المرجعيات الدينية على مستوى العالم الإسلامي، وهو عالم مجدّد، ورع مخلص، سليم الطوية، حسن النية والمقصد، غيور على شرع الله والأخلاق الإسلامية، جريء في الحق، ملأ حياته وحياة الناس بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والحكمة النافعة بالكتاب والسنة النبوية، متبع للسلف الصالح، محذر من البدع، وداعية إسلامي متفوق في كل ميدان.
الكلمات المفتاحية: العقيدة -محمد سعيد رمضان البوطي -المذاهب الاعتقادية-التيارات المعادية للإسلام.
الأهداف والأدوات:
-تهدف الدراسة إلى عرض آراء الدكتور البوطي في المسائل العقدية التي هَمَّت عصره.
-تحليل النقاشات الفكرية المتعلقة بالنقاشات الجدلية التي جالت عن عقيدة الأشعرية من قبل التيارات الوهمية المضللة.
-أهم المواقف التي رد عليها الدكتور البوطي من خلال كتب بكل موضوعية ودلائل علمية لا تخلو من فائدة عظيمة.
-البحث يهدف أيضا إلى أهم النقاشات وإبراز أهم المواقف والآراء المعادية للإسلام.
النتائج:
– يقوم منهج الدكتور البوطي على جملة من الركائز أهمها محاججة المنكرين والمتشددين بالحجج العقلية.
-اتبع الدكتور البوطي منهج الأشاعرة في الرد على خصوم الإسلام دون الدخول في الخلافات الواهية بل أرد تحقيق نمط مغاير في إثبات الحقائق وإبطال آراء المشككين.
-مواقفه كانت حاسمة في الرد على خصوم الإسلام فكان مراوحا بين الاستدلال العقلي وبين الاستدلال النقلي سواء من القرآن الكريم أم السنة النبوية.
مقدمة
الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
وبعد…
فإن الإسلام دعا إلى تأْسِيسِ مجتمع تقتضي طبيعته ورسالته إلى البشرية أن يكون مجتمعا نموذجياً، وقوياً، ومُنْسَجِماً، وفاعِلاً. وإذا كانت المناسبةُ شَرْطاً وكَانَتْ إِطاراً يمنحُ الموْضُوعَ أهميةً خاصةً، وقيمةً مُضافةً فإن الموضوع الذي تَنَاوَلْتُهُ يَكْتَسِبُ تلك الأهمية والجدوى، من كونه يأتي في سياق الحديث عن العقيدة الأشعرية وعالم جليل كان له الأثر وذلك من خلال الأثر الذي تركه في مجال العقيدة.
إن المذهب الأشعري هو الصيغة النهائية لعقائد أهل السنة والجماعة في صورتها البرهانية التنويرية، كما أنه امتداد شرعي لمذهب أهل السنة والجماعة الذي كان ولا يزال مذهبا رسميا لكبار الأئمة، مثل الإمام مالك بن أنس، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل… وغيرهم كثير من فضلاء المذاهب الإسلامية السنية.
لذلك اخترت موضوعا ذا أهمية عن عالم معاصر برز اسمه بين علماء الأمة الإسلامية وإن لم يكن من أهل المغرب، غير أنني سلطت قلمي ومحبري على الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، من أجل سبر أغوار فكره عن العقيدة الإسلامية، وبسط آرائه الاعتقادية عن عقيدة السلف الصالح.
فالدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله أحد رواد الفكر العقدي السني الأصيل، والذي أسهم بحظ وافر في تحصين المعتقد الإسلامي على طريق أهل السنة والجماعة.
وقد انتصر البوطي رحمه الله للمذهب الأشعري بمناهج كلامية، وبراهين عقلية، وكان شغله الشاغل هو توطيد السلسلة الذهبية في مجال الاشتغال بالعقيدة الأشعرية السنية حتى تصل إلى الخلف بمنهج سليم خال من الشوائب.
فقد عرفنا البوطي رحمه الله بمكانته العلمية وأمانته في الحفاظ على عقائد أهل السنة، فأقبل على دراسة العقيدة وتدريسها، وتفنن في تأليف مبادئها وخصائصها، والوقوف في وجه المذاهب المرفوضة إسلاميا.
فأحببت أن أسلط الضوء على هذا العالم الجليل من خلال آرائه عن العقيدة الأشعرية، وكيف دافع عنها من خلال مؤلفاته.
أسباب اختاري للموضوع:
إن هذه الدراسة هي دراسة تقويمية لآراء ومواقف البوطي رحمه الله المرتبطة بالعقائد في ضوء المذهب الأشعري السني.
أهمية الموضوع:
تبرز أهمية الموضوع من خلال جانبين اثنين هما:
الأول: كون هذا الموضوع يبحث في أشرف العلوم وأجلها ألا وهو علم العقيدة الخالية من الشوائب والبدع والضلالات.
ثانيا: موقف البوطي من التيارات والطوائف المنحرفة والشاذة عن الإسلام، فجاءت كتاباته ردا مباشراً أو غير مباشر على التحديات التي عاشتها سوريا في العصر الحديث والاضطرابات السياسية وما اكتنفها من انقلابات عسكرية والصدامات مع التيار الإسلامي.
ثالثا: إبراز شخصية محمد سعيد رمضان البوطي ومواقفه من خلال الدفاع عن العقيدة الأشعرية التي ينتسب إليها ووقوفه ضد التيارات المعادية.
منهج البحث:
سأتبع في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك بالرجوع إلى مؤلفات البوطي التي أشار فيها إلى المسائل الاعتقادية والتيارات الشاذة، والوقوف على كل رأي.
عزو الآيات من القرآن الكريم حسب رواية الإمام ورش، وتخريج الأحاديث النبوية من أصولها ثم فهرس للمصادر والمراجع مرتبة ترتيبا ألفبائيا.
خطة البحث
واستنادا على ما تم جمعه من مادة علمية منتقاة من مختلف المراجع التي كتبها البوطي، وبعد الاطلاع عليها وتحليلها وتوظيفها، تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.
المبحث الأول: نبذة من حياة البوطي
المطلب الأول: ولادته ونشأته
المطلب الثاني: تعليمه
المطلب الثالث: شيوخ البوطي ونشاطاته ومؤلفاته
المبحث الثاني: موقف البوطي من الاعتقادات والمذاهب المعاصرة
المطلب الأول: موقف البوطي من الشيوعية
المطلب الثاني: رأي البوطي في السلفية المعاصرة
المطلب الثالث: موقف البوطي من القاديانية
المطلب الرابع: موقف البوطي من الماسونية
المطلب الخامس: موقف البوطي من العلمانية
المبحث الثالث: خصوصية البوطي في الرد على قضايا الاعتقاد
المطلب الأول: موقف البوطي من حرية الاعتقاد في الدساتير السورية المتعاقبة
المطلب الثاني: منهج البوطي في تناول الدرس العقدي
المطلب الثالث: موقف البوطي من الردة والتكفير
المبحث الأول: نبذة من حياة البوطي
المطلب الأول: ولادته ونشأته
يعد العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله من أجل علماء العصر ولد في سنة 1929م بقرية جيلكا التابعة لجزيرة بوطان، التي يطلق عليها بالعربية اسم جزيرة ابن عمر، الواقعة داخل حدود تركيا في شمال العراق.
هاجر مع والده المرحوم ملا رمضان إلى دمشق، وله من العمر أربع سنوات. وفي سن السادسة تعلم قراءة القرآن الكريم على يد امرأة فاضلة، وختم تلاوته في خلال ستة أشهر. ثم انتقل إلى مدرسة ابتدائية أهلية خاصة، في زقاق القرماني بدمشق.
المطلب الثاني: تعليمه
تلقى البوطي العلم على والده الملا رمضان رحمه الله، فعلمه مبادئ العقيدة الإسلامية وموجزا من سيرة سيدنا محمد ﷺ، ثم أخذ منه علوم الألة من نحو وصرف.
ثم التحق بمعهد الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، الذي سمي فيما بعد بمعهد التوجيه الإسلامي، فدرس العلوم الشرعية. إلى أوائل عام 1953، حيث التحق بكلية الشريعة في جامعة الأزهر. فحصل على الإجازة بها سنة 1956 م، وكان من الطلبة المتفوقين، ثم عاد إلى دمشق، حيث أعلنت وزارة التربية في نهاية ذلك العام عن المسابقة لوظائف التدريس في المدارس الاعدادية والثانوية. فاشترك، ونجح وبدأ من ذلك العام في سلك التدريس.
عين معيدا في كلية الشريعة بجامعة دمشق سنة 1960 م. وأوفد إلى كلية الشريعة من جامعة الأزهر، للحصول على الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية، وحصل على هذه الشهادة عام 1965 م. عين مديرا في كلية الشريعة بجامعة دمشق في نفس العام، ثم وكيلا لها، ثم عميدا لها، ثم رئيسا لقسم العقائد والأديان بجامعة دمشق. اشترك في مؤتمرات وندوات عالمية كثيرة، وكان عضوا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، في عمان وعضو المجلس الأعلى لأكاديمية أكسفورد.
المطلب الثالث: شيوخ البوطي ونشاطاته ومؤلفاته
- الفرع الأول: شيوخه
تلقى البوطي العلم في بداية حياته العلمية على والده رحمه الله، الذي كان عالما بعلوم الشريعة الإسلامية، وعلوم الآلة وغيرها من العلوم الأخرى. كما درس على يد الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، وكان عالما جليلا من علماء دمشق، ورئيس المعهد الإسلامي. وتتلمذ أيضا على يد الشيخ محمود المارديني، وهو أحد تلامذة الملا رمضان رحمه الله، وكان فقيها جليلا.
ومن العلوم التي تلقاها على والده رحمه الله، النحو والبلاغة، كما درس عليه كتبا في المنطق، والمقولات العشر، ودرس عليه شرح جمع الجوامع في الأصول، وحفظ على يديه عقود الجمان للسيوطي.
- الفرع الثاني: نشاطاته
يحاضر الدكتور البوطي، بشكل شبه يومي في مساجد دمشق وغيرها من المحافظات السورية. ويحضر محاضراته آلاف من الشباب والرجال والنساء.
كتب في عدة من الصحف والمجالات والموضوعات الإسلامية، وقضايا مستجدة، ومنها ردود على كثير من الأسئلة التي يتلقاها، والتي تتعلق بفتاوي أو مشورات تهم الناس، ويشارك في حل مشكلاتهم. يتقن اللغة التركية والكردية ويلم باللغة الإنجليزية. له موقع على الأنترنيت يتلقى فيه الأسئلة، كما يضم الموقع حياته ونشاطاته ومؤلفاته.
- الفرع الثالث: مؤلفاته
– كلمات في مناسبات-شرح وتحليل الحكم العطائية-هذا ما قلته أمام بعض الرؤساء والملوك-دراسات قرآنية-المذهب الإقتصادي بين الشيوعية والإسلام-مشورات اجتماعية من حصاد الأنترنيت -يغالطونك إذ يقولون -الإسلام والعصر-أوروبا من التقنية إلى الروحانية-كبرى اليقينيات الكونية-شخصیات استوقفتني-في سبيل الله والحق-منهج الحضارة الإنسانية في القرآن الكريم-تحليل النسل-حرية الإنسان-الله أم الإنسان-مع الناس-من وراء القرآن الكريم-اللامذهبية- تجربة التربية الإسلامية-سلسلة أبحاث في القمة-فقه السيرة النبوية-ضوابط المصطلح في الشريعة الإسلامية-سیامند ابن الأدغال- قضايا فقهية-من الفكر والقلب-هذه مشكلاتنا-على طريق العودة-هذه مشكلاتهم-على طريق العود-هذه مشكلاتهم-حوار حول مشكلات حضارية-نقض أوهام المادية الأوهام الجدلية-محاضرات في الفقه المقارن-الجهاد في الإسلام-المرأة-الإنسان مسير أو مخیر-الحوار سبيل التعايش-السلفية-التغيير مفهومه وطوائفه-الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية-عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها- مدخل إلى فهم الجذور-دفاع عن الإسلام والتاريخ-حقائق عن نشأة القومية-العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر-مموزين-هذا والدي.
قتل رحمه الله وهو يلقي شرحا لدرس الحكم العطائية بمسجد جامع الإيمان بيد غادرة يوم الخميس21 مارس 2013م وهو يناهز 84 سنة رحمه الله رحمة واسعة.[1]
المبحث الثاني: موقف البوطي من الاعتقادات والمذاهب المعاصرة
يعتبر الدكتور البوطي رحمه الله، من أبرز رجالات الجيل الثاني الذي ورث الرواد في القرن العشرين، وقد أضاف إلى ما قدموه، تفاعلا عميقاً مع المستجدات، ومواكبة فكرية وفلسفية لمطروحات الواقع، وتطورات الفكر العالمي، مستفيداً من ثورة الاتصالات، ومنطلقا عبر القنوات الفضائية، ليحقق تواصلا أوسع مع الناس في دعوته إلى الإسلام، وفي دفاعه عنه. فلم يعتكف في التاريخ برغم صلته العميقة به، وإنما انطلق إلى الحاضر، يناقش معطياته، ويواجه الفلسفات التي يرفضها الإسلام من موقف فكري وعقلاني. لقد ناقش البوطي بعمق الفلسفات المادية الجدلية والماركسية، والمثالية، والوجودية، والعبثية، وكل ما أفرزه القرن العشرون من مدارس واتجاهات ولدت في الغرب، وحملها إلى ديار الإسلام مستشرقون ومستغربون. ولم يكتف في نقاشها بإظهار حكم الشرع فيها، وإنما راح يناقش العلة العقلية في الحكم، ويستفيض بتقديم الحجة والبرهان العقلاني على الموقف الرباني.[2]
ولقد أثرى البوطي نقده لمناهج الغرب في البحث بأمثلة عديدة تبين بطلان نظرياتهم وسقوطها خاصة في مسائل الاعتقاد.
المطلب الأول: موقف البوطي من الشيوعية
أعلنت الشيوعية في سوريا عام 1929م، حين تم تأسيس أول حزب شيوعي بسوريا على يد خالد بكداش، ولم يكن هذا الحزب على الهوى الستاليني في التبعية المطلقة للاتحاد السوفياتي ضمن منظومة الكومنترن الدولية، بل تأثر بظاهرة الجبهة الشعبية اليسارية في فرنسا وأنحاء أوروبا، وحاول خالد بكداش تطبيقه في سوريا، من منطلق اشتراكية البلد الواحد. ولأن الاشتراكية كانت تشكل العدالة الاجتماعية ارتفعت شعبية الحزب، خصوصا مشاركة الحزب في الحركة النضالية ضد الاستعمار الفرنسي. فأصبح الحزب الشيوعي في سوريا قوة بارزة في الحياة السياسية والاجتماعية، مما ساعد على تعلق المجتمع السوري بالمذهب الشيوعي منجرفين وراءه، مولعين بأفكاره.[3]
حينما تغلغل الفكر الشيوعي في المنطقة خصوصا سوريا، كان لابد أن يتدخل العلماء للحد من الفكر الشيوعي، فجاء الرد سريعا من العلامة البوطي الذي تمكن من تحديد مكامن الخلل عند الشيوعية من خلال كتابه “المذهب الاقتصادي بين الشيوعية والإسلام”، فقزم من هذا النظام وكشف أضراره وأن الإسلام هو البديل للأمة الإسلامية.
يقول البوطي: “”أما إذا تبين لنا أنه نظام وهمي يصلح، لأنه يعيش في الخيال فقط، فحسبك أن ترشد الناس إلى ذلك، كي يكفوا نفوسهم مؤونة البحث في قانون لا يمكن له أن يلقي بخطوة من وراء سور الوهم والخيال. على أننا إذ نتحدث في مناقشة المذهب الشيوعي، فإننا نتجه في حديثنا أولا نحو إخواننا الذين حادوا عن الطريق السوي أو كادوا، وتبنوا الفكر الشيوعي كمذهب لهم. ومعلوم أن الشيوعيين وعلى رأسهم ماركس، لا يكادون يقيمون للنقاش النظري المجرد وزناً. فهم لا يصيخون إلى أي تفكير يتحدث مثلا عن الروح، أو يحلل الأضرار النفسية التي تنبع من التطرف الشيوعي، ولكن أقرب ما يمكن أن يسترعي أذهانهم هو أن نتساءل معهم عن مدى واقعية هذا النظام الذي يدافعون عنه.””[4]
اعتبر البوطي رحمه الله أن الشيوعية أصولها من الفلسفة الشاملة التي تتبنى تفسيرا معينا للوجود والحياة بأسرها، وأن أصحاب هذه المذاهب الوضعية لا يملكون أن يقدموا أفكارهم ومنجزاتهم للناس لأنها غير صالحة.[5]
يقول البوطي: “”إن المذهب الشيوعي ليس كالمذاهب الأخرى، مجموعة أنظمة سطحية، بل هو تفسير جديد شامل للكون والحياة بأسرها، يقوم على منهج علمي دقيق، هو منهج الجدلية، في تعقب التطورات المادية، والأحداث التاريخية انساقوا من أزمَّة أنفسهم القابلة للانبهار إلى الخضوع له، ثم الانصباغ به.””[6]
ويضيف قائلا: “”ولا علاج لذلك سوى ايقاظ العقل والفكر إلى النظر والدراسة، بروية وموضوعية وعمق، دون خوف من المذهب على أنفسنا ولا خوف منا عليه.””[7]
ويتبين مما سبق أن البوطي رحمه الله هاجم الفكر الشيوعي الإلحادي بمنطق الفكر والعقل، وأظهر بقلمه الرشيق مَكَامن الضعف والاختلاف، وبين من خلال دراسته المعمقة أن هذا الفكر بعيد عن عقيدتنا التي تنبني على الإيمان بالغيبيات التي ينفيها الفكر الشيوعي، وقد أوضح البوطي ذلك بقدرة أدبية كبيرة وصلت إلى أذهان القارئ.
المطلب الثاني: رأي البوطي في السلفية المعاصرة
إن العودة إلى مذهب السلف والتزام منهجهم هو أمر واضح وبيّن، قائم على أسس متينة، غير أن البوطي رحمه الله شن حملة على أهل السلفية واعتبرها بدعة وضلالة لكنه لم يكفر أصحابها.
خاض البوطي أبرز معاركه الفكرية مع التيار السلفي، ودارت بينه وبين رموز التيار المذكور نقاشات مشهودة، حول مسائل أساسية في العقيدة وأصولها، دون أن يصل إلى حد القطيعة المنهجية مع المرجعيات التاريخية لهذا التيار، مثل الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم الجوزية أو حتى محمد عبد الوهاب، والذي ينتسب إليهم السلفيون المعاصرون.[8]
يقول البوطي: “”وظلت رياح الأهواء والبدع والضلالات، تتكاثر وتتسع، بعد ذلك، من عصر إلى عصر، إلى يومنا هذا.””[9]
ويمكن القول إن البوطي رحمه الله أثار وطرح مسألة ابتداع إطار جديد لجماعة إسلامية جديدة، من قلب دائرة الجماعة الإسلامية الواحدة، التي تسمى منذ أوائل عصر السلف بأهل السنة والجماعة. وربما كان يقصد الجماعة الوهابية التي تداعى صيتها في المملكة السعودية وانتشرت أيضا في سوريا. وربما أراد أن يبين المخاطر التي دعت إليها هذه الجماعة من انحرافات وابتداعات، التي تخالف ما جاءت به الشريعة السمحاء، أو قد يفهمها البعض من عامة الناس أنها من الدين، ومن تفسير النصوص واستخلاص المبادئ والأحكام.
يقول البوطي رحمه الله: “”ثم إن هذه الآراء الشاذة والمنحرفة ليست بالضرورة مستوجبة لكفر أصحابها وخروجهم عن الملة. بل فيها ما يشتد الشذوذ والانحراف فيه بحيث يبلغ درجة انكار ما هو معروف من الدين بالضرورة، فيجر ذلك إلى ما سماه رسول الله ﷺ بالكفر البَوَاح. وكذلك الخروج على قواعد المنهج المتفق عليه عند علماء اللغة ومن ثم عند علماء الشريعة الإسلامية، فيستلزم ابتداعا وربما فسقا وجنوحا عن الحق بدون عذر.””[10]
ثم بين وأوضح البوطي رحمه الله أن الاعتقاد عند السلفية في ارتكاب الكبائر من المعاصي يستوجب الكفر والارتداد عن الإسلام. وهو الغلو الذي وقع فيه الخوارج، بل إن كثيرا منهم كالأزارقة، يرون بأن ارتكاب المعصية أيا كانت تستوجب الكفر والخروج عن الإسلام، حتى لو انزلق الإنسان إليها خطأ أو بدافع الاجتهاد.[11]
يقول البوطي: “”وإنما وقع هؤلاء فيما وقعوا فيه من ضلال، من جراء غلوهم الذي جاء رد فعل لغلو الخوارج، وليس لهؤلاء ولا أولئك أي مستمسك من دليل أو شبهة دليل بتأويل أو بدون تأويل على هاتين الضلالتين اللتين انحطوا فيهما، سوى هذا الغلو الذي لا علاقة له بأي دليل.””[12]
ويمكن القول إن البوطي قد حمل على السلفية التقليدية بقسوة نافياً عنها احتكار مصطلح السلف، واصطدم مع السلفية العلمية التي يمثلها الشيخ ناصر الدين الألباني، فكانت اتهامات متبادلة وتقريعات، واعتبره مشبوها بسبب فتواه الشهيرة بأن تحول فلسطين إلى دار كفر.[13]
المطلب الثالث: موقف البوطي من القاديانية
القاديانية نسبة إلى غلام أحمد القادياني بالهند (1255هـ-1326ه/ 1835م-1908م)، حيث أعلن أن الله إنما وعد بظهور مثيل عيسى في الأرض لا بظهور عيسى نفسه، وأنه هو ذلك المثيل، فهو المسيح الموعود، ثم راح يزعم بأنه نبي ورسول مؤيد من الله، وصاغ لنفسه وحياً كالقرآن وابتنى لنفسه مسجداً في بلدة قاديان، وسماه المسجد الأقصى، وسمى بلدته مكة المسيح، وسمى أزواجه أمهات المؤمنين، وراح يجمع من حوله الشيعة والأتباع بكل وسيلة، والاستعمار البريطاني من ورائه يمده ويغذيه بشكل مكشوف وملحوظ.[14]
يقول البوطي رحمه الله: “”ولم يزل على حاله تلك يدعي النبوة ويكذب على الله وأنبيائه، ويضع القادياني نفسه للناس موضع عيسى بن مريم عليه السلام إلى أن رماه قضاء الله تعالى بالهيضة “داء الكوليرا “ومات في بيت الخلاء ساقطاً على وجهه، فكان موته عبرةً لأولي الأبصار.”” [15]
عملت القاديانية على التحريف والتأويل فصار صاحبها يحرف شرع الله كما يحلو له ويروقه، حتى أنه كان يرى أن الجهاد منسوخ لاسيما مع الانجليز ولا تجوز محاربتهم. مما جعل البوطي يرد على ادعاءات هذه الطائفة وينتقدها بسبب تحريفها ومخالفتها للعقيدة الإسلامية.
المطلب الرابع: موقف البوطي من الماسونية
تصنف الماسونية في جوهرها نبذ الإسلام وشل حركته ومحاربته، ونشر الإلحاد على أوسط نطاق في العالم، وقرنت نشر الإلحاد بنشر الانحلال الأخلاقي، ودعت إلى انهيار العقيدة الدينية.[16]
وقد جذبت الماسونية عددا كبيرا من أصحاب المصالح والنفوذ في العالم، لأنها استهوت أفكارهم ورغباتهم، وساعدت على تنفيذ مخططاتهم التي تتماشى مع الحركة الصهيونية.
ويذكر البوطي أن هذه الفرق تكونت داخل الحظيرة الإسلامية ولكنها شطحت حتى خلعت عنها رداء الإسلام وشرعت لنفسها ديناً جديداً أو تحللت منه ثم لم ترتبط بعد ذلك بأي دين.[17]
ولعل الأنظمة التي سادت في وقت البوطي ساعدت على انتشار مثل هذه التيارات، حتى تحارب الدين الإسلامي وتكبح مساعيه، وتغير من اعتقاداته، حتى أن سوريا قاومت وبشدة ضغط مصر وليبيا عام 1971م لجعل الإسلام دين الدولة. ونجحت سوريا في فرض النص الذي يعتبر الإسلام هو أحد مصادر التشريع وليس المصدر الوحيد.[18]
المطلب الخامس: موقف البوطي من العلمانية
العلمانية إنما انتشرت في البلاد العربية والإسلامية، تعبيرا عن التوجه الذي ظهر في أوروبا، نتيجة للخصام الذي قام هناك بين العلم والدين.[19]
فالنظام السوري دعا إلى التخلص من التقاليد البالية التي تعوّق التقدم ومنها قيم الله تعالى والدين والرأسمالية، وكل القيم النافذة في المجتمع القديم، وكنسها إلى متحف التاريخ. واعتناق القيم الوحيدة الجديدة وهي الإيمان الكامل بقدرات الإنسان. ودعا النظام أيضا إلى خلق إنسان عربي اشتراكي علماني يعتبر أن الله تعالى والدين وسائر القيم التي سيطرت على المجتمع في الماضي ليست سوى أصنام، وأن الدين هو صنيعة الإقطاع البائد، والاستعمار جعل العرب قدريين وخانعين. أما الإنسان العربي الجديد فهو الثائر على تلك القيم ويؤمن فقط بالإنسانية.[20]
فكانت هذه الدعوة بمثابة شرارة أشعلت وأججت مشاعر العلماء ورجال الدين الذين انتقدوا وتصدوا لمثل هذه الدعوة الخارجة عن الدين الإسلامي، ومن ورائها قصد تفريق الدولة عن الدين.
ورد البوطي رحمه الله في كتابه “يغالطونك إذ يقولون” على مدعي ومتبني العلمانية في سوريا، وأوضح بعدم صلاحيتها للمجتمع الإسلامي.
يقول البوطي: “”لو أن هذه الدراسة أوصلتنا إلى اليقين بأنه -أي الإسلام- عبارة عن مواضعات فكرية، وضعها البشر، ووضعتها الأجيال في عصر من العصور، لما اكتفينا بالدعوة إلى العلمانية، بل لدعونا المسلمين جميعا إلى أن يتحرروا من ربقة أفكار صنعها أناس أمثالهم في عهود غابرة.””[21]
ويقول أيضا في موضع آخر: “”لو أن دعاة العلمانية بدؤوا قبل كل شيء، فتجرؤوا وبرهنوا على أن الإسلام ليس حقيقة من الحقائق الكونية الثابتة، وأنه في مصدره وأحكامه ليس إلا وهماً من الأوهام، وركاما من أفكار رجال الدين المسلمين شأنه كشأن الركام الذي استيقنه الغربيون عن الكنيسة وتاريخها، أقول: لو أن دعاة العلمانية بدؤوا فبرهنوا على هذه الدعوى، إذ لعلمنا أنهم غيارى على العلم حقاً، ولناقَشْناهم عندئذ عن حقيقة الإسلام ومصدره: أهو حقا مواضعات وأفكار بشرية أم هو خطاب الله وحكمه.””[22]
فأدرك البوطي حقيقة دعوة العلمانيين التي دعت إلى تقزيم وحصر الدين في الأمور الروحانية، ولا داعي بأن يكون الدين الإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن بمعية الضغط الذي صدر من العلماء الأصوليين والوقوف ضد هذا التيار جعل الدولة تراجع نفسها قليلا، وتخفف من قيود العلمانية، فالدولة العلمانية الاشتراكية التي كان يقودها حزب البعث السوري باتت تروج لشهر رمضان وتخفض ساعات العمل إلى أربع ساعات. وعاد القسم بالله بعد أن تم حذفه بموجب الدستور الذي كان أقسم بشرفي ومعتقدي. وتصالح النظام العلماني والشؤون الدينية وأعيد الاعتبار إلى السنّة.[23]
فمن المؤكد أن الدور الذي قام به العلماء في المحافظة على الثوابت الدينية ضد الزحف العلماني كان له الأثر البالغ خاصة ما كتبه البوطي رحمه الله في الكثير من كتبه كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
يقول البوطي: “”فمحمد ﷺ بعث مؤكدا للعقيدة التي بعث بها سائر الرسل والأنبياء من قبله إلى جانب الشرائع التي كلف بإبلاغها، والمتضمنة أحكام العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية والنظم الاقتصادية والأحوال الاقتصادية والأحوال الشخصية ونظام الدولة الإسلامية. فإذا أصر هؤلاء الناس على أن يحصروا رسالة الدين في المشاعر الروحانية، فمعنى ذلك أنهم يصرون على أن يتجاهلوا بعثة محمد ﷺ.””[24]
ويمكن القول إن البوطي رحمه الله يتميز في قراءة الواقع ومكوناته، بأنه يحتكم إلى ثقافته الفقهية والأصولية الواسعة، فيقوم إزاء كثير من الأحداث المعاصرة، بتحليل عناصر الحدث، وترجيح الاتجاهات السائدة فيه قبل أن يصدر رأيه، على شكل فتوى أو تنزيل حكم شرعي عليه.[25]
فرد البوطي رحمه الله بشدة على ما يراه انحرافا عقدياً أو فقهياً، فخاض معارك مع التيار العلماني، الذي شرح مضامين توجهاته وانتقد بشدة أفكاره ومنهجه المنحرف البعيد عن العقيدة الإسلامية.
المبحث الثالث: خصوصية البوطي في الرد على قضايا الاعتقاد
ينتسب الشيخ البوطي إلى المذهب الأشعري في عقيدته، ويعرف ذلك من خلال الوقوف على آرائه في مسائل معينة وافق فيها الأشاعرة. وقد تناول في كتابه “كبرى اليقينيات الكونية” مسألة العقيدة الإسلامية، مما يتصل بالإلهيات والنبوات والكونيات والغيبيات، وهو التقسيم الذي اعتمده البوطي، ولا خلاف أن المنهج المتبع من لدنه يبين بالأساس أشعريته ودفاعه عن آرائها وتبسيط مفاهيمها، ويبحث في الردة، مبتعدا عن التوغل في الخلافيات، وعما فات أوانه وتجاوزه الزمن من التصورات، مفندا ما يصادم العقيدة من الآراء والنظريات.[26]
تظهر جليا أشعرية البوطي رحمه الله في قضايا العقيدة، وذلك حينما فرع كتابه “كبرى اليقينيات الكونية” إلى أربع مجالات التي تعتبر من أساسيات الأشاعرة وهي الإلهيات والنبوات والكونيات والغيبيات،
المطلب الأول: موقف البوطي من حرية الاعتقاد في الدساتير السورية المتعاقبة
يقصد بالحق في حرية الدين أو المعتقد في إطار منظومة حقوق الإنسان حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار دينية أو غير دينية في الدستور السوري.
- الفرع الأول: حرية الاعتقاد في الدساتير السورية المتعاقبة
تعبر النصوص الدستورية، المتعلقة بمسألة حرية الاعتقاد، عن الموقف السياسي والاجتماعي تجاه واحدة من أعقد القضايا التي تواجه المشرعين في المجتمعات المتنوعة ثقافيًا. ولاسيما عندما يعبر هذا التنوع عن نسب متفاوتة في الحجم، بين أغلبية ساحقة وأقليات غير مؤثرة، كما هو الحال في سوريا. إذ يمثل المواطنون، الذين يعدون أنفسهم مسلمين سنة عربًا، أغلبية سكانية كبيرة أمام أقليات متعددة ومتنوعة طائفيًا وعرقيًا، ستظل في مجموعها أقل حجمًا مقارنة بحجم الأغلبية.
في الواقع، إن الطبيعة الفكرية للنظام السياسي الحاكم في مجتمع ما، لا تؤدي دورًا حاسمًا في مدى احترام حرية الاعتقاد فحسب، بل إنها تحدد مفهوم هذه الحرية بالنسبة للمجتمع. فالأنظمة السياسية ذات الطابع الديني، أو الأيديولوجي، أو تلك التي يكون لأيديولوجيا ما دور في بيئتها القانونية، تُعرف حرية الاعتقاد بما ينسجم مع الأفكار والمبادئ التي تؤلف رؤيتها السياسية. لذلك كان لا بد من البحث في القضايا التي ينص فيها الدستور على دور للدين. كتحديد دين الدولة أو دين رئيسها.
كذلك الأمر بالنسبة للحريات الأساسية الأخرى، التي يتناولها الدستور إذ إن هناك ترابطا كبيراً، وتأثيراً متبادلاً، بين حرية الاعتقاد، بكونها إحدى الحريات الأساسية، وحريات الفكر والرأي والتعبير. بالتالي كان لا بد من الإشارة إلى هذه الحريات في معرض دراستي لحرية الاعتقاد.[27]
كما أن الدستور السوري يميز بين حرية الاعتقاد وحرية الفكر. وهو يذهب إلى قصر معنى المعتقد على العقيدة الدينية، أي الدين، إلا أنه لا ينظر إلى الفكر على أنه عقيدة لها خصوصيتها التي يتوجب كفالتها قانونًا، بل إن المشرع السوري يفسر حرية الفكر على أنها مجرد رأي الفرد أو موقفه تجاه القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. أخيرًا، تنطوي حرية الدين أو المعتقد على آثار بعيدة المدى في التواصل – وهي بالمناسبة، ترتبط، ارتباطًا عضويًا بحرية التعبير.[28]
- الفرع الثاني: موقف البوطي من حرية الاعتقاد
أثارت دعوة الدستور إلى حرية الاعتقاد وتحرير الفرد من أغلال الدين، حفيظة البوطي مما دفع به لاتخاذ موقف معاد لهذه الأفكار الداعية إلى فك الارتباط بالخالق.
يقول البوطي رحمه الله: “”إن على القائمين بالأمر منع أي دعوة إليها أو ترويج لها، اتباعا صريحا لأمر الله تعالى في كتابه إذ يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪يٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لِاثْمِ وَالْعُدْوَٰنِۖ﴾ [سورة المائدة الآية:3]، ويقول تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّة يَدْعُونَ إِلَي اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾ [سورة آل عمران الآية:104]، ولا ريب أن الدعوة إلى الأفكار والعقائد المخالفة للإسلام، من قبيل الإثم الذي حذرت من السكوت عليه الآية الأولى، والمنكر الذي حذرت من السكوت عليه الآية الثانية.””[29]
ويقول البوطي في موضع آخر: “”إن الدعوة إلى هذه الأفكار يعرض مرتكبيها ومروجيها لعقاب الله بدون ريب، ولكننا نتحدث عن واجب القادة والمسؤولين عندما يجدون من يفعل ذلك. وإننا نتحرك في كل الأحوال مع مقتضيات العقد الساري بين المجتمع الإسلامي وبين مالك الكون كله وهو الله عز وجل.””[30]
ويؤكد البوطي رحمه الله أن الإسلام هو أيضا دين يدافع عن حريات الإنسان في إطاره الشرعي الخاضع لله تعالى، يقول: “”لا شك أن الإسلام دين، ومعنى كونه دينا: أنه دعوة للناس جميعا إلى أن يصطبغوا بصبغة العبودية لله، بسلوكهم الاختياري كما قد صبغوا بصبغة العبودية لله بواقعهم الاضطراري، هذا معنى كون الإسلام دينا.””[31]
فالبوطي يدق ناقوس الخطر بسبب ترويج هؤلاء المخالفين للإسلام لأفكارهم، بل ويجتهدون لوضع مفاهيم تناسب سعيهم يضعونها في دساتيرهم الوضعية، وينادوا بضرورة الالتزام بها. غير أن البوطي رحمه الله فَنَّد أفكاهم وفضح توجهاتهم، فهم يمتطون ظهر الحرية قصد التلبيس على الناس وتغيير توجهاتهم بمعتقدات تنافي عقيدة الدين الإسلامي.
يقول البوطي: “”إذا كان رئيس دولة إلى جانب كونه مبلغا عن الله تعالى، سيجد نفسه ملجأ إلى أن يدير الحكم بين الناس على أساس محور الشورى، ولا يستطيع أن يبرم بأمر لم ينص عليه بيان الله ولا سنة رسوله إلا بعد الرجوع إلى هذا المحور، فهذه واحدة. وإذا رأى أن في المجتمع من ينحرفون إلى آراء مخالفة للإسلام، أو من يجتهدون اجتهادات معارضة لدين الله سبحانه وتعالى، أو من يريدون أن يعبروا عن أفكار تختلف كل الاختلاف عما ينادي به كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فليس السبيل الشرعي أن يصد أصحاب هذه الآراء الجانحة، أو أن يعاقبهم، أو أن يزجهم في السجون، أو أن يسكتهم… ما سمعت أن الإسلام الذي ابتعث الله به الرسل والأنبياء جميعا، ثم ابتعث به خاتم الرسل والأنبياء محمداً ﷺ، دعا إلى شيء من هذا كله.””[32]
يقول تعالى: ﴿اَ۟دْعُ إِلَيٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اِ۬لْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَۖ﴾ [سورة النحل الآية:125]
ونلفت الانتباه إلى أن البوطي بين وأوضح أن الإسلام لم يقيد حريات الناس في الاعتقاد بل ترك لهم حرية الاختيار، بل البوطي ضد من يروج ويدعو إلى ترك عقيدة الإسلام، يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اِ۬لْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرِۖ﴾ [سورة الكهف الآية:29].
يقول البوطي رحمه الله: “”أما أن يتبنى الإنسان عقيدة أو رأيا، ولا يقف عند حدود الحرية التعبير عن رأيه، بل يتجاوز ذلك إلى ترويجه ودعوة الناس إليه، فلا ريب أن ذلك محظور شرعاً بالنسبة للآراء المتفق على مخالفتها لعقائد الإسلام أو لشيء من مبادئه وأحكامه.””[33]
المطلب الثاني: منهج البوطي في تناول الدرس العقدي
لقد بسط البوطي رحمه الله أفكاره في علم التوحيد في كتابه “كبرى اليقينيات الكونية” الذي تضمن مختلف أقسام العقيدة الإسلامية عرضا وتحليلا من ناحية ونقداً لآراء غيره من ناحية أخرى، ضمن منهج علمي يفصل اليقينيات عن الظنيات أو الوهميات واضعا خلال ذلك ضوابط علمية يستدل بها.
ومن هنا أتت ضرورة استدعاء جل المعطيات الواردة في ثنايا كتابات الإمام البوطي قصد الإلمام بفكره وقاصده لنتمكن من توضيح تجليات تلك الخصوصية في الدرس العقدي عند هذا المفكر المشرقي من خلال هذا البحث.[34]
- الفرع الأول: ادعاءات التشكيك في وجود الله تعالى وموقف البوطي منها
ظهر في العالم العربي ثلة من المفكرين يدّعون نظريات جديدة في المعتقدات خاصة دلائل وجود الله عز وجل، وهم من صناعة الأنظمة الفاسدة لأجل تضليل الناس عن أحوال الإسلام والتشكيك في عقيدتهم، بإصدار فتاوى لا علاقة لها بالنصوص الشرعية ولا بالأئمة المجتهدين، بحجة أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وبحجية القاعدة الأصولية أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله.
ومن أبرز هذه الشخصيات التي انتقدها الإمام البوطي في أفكارها رمز الفكر الجزائري محمد أركون (1928م/2010م) صاحب كتاب “من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي”، والذي ادعى وجوب إعادة النظر في الإيمان بوجود الله تعالى، لأنه حسب رأيه أن الفكر العربي المرتبط بالله ليس له القدرة على مواجهة مشاكلنا في مجتمعاتنا الحالية.[35]
والدكتور طيب تيزيني (10 أغسطس 1934- 18 مايو 2019) هو مفكر سوري من مواليد مدينة حمص، من أنصار الفكر القومي الماركسي، يعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه الفلسفي لإعادة قراءة الفكر العربي منذ ما قبل الإسلام حتى الآن توفي عن عمر يناهز الـ 85 عاماً بعد صراع مع المرض في مدينته حمص. والذي شكك كثيرا في كتاباته عن قضية وجود الله، نظرا للتوجه الماركسي.[36]
يقول محمد عبده: “”إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره.””[37]
فقد أثرى البوطي رحمه الله نقده لمناهج هؤلاء المفكرين بإبطال نظرياتهم وإسقاطها في مسائل العقيدة. والحقيقة أن الناظر بموضوعية لهذه النظريات الفاسدة يجدها لا تتضمن أي منهج علمي ولا تهدّئ حيرة أي عقل سوي.[38]
يقول البوطي رحمه الله: “”أعتقد أن العمل على إقامة الشريعة الإسلامية في مجتمع ينتشر فيه مسلمون من هذا القبيل، ودون الالتفات إلى إصلاح حالهم الاعتقادية هذه، يشبه نثر البذار في أرض مستحجرة لم تمسها سكة حرث ولا طافت بها يد إصلاح.””[39]
وقد أثبت البوطي رحمه الله في كتابه “كبرى اليقينيات الكونية” دلائل وجود الله بطريقة علمية، وبين أن الوصول إلى هذه الحقيقة يستلزم منهجا دقيقا حتى تكون النتائج بيّنة ودامغة.
كما بيّن أن الغرب قد اتبع المنهج التجريبي القائم على التجربة والمشاهدة والذي اعتمد فيه على كل مقومات الاختراع والاكتشاف، غير أن هذا المنهج لا يصلح إلا في مجال العلوم الطبيعية الذي لا يجدي نفعا في مجال الإلهيات والوجود والخلق وهو مجال تخلف فيه الغرب بامتياز.[40]
يقول البوطي رحمه الله: “” يبدؤون البحث بفرض ما طاب لهم من النظريات والفروض في أذهانهم، كل حسب ما يروق له أو حسب وحي البيئة والمجتمع والدراسة التي نشئ في ظلالها. ثم راحوا يستخرجون الأدلة الاستنتاجية الملائمة لما سبق أن فرضوه واعتمدوه، كما راحوا بالمقابل يزيفون الأدلة التي تنتهض معتمدهم بدافع من محض الرغبة في ذلك.””[41]
ولهذا أثبت البوطي رحمه الله وجود الله تعالى ضمن منهج التدرج من الأدنى اعتمادا على الخبر اليقيني، وفي هذا الموضع قلد سابقيه، غير أن ما يُحْسَب له هو اعتماده على أمثلة عصرية في الاستدلال.[42]
واللافت للنظر تمكن البوطي رحمه الله من إثبات طريقة مميزة لوجود الله تعالى عن طريق التدرج من الأعلى، والتدرج من الأسفل، واستعمال دليل الغائية في الإثبات، وأن المخلوقات دليل على وجود الخالق، وهذه نزعة أشعرية بكل تأكيد. فالنظام السائد في الكون والصنعة البديعة في جمالية الخلق والطبيعة والفلك الذي يسبح في ملك الله ظاهرة لوجود الله الذي يسير الكون والخلق. وقد ساق البوطي رحمه الله أدلة عقلية ونقلية لإثبات وجود الله تعالى.
- الفرع الثاني: النبوات وموقف البوطي من الادعاءات
انطلق البوطي رحمه الله من منهج الأشاعرة في إثباته العقائد للأنبياء، واعتبرها من المعاني الغيبية التي لا تخضع لمقاييسنا المحسوسة، وجب الإيمان بها وتصديقها كما نزلت من علياء الله تعالى.
غير أن أصحاب الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة النبوة وإبعادها عما يرويه لنا بشأنها القرآن الكريم والمؤرخون وترويه صحاح السنة الشريفة، كما يحاولون تجريدها عن حقيقتها الظاهرة، وراح كل منهم يسلك إلى ذلك ما يروق لخياله من فنون التصورات المتكلفة الغريبة.[43]
صرح الكثير من المفكرين سواء الذين يحسبون على الملة الإسلامية أم المستشرقون أن الأنبياء والرسل استطاعوا بقدرتهم وذكائهم وضع تصورات هيكلية للمجتمع الذي عاشوا فيه، مستندين إلى الشعوذة والسحر لإبهار الناس بقدراتهم.
يقول البوطي رحمه الله: “”ولا يزال هؤلاء يتخيلون أن النبوة صنعة قائمة بذاتها في سوق الإشراق أو الكهانة والسحر والتنجيم. واعتبرت في التاريخ الغابر هي صناعة المقدسة في الحياة، ثم إنها ترقت مع رقي العقل البشري فتحولت إلى تنجيم، ثم ازدادت رقياً مع التقدم العلمي والعقلي فانقلبت إلى سحر، ثم إنها وصلت إلى قمة أدوارها التحسينية عندما ظهرت بمظهر النبوة التي تنسكب على قلوب أصحابها في محاريب الخلوة والإشراق الروحي.””[44]
وقد تعرض البوطي رحمه الله لهذه المواقف الضالة المجحفة في حق الرسل والأنبياء، وأبطل نظرياتهم بأدلة دامغة، وفند بذلك آراءهم بحجج علمية.
فقد أنكر هؤلاء الكثير من المعجزات التي أيد الله بها رسله عامة والنبي محمد ﷺ خاصة، وهي كثيرة ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر معجزة الخلود القرآن الكريم باعتبارها أول المعجزات التي أيد الله بها نبيه، الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر إلى غير ذلك من المعجزات، التي أبهرت عقول الكثير منهم بل وتصلبت في تصديقها.
يقول البوطي رحمه الله ردا على هؤلاء المغرضين: “”ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يفتؤون يروجون صفة العبقرية وحدها للرسول ﷺ ويبعدون اسم المعجزات والخوارق عن حياته يتجاهلون هذه الأحاديث المتواترة التي بلغت من الصحة درجة القطع، فلا يتحدثون عنها سلباً ولا إيجاباً كأن كتب الحديث غير ممتلئة بها.””[45]
وقد ادعى الكثير من خصوم الشريعة المحمدية التشكيك في المعجزات وما يتعلق بالوحي، حتى يغزو هذا الفكر الضال في عقيدة المسلمين بل يصير وسيلة حرب مباشرة للعقيدة الإسلامية وغرس أفكار الإلحاد في رؤوس المسلمين.
وقد رد البوطي بكل حنكة وعبقرية علمية على هؤلاء المشككين، فقال: “”فراحوا يروجون صفات معينة لرسول الله ﷺ كالبطولة والعبقرية والقيادة في عبارات من الإعجاب والإطراء، ويبالغون في الوقت ذاته في تصوير حياته العامة بعيدة عن كل ما لا يدركه العقل من المعجزات وخوارق العادات، كي يتم لهم إنشاء صورة جديدة للنبي ﷺ في أذهان المسلمين مع مرور الزمن، قد تكون صورة محمد العبقري، أو تكون محمد القائد، ولا ينبغي أن تكون على أي حال من الأحوال صورة محمد النبي ﷺ، إذ تكون جميع حقائق النبوة بما يحف بها ويستلزمها من وحي وغيبيات وخوارق، قد قذف بها بعامل هذا التتويج لألقاب العبقرية والبطولة البعيدين عن المعجزات والخوارق.””[46]
فهؤلاء لا يفهمون النبوة إلا على هذا الأساس، جهد بذله الرسول وسعى سعاه حتى أصبح بذلك نبياً، والنبوة في أوهام هؤلاء رديف تام لكلمة مُصْلِح التي كثيراً ما تتردد على ألسنتهم، وهم في هذا إنما يخادعون نفوسهم قبل أن يخادعوا أحداً سواهم.[47]
يقول البوطي رحمه الله: “”نحن كما تعلمون نسير في معالجة هذه القضايا بأسلوب حواري، ومن ثم لابد أن نفترض أن الطرف الآخر يمكن أن يعترض.””[48]
ومن هنا يتبين أن البوطي رحمه الله أبدى موقفه، وبرهن باستقراء تام حقيقة الرسل والأنبياء، وفند بطلان نظريات المدعين في تشكيك حقيقة الأنبياء والرسل، واستدل بأدلة علمية أثبت فيها الحقائق، وعلى هذا تظهر منهجية الأشاعرة في إثبات العقائد للأنبياء والرسل التي تستظل بموازين العلم والمنطق.
- الفرع الثالث: آراء البوطي في الكونيات والغيبيات
ظهرت في أوساط من يزعم أن الغيبيات التي جاء بها الإسلام وذكرت في كتاب الله تعالى، لا وجود لها لأنها غيبيات غير ظاهرة ولا ملموسة، ولأن منطق العقل لا يقبلها أبدا. ويتعامل مع المادة الموجودة التي تثبت حقيقة الوجود، فإذا كان هذا الوجود ملموسا يراه النظر ويطيقه العقل فهو حقيقة موجودة لا غبار عليها. وبالتالي أدخلوا على المسلمين شكوكا وريبة في معتقداتهم الغيبية، والتي لا توزن بميزان العقل بل نؤمن بها كما جاءت دون الدخول في تأويلها.
فهؤلاء المُفندون لفكرة الغيبيات مقتضاهم ودعواهم أن الغيبيات لا مكان لها في ساحة العلم، ومقتضى تعاملهم مع العلم، بل مع العلم وحده، وأن لا يكون لهم أية صلة بالغيبيات، لا من حيث الاتجاهات الفكرية، ولا من حيث التعاملات المعيشية.[49]
اجتهد البوطي رحمه الله وبين المنهج العلمي في فهم الغيبيات واعتقادها وأسال مداد شرحه للمسألة بأمثلة شافية وكافية وفند آراء من زعم أن الغيبيات لا وجود لها لتعارضها مع العقل حسب رأيهم.
عرفها البوطي رحمه الله فقال: “”المقصود بالغيبيات هنا كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني.””[50]
ولا مجال لمعرفة هذه الأمور أو تصورها لا من طريق القياس ولا غيره، لهذا بسط الإمام البوطي المسألة ضمن طرحه لهذا المبحث فحدد منهجا علمياً لفهم المغيبات تمثل في طرحه لعدة أمثلة والإجابة عنها.[51]
يقول البوطي في رده عن الفئة الرافضة للغيبيات: “”نعم هناك منهج علمي متبع يتضمن الضوابط والقواعد التي توصلنا إلى يقين مطابق للواقع في الأمور الغيبية التي هي محل البحث، كما أن ثمة منهجا علمياً متبعا يتضمن الضوابط والقواعد التي توصلنا إلى اليقين المطابق للواقع في الأمور المادية الخاضعة للتجربة والمشاهدة.””[52]
فأولئك الذين يتعاملون مع مَعِيّة العقل والعلم ولا مكان للمغيبات في معتقداتهم، ويرفضونها البتة ويتعاملون معها على أنها ظواهر كونية وتقبلها ضوابط المنهج العلمي. أما مسألة البرهان العقلي تتمثل في أمرين أهمها تميز الإنسان بالعقل الذي بواسطته تتحدد المفاهيم والمعطيات، والبرهان الثاني هي التجربة والمشاهدة من دلائل الله تعالى في كونه البديع الصنعة.
ومن المسائل التي غالط الماديون في وجودها حقائق وجود الملائكة ويوم القيامة والنشور بعد الموت وعذاب القبر وظهور المسيح الدجال، ومعجزة الإسراء والمعراج، إلى غير ذلك من الحقائق الغيبية، التي لا يدركها العقل البشري إلا بطريق الإيمان بها كما جاءت في السياق القرآني والسنة النبوية.
يقول البوطي رحمه الله: “”منهج الوصول إلى معلومات يقينية لأمور غيبية غير خاضعة للتجربة والمشاهدة، فيتمثل في أحد طريقين:
أحدهما طريق الاعتماد على الخبر اليقيني الذي يرقى إلى درجة التواتر. ثاني الطريقين ما يسمى بقانون التلازم، ويتم اللجوء إليه عندما لا يتوافر الخبر المتواتر الذي يثمر اليقين بمضمونه.””[53]
المطلب الثالث: موقف البوطي من الردة والتكفير
تعتبر قضية الردة من أهم المواضيع، لاسيما وأنه قد تم تداولها في كتب العقيدة الإسلامية، والذي يستوقفنا في هذا المطلب أن الكثير من أبناء جلدة الإسلام دعوا إلى الخروج من أحضان الشريعة والانزلاق نحو التيار الغربي الذي يرون فيه الملاذ الدافئ والمحرر من القيود التي أوجبتها الشريعة الإسلامية وطالبتنا بالامتثال لما فرضه الله تعالى على عباده المؤمنين.
يقول البوطي رحمه الله: “”فالمستعلن بردته عن الإسلام، داخل المجتمع الإسلامي، خارج على جماعة المسلمين بكل مقوماتها الدينية والوطنية والسياسية، صرح بذلك أو لم يصرح.””[54]
فهبّت نسمات قلم البوطي لتحرّك لواعج الشوق لمعالجتها، وها هي نسائم الدفاع تخالط بشاشتها في عقول من يقرؤها، ويحس أنه فعلا تصدى لكل التيارات الداعية إلى تغيير العقيدة الإسلامية. وكم أثار المبطلون النقاش عن قضايا كثيرة في أحكامها، وتجدهم يستظلون تحت ظل الإسلام، لكنهم يطلقون سموما للإطاحة بعقيدتنا.
فالحقيقة أن هناك تياراً يدعو إلى ترك ركن من أركان الإسلام والإيمان، أو إنكار حكم من الأحكام الإسلامية المعروفة من الدين بالبداهة والضرورة، كأن يبيح الفاحشة، أو قتل النفس بغير الحق، أو الربا عموماً. أو فعل شيء من العبادات التي يمارسها أهل دين من الأديان الباطلة، أو السخرية من أحكام الشريعة الثابتة والمعروفة كأن يسخر من الصلاة والصوم والزكاة والحج، أو يحتقر القرآن الكريم، والأذان والمساجد. [55]
وإذا كانت الدعوة لمثل هذه الأمور فهي لباس الردة عن الإسلام، خصوصا أننا وجدنا من روج لهذه الأفكار كمن اعتبر الحج والطواف من ثوابت الوثنية القديمة، وأن الأذان مزعج في أوقات معينة، فهي دلالة صريحة وواضحة على ما يناقض العقيدة الإسلامية.
فالبوطي اعتبر أن هؤلاء المروجين لمثل هذه الأقاويل هو إعلان عن الردة وبدء حرابة ضد الوجود الإسلامي وتمحيص عقيدته. والذي أراه أن البوطي رحمه الله وافق السلف بذكره موجبات الردة السالفة الذكر.
خاتمة
في ختام هذا البحث وقبل طرح الاستنتاجات المتوصل إليها، لا بد أن أشيد بالدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي مثَّل نموذجا فذاً، لمعالجته الكثير من القضايا ذات الصلة بالعقيدة الإسلامية، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.
فبعد هذه الرحلة المستفيضة، كان لابد من تسجيل أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث المتواضع وهي:
-اعتمد البوطي مناهج علمية في رده على الكثير من المواقف التي تبناها المنكرون والمشككون لأحكام الشريعة.
-مثل البوطي التوجه المحافظ للعقيدة الأشعرية وبرع في إبراز مواقفها وحججها العقلية، ولم يتوغل رحمه الله في الخلافات القائمة بين المعتزلة والأشاعرة، بل ركز اهتمامه على وضع الأدلة الدامغة.
-طرح البوطي أدلة الغيبيات لفهم مقصدها وطرح أمثلة معاصرة في إثباتها وبما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذا موقف يحسب له رحمه الله.
-وأشير في آخر سطور هذه الخاتمة إلى أسلوبه اللغوي البليغ والبسيط الذي يرن في آذان وعقول القارئ في آن واحد.
توصية
أوصي اللجان العلمية بتخصيص ندوات علمية عن شخصية البوطي والقضايا التي طرحها في كتبه، والتي ما تزال تحتاج لدراسة مستوفية عن أفكاره التي طرحها.
لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم برواية الإمام ورش.
[أ]
-الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، دار الحداثة مصر، ط3، 1988.
[ب]
-البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، لهشام عليوان وفادي الغوش، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت، ط1، 2012.
[ت]
-تاريخ سوريا المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011، لكمال ديب، دار النهار للنشر بيروت، ط1، 2011.
[ج]
– الجهاد في الإسلام، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط1، 1993.
[ح]
-حرية الإنسان في ظل عبوديته لله، للبوطي، دار الفكر المعاصر بيروت ودار الفكر دمشق، ط1، 1992.
[س]
-السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط14، 2011.
[ع]
-على طريق العودة إلى الإسلام، للبوطي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1981.
[ف]
-فقه السيرة النبوية، للبوطي، دار الفكر المعاصر بيروت، ط10، 1991،
-الفكر الصوفي ومنهجه عند الإمام البوطي من خلال كتابه “هذا والدي”، د. عبد اللطيف بن رحو، تقديم بوبكر سوغو، مطبعة يونس وجدة، ط1، 2021
[ك]
-كبرى اليقينيات الكونية، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط8، 1997.
[م]
-المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة، للبوطي، دار الفكر دمشق، 2008.
-المذهب الاقتصادي بين الشيوعية والإسلام، للبوطي، المكتبة الأموية دمشق، ط1، 1959.
-الماسونية، لأحمد عبد الغفور عطار، رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، ط:3، 1978.
– منهج الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دراسة العقيدة الإسلامية، لسلوى بن أحمد، نسيم الشام تونس، 2017.
-من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، لمحمد أركون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي بيروت، ط1، 1991.
[ن]
-نقض أوهام المادية الجدلية، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط3، 1985.
[ي]
-يخالطونك إذ يقولون، للبوطي، دار الصديق للعلوم دمشق، طبعة جديدة، 2010م.
المقالات
-مقال: مفهوم حرية الاعتقاد في الدستور السوري دراسة مقارنة لمهند البعلي موقع: https://rowaq.maysaloon.fr
-موقع https://ar.wikipedia.org/wiki
-موقع https://shamela.ws/index.php/author/985
-موقع https://www.alwahabiyah.com/ar/mostabserview
[1] من حصاد الأنترنيت، موقع https://shamela.ws/index.php/author/985، موقع https://www.alwahabiyah.com/ar/mostabserview، أنظر أيضا: كتاب الفكر الصوفي ومنهجه عند الإمام البوطي من خلال كتابه “هذا والدي”، د. عبد اللطيف بن رحو، تقديم بوبكر سوغو، مطبعة يونس وجدة، ط1، 2021.
[2] البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، لهشام عليوان وفادي الغوش، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت، ط1، 2012، ص:23-24.
[3] تاريخ سوريا المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011، لكمال ديب، دار النهار للنشر بيروت، ط1، 2011، ص:82-83.
[4] المذهب الاقتصادي بين الشيوعية والإسلام، للبوطي، المكتبة الأموية دمشق، ط1، 1959، ص:10.
[5] نقض أوهام المادية الجدلية، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط3، 1985، ص:7.
[6] المرجع نفسه ص:8.
[7] المرجع نفسه ص:8.
[8] البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، لهشام عليوان وفادي الغوش، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت، ط1، 2012، ص:85.
[9] السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط14، 2011، ص:11.
[10] السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص:110.
[11] المرجع نفسه، ص:112.
[12] المرجع نفسه، ص:112-113.
[13] البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، ص:170.
[14] موقع https://ar.wikipedia.org/wiki
[15] المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة، للبوطي، دار الفكر دمشق، 2008، ص:127-128.
[16] الماسونية، لأحمد عبد الغفور عطار، رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، ط:3، 1978م، ص:89-90.
[17] المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة، ص125.
[18] تاريخ سوريا المعاصر، ص:352.
[19] يخالطونك إذ يقولون، للبوطي، دار الصديق للعلوم دمشق، طبعة جديدة، 2010م، ص:37.
[20] تاريخ سوريا المعاصر، ص:351.
[21] يخالطونك إذ يقولون، ص:44.
[22] المرجع نفسه، ص:48.
[23] تاريخ سوريا المعاصر، ص:352.
[24] يخالطونك إذ يقولون، ص:49.
[25] البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، ص:83.
[26] البوطي الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، ص:256
[27] مقال: مفهوم حرية الاعتقاد في الدستور السوري دراسة مقارنة لمهند البعلي موقع: https://rowaq.maysaloon.fr
[28] مقال: مفهوم حرية الاعتقاد في الدستور السوري دراسة مقارنة لمهند البعلي موقع: https://rowaq.maysaloon.fr
[29] حرية الإنسان في ظل عبوديته لله، للبوطي، دار الفكر المعاصر بيروت ودار الفكر دمشق، ط1، 1992، ص:82.
[30] المرجع نفسه، ص:83-84.
[31] يخالطونك إذ يقولون، ص:124.
[32] يخالطونك إذ يقولون، ص:126.
[33] حرية الإنسان في ظل عبوديته، ص:81-82.
[34] منهج الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دراسة العقيدة الإسلامية، لسلوى بن أحمد، نسيم الشام تونس، 2017، ص:2
[35] من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، لمحمد أركون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي بيروت، ط1، 1991، ص:9.
[36] موقع https://ar.wikipedia.org/wiki
[37] الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، محمد عبده، دار الحداثة مصر، ط3، 1988، ص:82.
[38] منهج الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دراسة العقيدة الإسلامية، ص:14.
[39] على طريق العودة إلى الإسلام، للبوطي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1981، ص:115.
[40] منهج الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دراسة العقيدة الإسلامية، ص:13.
[41] كبرى اليقينيات الكونية، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط8، 1997، ص:53-54.
[42] منهج الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دراسة العقيدة الإسلامية، ص:22.
[43] كبرى اليقينيات الكونية، ص:187.
[44] المرجع نفسه، ص:236.
[45] فقه السيرة النبوية، للبوطي، دار الفكر المعاصر بيروت، ط10، 1991، ص:164-165.
[46] المرجع نفسه، ص:162-163.
[47] كبرى اليقينيات الكونية، ص:237.
[48] يخالطونك إذ يقولون، ص:295.
[49] يغالطونك إذ يقولون، ص:146.
[50] كبرى اليقينيات الكونية، 301.
[51] منهج البوطي في دراسة العقيدة، ص:55.
[52] يغالطونك إذ يقولون، ص:144.
[53] يغالطونك إذ يقولون، ص:144-145.
[54] الجهاد في الإسلام، للبوطي، دار الفكر دمشق، ط1، 1993، ص:213.
[55] كبرى اليقينيات الكونية، ص:367.