غزوة مؤتة أول معركة بين المسلمين والصليبيين | سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني
غزوة مؤتة أول معركة بين المسلمين والصليبيين | سلسلة خطبة الجمعة
للشيخ عبد الله بنطاهرالتناني
الحمد لله الذي جعل سيرة المصطفىﷺ على الكفر أشد وأنكى، وجعل الاقتداء به للإيمان اختبارا ومِحَكًّا، فلا يخالفه إلا الفساق الهلكى، وأشهد أن لا إله إلا الله إليه المفزع والمشتكى، وهو سبحانه وتعالى الذي أضحك وأبكى، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله تعطرت الأفاقُ بسيرته عنبرا ومسكا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم تصير فيه الأرضُ دكا دكا.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أو صيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
تعالوا بنا اليوم لنرجع بكم إلى أحضان السيرة النبوية، تلك السيرة التي جهلنا كثيرا من كنوزها، تلك السيرة التي لا نعرف منها حتى أسماء أحداثها، فكيف بمغزاها وفقهها؟ تلك السيرة التي تجسد لنا التطبيق العملي لكتاب ربنا، منها نتعلم أخلاق من بعث ليتم مكارم الأخلاق، بها نقف على مواقف من بعث رحمة للعالمين، منها نتعلم كيف نعالج مشاكلنا في ظل شرع رب العالمين.
في إطار التعريف بهذه السيرة النيرة، وفي إطار التذكير بهذه السيرة العطرة، نرفع اليوم الستار عن غزوة من غزواتـها، كان هذا الشهر شهر جمادى الأولى ظرفَها الزماني في السنة الثامنة من الهجرة، ألا وهي غزوة مؤتة؛ هل سمعتم بهذا الاسم؟ ما الذي وقع فيها؟ وما هي العبر والفوائد التي يمكن أن نستفيدها منها؟
الجواب على هذا لا يعرفه إلا القليل منا؛ وهذا يدل على مدى جهلنا بسيرة النبي الذي كلنا ندعي محبتهﷺ؛ ومن الغريب في الإنسان أن يجهل حياة من يحبه.
فمؤتة هي: قرية على حدود بلاد الشام، قرب مدينة الكرك بالأردن؛ أما الغزوة في اصطلاح علماء السيرة فهي: المعركة التي اشترك فيها رسول اللهﷺ، فإن لم يشترك فيها فتسمى بالسرية؛ ولكن معركة مؤتة نظرا لأهميتها، ولعدد الجيوش المشاركة فيها، سماها بعض علماء السيرة بالغزوة وإن لم يشترك فيها النبيﷺ، وأهميتها تكمن في أنها أول معركة بين المسلمين ودولة الروم الصليبية، وهي في ذلك الوقت أقوى دولة في العالم، رغم ذلك لم يتردد الصحابة رضي الله عنهم في الوقوف في وجه طغيانها.
أيها الاخوة المؤمنون؛ بعد أن عقد النبيﷺ صلح الحديبية مع كفار قريش في السنة السادسة من الهجرة، أرادﷺ أن يستغل هذه الهدنة ليمد ظلال الدعوة خارج الجزيرة العربية، مؤكدا بذلك أن الإسلام ليس دعوة إقليمية ولا عِرقية، لا يحده حدود جغرافية ولا لونية ولا لغوية، وإنما هو دعوة عالمية: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}؛ ولهذا أرسلﷺ رسائل إلى ملوك الأرض آنذاك، يدعوهم إلى الإسلام، ويقول لكل واحد منهم: «أسلم تسلم، يؤتيك الله أجرك مرتين»، ولكن واحدا من حملة هذه الرسائل، وهو الصحابي الجليل الحارث بن عمير، تعرض له أحد عملاء الصليبيين، واسمه شرحبيل، فقتله دون جنح أو جريمة، وحامل الرسائل لا يقتل في أي نظام، ولا في أي قانون، ولا في أي عصر، وكم من حملة الرسائل قتلهم أحفاد الصليبيين والصهاينة اليوم ظلما وعدوانا؟ من الصحفيين والعلماء والأطباء وغيرهم، وكل واحد من هؤلاء حامل رسالة في تخصصه؛ وأمثلة ذلك أكبر من أن تحصى، ولم يكن النبيﷺ ليسكت على هذه الجريمة النكراء دون جزاء، فأسفر ذلك عن غزوة مؤتة، وسوف أقدمها لكم إن شاء الله عبر أربعة مشاهد:
*المشهد الأول*
نشاهد فيه الرسولﷺ وهو يقوم بالتعبئة العامة للجيوش، وعددها ثلاثة آلاف مقاتل، فيعين الأمراء، ويقدم الوصايا، فيؤمِّر عليهمﷺ مولاه الذي تربى في حضنه زيد بن حارثة، فإن قتل فابن عمهﷺ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فشاعرهﷺ عبد الله بن رواحة، فإن قتل فليختاروا من بينهم أميرا، ثم قدم لهمﷺ وصية تحمل آداب الجهاد وقوانين الحرب في الإسلام، تلك الآداب التي تجعل الحرب في الإسلام رحمة، تلك القوانين التي لم يعرفها العالم المتحضر اليوم، لقد أوصاهمﷺ أن يدْعُوا أعداءهم -أولا- إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا بالله عليهم وقاتلوهم، وقال لهمﷺ: «اغزوا بسم الله في سبيل الله مَنْ كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغيروا، ولا تقتلوا، وليدا ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء».
انظروا رعاكم الله كيف كان الإسلام رحمة حتى في حربه؟! ممنوع في الإسلام قتل الأطفال والنساء والشيوخ ورجال الدين، ممنوع في الإسلام إتلاف الثروات الفلاحية، ممنوع في الإسلام هدم البنايات التحتية والفوقية، وكل من يفعل ذلك فالإسلام منه براء.
ونقف هنا -يا عباد الله- وقفة إجلال وتعظيم، أمام هذه الوصية النبوية لهذا الجيش المتوجه لقتال الصليبيين، لنقارنـها بما فعل الصهاينة والصليبيون على مر التاريخ بالمسلمين وغير المسلمين؛ بل بالبشرية كلها، لقد انتشرت الصليبية والصهيونية على بحر من الدماء، وعلى جبال من جثت القتلى، وأشلاء الضحايا الأبرياء، فالحروب التي أداروها قديما وحديثا، جاوزت كل الحدود في البغي والظلم والتعدي، لقد أبادوا السكان الآمنين، وخربوا مدنا بمن فيها، لم يحسبوا للأطفال ولا للنساء ولا للشيوخ ولا لرجال الدين أي حساب، وهدموا المستشفيات على مرضاها، وأحرقوا المحاصيل الفلاحية وحيواناتها، فاسألوا الأندلس والقدس، واسألوا البوسنة وكوسوفا وأفغانستان والعراق، واسألوا قبل ذلك هيروشيما ونكازاكي وبرلين، لتخبركم عن الحروب المدمرة التي شهدتها ساحاتها، باسم الحضارة، وفي عصر التبجح بالتقدم وحقوق الإنسان.
سموك يا عصر الظلام سـفاهة * عصر الضياء وأنت شر الأعصر
وتقدمت فيك الحضارة حسبما * قـالـــــوا فيــــا وحـشية المتـحضر
وتنورت فيــك الـعقـول وإنـمــــا * يقـــع الخـراب بـزلـــة الـمتنــــــــور
فاسألوا حروب الحضارة اليوم، لتدركوا كيف كان النبيﷺ رحمة مهداة، ولتدركوا معنى قول الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
يا أيها الاخوة المؤمنون؛ عند ما تجهز الجيش للخروج، بكى القائد عبد الله بن رواحة، فسأله أهله عن السبب، فقال: «أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول اللهﷺ يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}، فلست أدري كيف لي بالنجاة بعد الورود؟» لست أدري كيف أخلص نفسي من النار بعد ورودها؟
اللهَ اللهَ يا ابن رواحة يا شاعر رسول اللهﷺ! كيف تخاف من النار وأنت مقبل على الشهادة في الجهاد، ولا نخاف منها ونحن مقبلون على الحياة في الفساد!؟ فنحن والله أولى بالخوف من هذا الجفاء، وقد بلغت ذنوبنا في كل شيء عنان السماء.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…
*المشهد الثاني*
جيش الإسلام يصل إلى مؤتة وهي في حدود الأردن الآن فيفاجئه العدو الصليبي بعدد هائل وقد جمع له مائتي ألف مقاتل، وما ذا بإمكان ثلاثة آلاف أن تفعل أمام مائتي ألف؟ ولكن الصحابة -رضوان الله عليهم- رغم ذلك تقدموا، لأنهم يعلمون أن النصر لا يكون بكثرة العدد والعتاد، بقدر ما يكون بقوة الإرادة والإيمان، فخاضوا المعركة غير المتكافئة، فقاتل الأمراء الذين عينهم النبيﷺ بالترتيب حتى استشهدوا: زيد حارثة، ثم جعفر أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة؛ وروى ابن هشام: أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حارب حتى قطعت يداه فمات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأبدله الله ذلك بجناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء؛ كما قال النبيﷺ فيما روى الطبراني بإسناد حسن، ولذلك سمي بجعفر الطيار.
ثم اتفق الناس على قيادة خالد ابن الوليد رضي الله عنه، وحينما تولى القيادة نظر بثاقب فكره العسكري، فرأى أن استمرار الحرب في ظروف غير متكافئة، سيؤدي إلى استنزاف المسلمين دون مقابل، فقرر الانسحاب بتكتيك وبطريقة ظن العدو منها أنه إنما يجره إلى وسط الصحراء، وأن الإمداد تتوالى على المسلمين، وذلك حينما غَيَّر ترتيب العسكر فقدم وأخر، فتراجع العدو الصليبي من أجل ذلك، ويسمى الانسحاب على هذا النحو في الفن العسكري اليوم بالانسحاب الاستراتيجي، وعلى الرغم من ضراوة هذه المعركة، لم يستشهد من المسلمين سوى اثني عشر رجلا، في حين أوقعوا في العدو كثيرا من القتلى، والله تعالى يقول: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}.
*المشهد الثالث*
الرسولﷺ في المدينة، يكشف له جبريل عن نتيجة المعركة قبل أن يصل الجيش، فأخبر الناس باستشهاد زيد وجعفر وابن رواحة، وبأن القيادة تسلمها خالد بن الوليد ففتح الله على يديه وهو سيف من سيوف الله المسلول، فكان ذلك معجزة من معجزاتهﷺ حين أخبر الناس بتفاصيل المعركة قبل أن يصل أحد، ثم دعا أبناء جعفر وقد أصبحوا يتامى، فقال للناس فيما روى الإمام أحمد بسند صحيح: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يَشْغَلهم»، هذه هي السنة إذا مات أحد، أن نصنع لأهله طعاما، أن نواسيهم ماديا ومعنويا، ونحن قد انقلبت لدينا الموازين، فأصبحنا ننتظر ممن مات أن يصنع لنا أهله طعاما، كأن مصيبتهم لا تكفي عندنا؛ ولكن لو صنع أهل الميت الطعام فليس بحرام؛ لأن النبيﷺ لم ينه أهل جعفر عن تقديم الطعام للناس، وإنما بين هنا الأفضل والأولى؛ ويجب التنبيه هنا أن ما يسمى طعام العزاء يكون حراما إذا كان من مال الميت الذي ترك أيتاما صغارا؛ والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}.
*المشهد الرابع*
الجيش يصل إلى المدينة يقوده خالد بن الوليد، وقد تلقاه أطفال الصحابة بمظاهرات سلمية، مستنكرين رجوعهم دون تحقيق النصر على الأعداء، ويَحْثُون على وجوههم التراب مرددين: «يا فرار يا فرار! فررتم في سبيل الله»، ولكن الرسولﷺ الذي أدرك معنى ما فعل خالد تلقى الجيش بالترحاب، ونهى المتظاهرين قائلا: «ليسوا بالفرار؛ بل الكرار إن شاء الله»، أي سيعيدون الكرة مرة أخرى.
ولم يمض عام واحد حتى كان المسلمون يتحَدَّون جيوش الروم بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، كما لم يمض عقد واحد (عشر سنوات)، بعد وفاة النبيﷺ حتى كان هذا السيف المسلول خالد بن الوليد يعيد الكرة ويحقق للنبيﷺ الرغبة: «بل الكرار»، فيهزم الإمبراطورية الصليبية في خلافة أبي بكر رضي الله عنه…
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنين؛ إن سيرة الرسولﷺ ليست قصصا تتلى، ولا تراثا يزار، وليست لافتخار الأبناء بالآباء، ولا لمباهاة الخلف بأعمال السلف، وليست تاريخا نقف عند أحداثه فحسب؛ بل هي للاقتداء والاتباع، بل هي لإصلاح ما فسد منا، وتقوية ما ضعف فينا، نقوي بها إرادتنا، ونعزز بها كرامتنا، ونزيد بها من إيماننا، بأن النصر من عند الله، وبأن النصر مع الصبر، وبأن مع العسر يسرا، وبأن طريق النصر مرتبط بمدى نصرنا لدين الله تعالى، يقول سبحانه: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، ويقول سبحانه: {ولينصرن الله من ينصره}، هكذا كان السلف الصالح فانتصروا، وفتح الله عليهم وهم قلة، أما نحن فنسمع السيرة كأننا نشاهد فيلما في الشاشة، نتفرج ونتعجب، فإن سلمت الأحوال افتخرنا بما مضى من إسلامنا وأسلافنا، وأخشى أن نكون كما القائل:
بلينا بأقـوال الـذيـــــــن إذا رأوا ۞ فعال كرام الناس قالوا: لنا سلف
وآباؤنا كانوا ملوكا على الورى ۞ وكانوا رجال العز والمجد والشرف
نعـم إنهـم كانـوا رجالا وســـادة ۞ ولكننـا يا صـاح من أقبـــــح الخلـف
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…