منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فن المسرح|| الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟ (الجزء الثاني) 

محمد الخطيب

0

فن المسرح|| الفن … دور أم مهمة أم رسالة؟ (الجزء الثاني)

بقلم: محمد الخطيب

  • هل كل ما يقدم للجماهير يستحق أن نسميه فنا؟

للتوضيح كل ما أكتبه نابع من خلال قناعاتي الشخصية، ومن تجربة في الميدان، وخصوصا فن المسرح، فقلما أعتمد على المراجع لأني أعتبرها رأيا شخصيا من فنان آخر ولكنه سلك مسلكا أكاديميا يعتمد على نظريات متعددة يقارن بينها لتأكيد نظريته أو لتفنيد نظرية أخرى، وبالتالي فأنا مقتنع بوجهة نظري، وأجتهد من أجل التوازن بين ملكتي الفطرية وبين ما اكتسبته من معارف، ودربة؛ رغم أني لا أمتلك مساطير وقواعد أكاديمية.

الجواب على هذا التساؤل لا نجده بين طيات الكتب، وإنما هو موجود في الساحة أمامنا عبر شاشات التلف(زات)، فالمسلسلات تتناسل كمطر منهمر (استدرك للأمانة الفنية: ليس كل المسلسلات رديئة) واحتراما للأشخاص فلن أسمي أو أعين أي منتوج فيكون كلامي بالعموم.

المسلسلات، العروض المسرحية …:

عموما تكون القصة الدرامية مقبولة كفكرة فنية، ولكن كشكل فهي تسيء إلى فكر الجمهور عبر حوارات تهدم ببطء نسيج (أكتفي ببعض الأمثلة فقط):

  • قيم أخلاقية، تجمع بين علاقة الأبناء بالوالدين، فالمتفرج يجد نفسه أمام مشهد ابن يثور على والديه لحد أن صوته يرتفع أمامهما، وقد يصل إلى درجة القيام بحركات فارغة من أي احترام بيديه أمام والديه، فيغيب شيئا فشيئا الأمر الإلهي: (وبالوالدين إحسانا)، فأصبحنا نسمع ونعيش هذا الواقع الذي بدأ في تخريب العلاقات العائلية. وما يحز في النفس أننا نجد حاملي هاته الرسائل الهدامة فنانين من الشباب والحاصلين على شواهد أكاديمية من معاهد عليا، بل أكثر من ذلك فهم غالبا ما ينخرطون في برامج توعوية؛ وإذ هي ثنائية لا تستقيم.
  • العلاقات الاجتماعية لا تفلت بدورها من معول الهدم تحت يافطة (l’être moderne)، (الإنسان المتحضر)، فيجد الجمهور نفسه أمام أعمال فنية لغتها عامية يفهمها الكل ولكن الشخصية لا تمت للواقع بأية صلة، فنجد قيم الأخوة قد أصبحت ملغومة بين الأخ وأخيه وأخته وأبيه وأمه وخاله وعمه وأبناء العمومة وأبناء الأخوال، فيَحُل بكل قوة مفهوم المصلحة الشخصية: الابتزاز، الخيانة، الحرية الشخصية المطلقة، وتتجلى في التحرر من كنف العائلة، وذلك بالاستقرار الفردي خارج سكن العائلة ولا سيما فيما يخص الفتيات، وجلنا أو كلنا تتبعنا بعض حلقات من مسلسلات تظهر فتيات تحررن من حضن العائلة ليعشن بعيدات عن منزل الأب والأم، ناهيك عن النقاشات المتشنجة والتي يعلوها إلقاء فيه صياح لا مبرر له سوى إبراز موقف القوة الزائفة، والمواقف الواهنة.
  • من جهة أخرى العروض المسرحية فهي تنقسم إلى مستويات معينة: فمنها التجاري المحض والذي يعتمد على بعض تقنيات الفودفيل (Vaudeville) مثل: الكوميديا، الموسيقى، الرق. والفودفيل كان من أشكال الترفيه المسرحي ارتبط بكندا والولايات المتحدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل الثلاثينات، وتشمل، الألعاب البهلوانية، السحر، عروض الحيوانات المدربة، وغيرها من الفنون.

غالبا ما نجد ريح الكوميديا الفرنسية حاضرة في هذه العروض رغم اجتهاد المؤلف، والمخرج، والسينوغراف، والطاقم التقني من أجل إعطاء العرض المسرحي نفسا مغربيا، فتأتي المواقف الساخرة المبتزة للضحك باهتة لا ترقى إلى الحدث والموقف الكوميدي الساخر كما نجده في الكوميديا الفرنسية مثل:

  • البخيل (L’avare): مسرحية تسخر من البخل والجشع
  • طرطوف (Tartuffe): مسرحية تنتقد النفاق الديني والاجتماعي
  • النساء المتعلمات (Les femmes savantes): مسرحية تسخر من النساء اللواتي يدعين المعرفة والثقافة

فإذا رجعنا بذاكرتنا إلى بعض العروض المسرحية لا سيما التي تطل علينا من خلال الشاشة الصغيرة، فإننا نجد الشخصيات المشار إليها أعلاه؛ فهل شخصية البخيل العربي تشبه في تفاعلها مع الحدث تفاعل شخصية البخيل الفرنسي؟ وكذلك هل تفاعل المنافق العربي بفطرته المسلمة يشبه تفاعل المنافق الأوروبي بفطرته الدينية الكنسية المنحرفة؟ وأخيرا بأي معيار نشخص نساء عربيات يتعالمن مقارنة مع المتعالمات الغربيات؟

وحتى لا أتهم بالتطرف في إصدار الرأي، أقول إن هذه العروض المسرحية تسرق من المتفرج لحظة ينسى فيها همومه وآلامه وواقعه المهترئ، فينفس عن اكتئابه باستخراج بعض المرح السوداوي الكامن في عمقه، رغم بعض الحوارات الخادشة للأخلاق، وبعض الإيحاءات ووو…

ونجد عروضا مسرحية أخرى تحاول أن تقدم فرجة مشهدية ذات مستوى جيد كتابة وإخراجا وتشخيصا، ورغم اجتهاد مجموعة أعمال مسرحية وجديتها، فهي تبقى حبيسة نظريات غربية قد تكسوها برداء إبداع مقبول من طرف الجمهور على مستوى الكتابة الجادة وكذلك الإخراج والتشخيص وتوظيف التقنيات المكملة للعرض المسرحي، وختاما لا أنسى ذكر بعض الفرق المسرحية التي تقدم للمتفرج عروضا مسرحية هي أقرب من هوية المتفرج على مستوى كتابة النص الدرامي، والتشخيص، ويبقى الاجتهاد على مستوى الإخراج محمودا باعتماد التقنيات الحديثة على مستوى تعامل المخرج مع النص والفضاء، وكذلك السينوغرافيا، وحتى التشخيص.

لا أعتبر ما كتبته تقييما وإنما وجهة نظر شخصية تفاعلت مع مجموعة من الأعمال المشهدية سواء التي تعرض على الشاشات الصغيرة أو في قاعات المسارح.

يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.