أساليب التلطف العربية «دراسة لغوية تداولية»
أساليب التلطف العربية «دراسة لغوية تداولية»/ الأستاذ يونس اعنزوول
أساليب التلطف العربية “دراسة لغوية تداولية “
بقلم: الأستاذ يونس اعنزوول
باحث بجامعة محمد الأول
ملخص البحث
أساليب التلطف هي ” مجموعة من الإجراءات التعبيرية التي تسمح باستبدال معنى حاد بآخر أكثر مقبولية “ بسبب جملة من الدوافع الثقافية، والنفسية، والاجتماعية… هذه الإجراءات تتوسل للخروج من حيز الوجود بالقوة إلى الوجود الفعلي بأضرب شتى من فنون القول خاصة المجاز. يحاول هذا البحث من خلال دراسة لغوية تطبيقية أن يُنَزل أهم المفاهيم التداولية من قبيل القصد والإفادة والمقام والسياق والفعل الكلامي على هذه الأساليب حتى يخرج مكنونها، ويوضح صورتها؛ وذلك بتحليل سياقات ورودها الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية… ثم رصد أهم التقاطعات بين التداولية العربية القديمة، ونظيرتها الغربية الحديثة من خلال هذه الأساليب.
الكلمات المفاتيح: أساليب، تلطف، تداولية، سياق، مقام، فعل كلامي، قصد، إفادة، قرينة
الحمد لله اللطيف بأوليائه، المترفق بأصفيائه. يعفو عن الخطأ الكبير، ويتلطف فيما جرت به المقادير. منَّ علينا بنعمة الكلام، بأن رزقنا اللسان والجَنان، فأمرنا بتحسين القول، والعدول عن الخنا والفحش، فقال سبحانه: ﴿ وقولوا للناس حُسنا﴾. وأصلي وأسلم على من ابتعثه الله رحمة للعالمين، فشهِد له العدو قبل الصديق بالخلق القويم، والهدي المستنير. وكسب قلوب الخلق بالترفق واللين؛ ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفَضُّوا من حولِك﴾.
أما بعد،
فإنه كما يكون التلطف بلسان الحال، فإنه أيسر مؤونة، وأقل تكلفة بلسان المقال. فهل سنخسر شيئا إذا ترفقنا في القول؟
أبدا، إنها تجارة مربحة تجعلك تكسب وِدَّ الآخرين بالعبارة اللطيفة، وتجتنب ما يخدش الحياء بالإشارة الرقيقة، وتسوق النبأ الفاجعة إلى الأنام بالكناية الذكية.
يتعلق التلطف في الكلام بأصلين عظيمين عليهما مدار حياتنا، وسبب نجاتنا؛ القرآن والسنة. فالبارئ جل علاه حيِيٌّ يَكْنِي، وكذا رسوله الأمين. والبحث فيه محاولة جادة للمصالحة مع الذات والقيم، ومع الخُلُق النيّر، خاصة خلق الحياء، لا سيما بعد تواري التلطف في الكلام خلف جدار المكاشفة والتصريح في هذا الزمان بشكل يخدش الحياء، خاصة عند فئة الشباب في أنديتهم، ومجالسهم. أو عندما يقهرُ الغضبُ سلطان العقل لأتفه الأسباب كالتعصب لفريق رياضي على حساب آخر، وما نبأُ المباريات الرياضية عنا ببعيد؛ قذف وشتم، وسِباب ولعان، فتتحول اللغة من وضعها الطبيعي إلى حالة مرضية.
حاولت خلال هذا البحث أن أقدم تصورا شاملا عن أساليب التلطف العربية بالوقوف على تعريفها، مبرزا خلاف المحدثين في ترجمة المقابلات الأجنبية، وموفقا بينها وبين مظان ذكرها في كتب التراث. ثم عدَّدَت الإجراءات الأسلوبية التي يُتَوسَّلُ بها للتلطف مع الاستشهاد على كل وسيلة بما يوافقها من أمثلة ونماذج. وبينت أهم الدوافع والأسباب المعلنة والمتوارية التي تدفع الناس للتلطف، بوعي منهم أو بدون وعي. فكلما ارتقى داعي التلطف وسما في نفس صاحبه، كلما تكاثرت العبارات التلطفية الدالة عليه.
ثم ثنيت بمحاولة كشف النقاب عن البعد الاستعمالي لأساليب التلطف، من خلال دراسة تداولية تطبيقية. فلاستيعاب المعاني الخاصة، والمغازي العامة لا بد من استدعاء جملة من المفاهيم المندرِجة ضمن الحقل التداولي من قبيل: السياق، المقام، القصد، الفائدة…. لتخدم هذا الهدف. وذلك بتحليل سياقات ورودها الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية…. دون إغفال ما يتعلق بالسياق الزماني، والمكاني. أما الدراسة المقامية فبينت بالملموس كيفية تداول أساليب التلطف من خلال علوم البلاغة الثلاثة خاصة المعاني والبديع. ولعل مفهوم الفعل الكلامي لا يقل أهمية عن باقي المفاهيم، فإسقاطه على العبارات المحسنة يبين أنها تنجز أفعالا كلامية كاملة تماما كباقي أساليب القول. ولكن التنقل عبر مراحل الفعل الكلامي الثلاث: (فعل القول، ويليه الفعل المتضمن في القول، ثم الفعل الناتج عن القول) يحتاج أولا إلى تحديد فعل القول بناءً على مقصد المتكلم، لأن الاكتفاء بحرفية العبارة يخلط الأوراق. خصوصاً وأن عبارات التلطف لا تُفَكُّ رموزها إلا بإصابة معنى المعنى كما سنرى تباعا.
وفي الختام عملت قدر المستطاع على رصد أهم التقاطعات بين التداولية العربية القديمة، ونظيرتها الغربية الحديثة، لأفرد بعد ذلك الخلاصات المتعلقة بهذا الشأن في ذيل البحث.
أساليب التلطف: مفهومها وسائلها ودوافعها
أولا: مفهوم أساليب التلطف
تحوم مادة (ل ط ف) في اللغة حول معاني جد متقاربة، كالرِفق والخفة والدقة والخفاء. قال ابن فارس: اللام والطاء والفاء أصل يدل على رفق…)، فاللطف: الرفق في العمل، يقال هو لطيف بعباده أي رؤوف رفيق.([1]) وجاء في اللسان: اللطيف: صفة من صفات الله واسم من أسمائه… ومعناه، والله أعلم، الرفيق بعباده، قال أبو عمرو: اللطيف هو الذي يُوصِلُ إليك أربَك في رِفْق… فأما لطُف بالضم، يلطُفُ فمعناه صغُرَ ودَقَّ. وفي حديث الإفك :” ولا أرى منه اللطف الذي كنت أعرفُهُ ” أي الرفق والبر… والتلطف للأمر: الترفُّق له، وأُمٌّ لطيفةٌ بولدها تُلْطِف إلطافا.([2])
اصطلاحا يصعب الوقوف على تعريف جامع للتلطف في اصطلاح الدارسين، بسبب التباين الناشئ عن ترجمة المقابل الأجنبي للتلطف، وهو “Euphemisme” أو Well” speaking” ([3]) ترجم له أحمد مختار عمر ب “التلطف ” وعرفَهُ بأنه” إبدال الكلمة الحادة بكلمة أقل حدة أو أكثر قبولا.”([4]) وهو عند الدكتور كمال بشر “حسن التعبير” أي ” استبدال كلمة بأخرى مع كل شيء مقدس، أو خطير، أو مخيف. “([5]) ويستعمل الدكتور محمد علي الخولي “لطف التعبير“. أي “استبدال تعبير غير حاد بآخر أكثر مقبولية منه.”([6]) أما الدكتور كريم زكي حسام الدين فيزعم أن أفضل مصطلح يمكن استعماله في هذا الشأن هو “تحسين اللفظ“([7]). لأنه يضرب بجذوره في أعماق التراث العربي الإسلامي؛ فقد ذكر الثعالبي (ت 385) مصطلح “تحسين اللفظ” في معرض حديثه عن الكناية قائلا: ” إنه يكني عن الشيء فيُذْكَرُهُ بغير اسمه تحسينا للفظ، أو إكراما للمذكور.”([8]) كما استخدم أبو العباس الجرجاني نفس المصطلح في مواضعَ عدةٍ من كتابه “كنايات الأدباء وإشارات البلغاء” منها مثلا: “وروي أن رجلا قال للشعبي رحمه الله تعالى: ما تقول في رجل قَبَّلَ أُمَّ امرأته؟ فقال له: أعن صَبوحٍ تُرَقِّق؟ حَرُمت عليه امرأته. وأراد به: أعن فجور تُكَنّي؟ فكان سؤال السائل كناية، وجواب الشعبي إشارة تحسينا للفظ “([9])
واستعمل الثعالبي مصطلح التلطف بصيغة الجمع في قوله: ” ومن لطائف الأطباء كنايتهم عن حشو الأمعاء، بالطبيعة، والبراز، وعن سيلان الطبيعة الخُلْفَة، وعن القيام لها بالاختلاف”([10]) كما يذكر قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿هيَ راودَتْنِي عن نَّفسي﴾([11]) قائلا: “فسبحان الله ما أجمع كلامه للمحاسن واللطائف“([12]) واستعملَهُ في موضع آخرَ بصيغة الفعل في قوله: “انظر كيف لطَّف هذا الشاعر بحِذقِهِ للكناية عن فرج الأم بقوله مطلب أنفه…”.
لقد استفاد المحدثون من تأصيلات القدماء، ومن انفتاحهم على الغرب للحسم في وضع المصطلح المناسب، بالرغم من تباينهم وعدم اتفاقهم على مصطلح يلم فرقتهم، (التلطف، التحسين اللفظي، حسن التعبير، لطف التعبير). بينما ربط القدماء دائما بين موضوع التلطف، وبعض الظواهر البلاغية بحكم تلبُّسها به خاصة الكناية التي حظيت بنصيب الأسد؛ فقد وجد التلطف فيها مرتعا خصبا يسمح له بالحياة، والنمو… ذلك أن الكناية تعدِلُ عن الاسم الصريح إلى آخر يومئ إليه لأسباب شتى؛ فهي تتفق مع ما ترمي إليه لطائف الكلام في العربية من أهداف وغايات معلنة ومضمرة، وهو ما أشار إليه أبو العباس الجرجاني بقوله:
“واعلم أن الأصل في الكناية: عبارة الإنسان عن الأفعال التي تستتِرُ عن العيون في العادة، من قضاء الحاجة، والجماع، وما يجري معهما، وما يقرُبُ منهما بألفاظ تدل عليها غير موضوعة لها، تنزيها عن إيرادها على جهتها، وتحرزا عما صيغ لأجلها، إذ الحاجة إلى ستر أقوالها كالحاجة إلى ستر أفعالها، فالكناية عنها خِدْرٌ لمعانيها، يستتر بها عُوارُها، ويحتجب عن الأسماع شنارها.”[13]
أما الأسلوب، فيقصد به طريقة الكتاب في كتابته (…) ويقال: أخدنا في أساليب من القول: فنون متنوعة.([14])
و جاء في “الكليات” للكفوي بأنه الفن والطريقة والجمع أساليب.([15])
والذي نميل إليه هو اختيار الأستاذ البشير التهالي([16]) “أساليب التلطف”، لأنه أنسب من غيره، وأبلغ في عبارته؛ فالتلطف في الكلام لا يتم بأسلوب واحد من أساليب اللغة وفنونها، بل يتحقق بالكناية تارة وبالتعريض في أخرى، ومرة بالاستعارة، ومرة بالإبدال والقلب…. فهذه الأساليب هي بمثابة الأنهار والروافد التي تصب نحو غرض واحد هو التلطف. أما مصطلح “التحسين ” فلا أستحسنه بسبب تعلقُّه الضمني بكل ما هو قبيح فقط، فاللفظ لا يُحَسَّنُ إلا إذا كان منطويا على مدلول قبيح، أو مستهجن. أما التلطف فيتناول القبيح والحسن على حد سواء. أما الأول فيقلِبُهُ إلى حسن. وأما الثاني فيزيده حسنا إلى حُسْنِه.
تقوم تعريفات المحدثين بالأساس على إبدال كلمة بأخرى لسبب ما فكلمة (الموت) مثلا تستبدل بكلمة (المنية)، لأنها تثير الفزع والخوف عند طرفي العملية التواصلية أو أحدهما.
إذن يتم إبدال كلمة أو تعبير بآخر لأسباب معينة منها: القدسية، الخوف، الخطورة…. ومنه، نخلص إلى أن هذه التعريفات تقوم على أربعة قوائم وهي:
- الكلمة الأصل (الموت، الجماع….)
- الكلمة البديلة (المنية، المباشرة….)
- علاقة الاستبدال؛
- السبب (الحياء، التأدب، الخوف….)
بناء عليه، يمكن القول: إن أساليب التلطف هي:
” مجموعة من الإجراءات التعبيرية التي تسمح باستبدال معنى حاد بآخر أكثر مقبولية “
ثانيا: وسائل التلطف ودوافعه
يُقصد بالوسائل مختلف الإجراءات التي يتخذها هذا السلوك اللغوي مطايا لبلوغ وجهته المرجوة، وقد أحسن الدكتور كريم زكي حسام الدين صنعا في العرض لهذا الجانب بدقة متناهية وجعل هذه الوسائل خمسا، وهي:
1- التحول المجازي:
المجاز- بلا شك – حيلة من لا طاقة له بالإفصاح والتصريح المباشر، وبُلْغَةُ من أراد نيل المحاسن النَّضِرة بالألفاظ الجزلة، ومنه التعبير عن الزفاف بتأليف الشمل واتصال الحبل.([17]) وعن القبر بالتربة والمضجع والمرقد والمشهد،([18]) كما يعبر عن الجماع بإسبال الستر، وإغلاق الباب، والملامسة والإفضاء، وذوق العُسَيْلَةِ، والملابسة، والتقاء الرَّفْغَيْن، والإتيان، والمباشرة…([19])
2- التحول الدلالي:
ويراد به “التحول من المعنى المراد التصريح به إلى معنى آخر ملازم له، أو ناتج عنه” ومثال ذلك التعبير عن الجماع في اللغة الإنجليزية بالنوم، أو الذهاب إلى الفراش، go to sleep, go to bed with، ويعبر كذلك عن الجماع بالغسل والتعبير عن المكان الذي تقضى فيه الحاجة بالمَلْعَنِ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاث: البَرازُ في الموارد…» فأصبح كل من يُحدِث في المكان غير المعتاد مستحقا للعنة الناس. وعن عمر رضي الله عنه أن امرأة اشتكت له قلة غِشيان زوجها لها فقال الزوج أنا أغتسل عنها كل شهر مرة. فالغُسل يدل على الجماع لأنه ناتج عنه. ويكنى عن السُّؤَّال والمُكْدين([20]) بقراء سورة يوسف لأنهم يكثرون من قراءتها في الأسواق والجوامع لأنها من أحسن القصص، فغدا هذا الوصف غالبا عليهم دالا على حِرْفتِهم، أو حفاظ سورة يوسف.
3- التوسع الدلالي:
ويقصد به “الانتقال من المعنى الضيق المراد التعبير عنه إلى معنى آخر أكثر اتساعا وشمولا”، وأحسن الأمثلة التي تفي بالغرض في هذا النوع الثالث هي تلكم الآيات القرآنية والأحاديث المروية المتعلقة بالجماع. كقوله تعالى: ﴿ ولا تُبَاشِروهُنَّ وأنتمْ عاكِفونَ في المَساجدِ﴾([21]) وقوله: ﴿ أوْ لامَسْتُمُ النساءَ فلمْ تجدوا ماءً فتيمَّموا صَعيداً طيِّباً ﴾([22]) فالمباشرة تعني التقاء البشرتين، ويراد بها في هذا المقام معنى خاص؛ وهو الجماع كذلك الشأن نفسه بالنسبة للملامسة، وهو المس والجس باليد.
4- الإبدال الصوتي:
ويصطلح عليه كذلك بالقلب الصوتي، والتحريف الصوتي عند بعض المحدثين. إن الأثر الناجم عن التحرج من استعمال المفردات لا ينحصر في الاستعمال المجازي بل يتجاوزه إلى التحريف الصوتي للكلمة، وذلك عن طريق الإبدال لتخفيف ما تنطوي عليه الكلمة من الخطر أو الاستهجان، دون أن ينقص ذلك من قيمتها الدلالية.([23]) ومثال الإبدال الصوتي في لغة العرب ما نجده من العبارات الدالة على العلاقة الجنسية في كتاب الإبدال لأبي الطيب اللغوي: بكَّ الرجل المرأة يبكها بكا، وهكَّها يهُكُّها هكا،([24])… إذا جامعها، وكذلك طحزها وطحسها طحسا…([25]) وتتجاوز هذه الكلمات حقل العلاقة الجنسية إلى غيرها من المجالات الدلالية كتلك المعبرة عن ضعف الإنسان مثل: رجل حَزوْرٌ وهزور، رجل زمِل وزمَّال أو المشيرة إلى قبحه ودمامته مثل: الحَبَلَّقُّ والهَبَلَقُّ والإِعْفِص والدِّنْفِص.([26])
5- الاقتراض اللغوي:
وهو “وسيلة يَلجأ إليها المتكلم لتجنب النطق بالكلمات المحظورة في لغته الأم”([27]) وذلك باستعارة ما يقابلها من اللغات الأخرى. فاللغات الأوربية الحديثة تنهل من اللغتين اللاتينية واليونانية الكثير من الكلمات الخاصة بأعضاء جسم الإنسان، ووظائفه الفسيولوجية. ونرى ذلك بصفة خاصة في كلام الأطباء.
يضاف إلى ما سبق، وسيلتان اثنتان في غاية الأهمية، نقترح أن نصطلح عليها تِباعا بِ: “الاكتفاء بالإشارة عن العبارة “، و”القلب المعنوي”.
6- الاكتفاء بالإشارة عن العبارة:
ولا نقصد بالإشارة في هذا المقام التعريض بلفظ ظاهره يخالف باطنه وإنما “هي الإشارة غير اللفظية التي تكون بحركة اليد أو العين أو غيرها من الجوارح”. وليست هي كذلك العلامة غير اللسانية عند المحدثين،([28]) لأن مجالها غير محدود وتشمل كل مظاهر الحياة الإنسانية من لباس وعادات وتقاليد….. ومن أمثلة الإشارات اللطيفة والإيماءات الظريفة التي تؤدي المعنى بغير كلام، وتبين المراد بغير نقاش نذكر ما يلي:
- وَلَّى عبد الله بن طاهر بعض بني أعمامه مرْو، فاشتكاه أهلها، فوفد جماعةٌ منهم على عبد الله وشكوه إليه، وأكثروا القول فيه، فقدَّر أنهم يتزيدون عليه، فلم يعزلْهُ، فلما انصرفوا قال بعض المشايخ: أنا أكفيكموه، وورد على عبد الله، فسأله عن حال البلد، فأخبر بالهدوء والسكون، ثم سأله عن خبر واليهم فوصفه بالفضل والأدب وما يجمعُهُ مع الأمير من النَّسب، وبالغَ في ذكر الجميل ثم قال: إلا أنه – ونقر بإصبعه على رأسه نقرة – يعني أنه خفيف الدماغ.([29])
فقال عبد الله: ما للولاة وللطيش، اعزلوه فعزله، وانصرف الشيخ إلى مرْو فأعلمهم أنه عزَله بنقرة.
- وعرَّضَ الحسين الخادم بسليمان بن وهب الذي كان يتقلد الخراج بمصر بأنه كان نصرانيا، وذلك بوضع إحدى سبابتيه على الأخرى.
- ووُلد لابن مكرم ابن، فجاءه أبو العيناءِ مهنئا، ولما خرج خلَّف عنده حجرا؛ يُعَرِّض بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر.
- و بالمحاكم المغربية، تعمد بعض النساء في جلسات الطلاق عندما يسألهن القاضي عن سبب طلب الخلع إلى رفع حذائها بحيث تولي أسفله إلى القاضي، فيفهم هذا الأخير إذا كان لبيبا بأن الزوج من أصحاب اللوطية الصغرى – أي أنه يأتي زوجته من دبرها. وفي ذلك رفع للحرج وإيفاء بالغرض.
7- القلب المعنوي:
إن الداعي إلى هذا الاصطلاح هو التفريق بينه، وبين القلب اللفظي أو الصوتي، والذي يكون باستبدال لفظ أو حرف بآخر. أما مقصدنا من القلب المعنوي فهو أن يورد المتكلم لفظا، دون أن يريده على مدلوله الصريح الظاهر، بل مقلوبَ المعنى ومعكوسَ الدلالة. ومثاله ما جاء في كنايات الأدباء؛ بأن “العرب تقول للرجل يستجهل: يا عاقل”([30]). أي يا جاهل بالقلب. وقوله تعالى: ﴿إنك أنت العزيز الكريم﴾([31])، أي الذليل المَهينُ على العكس”(1). وفي الكناية والتعريض؛ ورد في فصل “الثِّقَل والبرد”: حدثني أبو جعفر محمد ابن موسى الموسوي قال: دخلت يوما إلى الشيخ أبي نصر ببُخارى، وعنده عَلَوي مُبْرِم، تأذى بطول جلوسه وكثرة كلامه. فلما نهض قال لي أبو منصور: ابن عمك هذا خفيف على القلب! فقلت: نعم، مساعدا له على رأيه. فتبسم ضاحكا من قولي، وقال لي: أراك لم تفطن للغرض؟ فما زلت أفكر حتى وقع لي أنه أراد “خفيفا” مقلوبا على الثقل.([32]) وعلى ذلك فقِس كل لفظ ما دام المتكلم يتحرج من التصريح باللفظ المقصود، فإن الدور يأتي على المتلقي الحاضر البديهة الذي يفهم المراد بقلب المعنى.
فإذا كنا نستنجد بكل هذه الوسائل للتلطف في القول، فما هي الدوافع التي تحدو بالمتكلم إلى ذلك؟ لماذا يستدبر الكلمة الصريحة وراء ظهره، ويُقبل على نظيرتها المتلبسة بلباس المجاز؟
أثناء العملية التواصلية يكون كل طرف حريصا على تجنيب الآخر الآثار النفسية المؤلمة أو المحرجة… والناجمة عن التصريح بكل ما من شأنه أن يثير الرعب أو الخوف، أو التسبب في الحرج والخجل، أو الرفض والاستهجان. وبغية الوقوف على هذه الدوافع والأسباب بشكل مختصر فإننا قد آثرنا أن نسلك سبيلا توفيقيا يجمع بين ما وقف عليه أسلافنا، وما انتهى إليه المحدثون، وهو ما جعلنا نخلص إلى ما يلي:
- الخجل والاحتشام:
يُقدَّم هذا الدافع على غيره لكثرة شواهده، وهيمنة أبوابه، وهو يشمل كل ما يدعو الإنسان إلى الحياء بحكم فطرته التي خلقه الله عليها من أمور العورة، واتباع الشهوة، والتماس اللذة، وقضاء الحاجة… فالمتكلم “يتنزه عن ذكر هذه الأمور بألفاظها الموضوعة لها في اللغة. ويعتاض عنها بالكناية اللطيفة، والعبارة الشريفة التي تدل على المعنى، وتبِينُ عن المغزى”([33]). وفي هذا الصدد يقول الدكتور عمر فروخ: “وعددتُ أنا الألفاظ المتعلقة بهذا المدرك في القاموس فوجدتها تزيد على ألف ومائتين… وحاولت تعليلا لهذا الكثرة… فبان لي أن جانبا كبيرا منها من باب الكناية… حيث كان العربي يكني به عن المدرك الجنسي بلفظ… فإذا اشتهر هذا اللفظ ودَلَّ على ما كان يُكْنَي عنه صراحة استحيا العربي من الاستمرار في استعماله، فانتقل إلى كناية جديدة غامضة. “([34])
والتلطف في هذا الباب ليس بحِكْرِ على العربية وحدها، بل يمتد لمعظم اللغات بحكم التحامه بالفطرة التي لا تحابي أحدا. فالمتحدث بالفرنسية قد يتجنب الفعل Baiser بمعنى (يقبّل) ويستعمل فعلا محسنا هو (Embrasser) بمعنى يحتضن. كما قد يتجنب أيضا استعمال كلمة fille بمعنى ابنة، ويستخدم تعبيرا محسنا هو jeune fille؛ الكلمة الأولى لفظة محسنة بمعنى prostituée أي عاهرة([35])، كما تعرف اللغة العربية الحديثة تعبيرا محسنا لذلك هو بائعة الهوى.([36]) ومما يتصل بذلك التعبير عن قضاء الحاجة والمكان المخصص لذلك، بتعبيرات مثل la garde robe، Téléphone،Le lavabo. ([37])
- الكياسة والتأدب:
يعد هذا الدافع أقل حدة من حيث الأثر الناجم عن التصريح باللفظ الحقيقي، فيعمد المتكلم إلى التلطف واللباقة في كلامه مراعاة منه لشعور المخاطب، وذلك من جانب الفضل والنفل، وليس من جانب القَسْرِ والفرض. ويستشهد في هذا الباب بالكناية عن بعض الحِرف التي تأتي في الدرجة الدنيا في سلم التصنيف الاجتماعي بعبارات تذكر منافعها وتزين في أذن السامع أثرها، مثاله أن بعضهم حكى قائلا: رأيت قبرين مكتوبا على أحدهما: “أنا ابن سفاك دم الملوك” وعلى الآخر: “أنا ابن مستخدم الرياح”. فكان أحدهما ابن حجام، والآخر ابن حداد([38]). ولبعضهم في الكناية عن حرفة الحجامة:
أنـا ابـن مـن ذَلَّـتِ الـرقـاب لـــــــــه مـا بـيـن مـخـزومـهـا وهـاشـمـهــــــــا
تـأتـي بـالـرغـم وهـي صـاغــــــــرة يـأخـذ مـن مـالـهـا ومـن دمــهــــــا([39])
ومن الكياسة أيضا، التعبير عن المرأة والأخت والبنت وغيرهن من المحارم بألفاظ شتى وعبارات تترى، إذ يُكنى عن المرأة بالنعجة والشاة والقلوص والحرث والقارورة والقوصرة والجارة…([40]). وفي زمننا هذا، ألا ترى بأن الأكياس من بني الناس يتأدبون عند السؤال عن الأحوال، فلا يصرحون بلفظ المرأة أو الزوجة، بل يقولون: كيف حال الأهل؟ كيف حال الأولاد؟ بالرغم من أن المسئول لا ولد له، يشيرون بذلك إلى زوجته. ويُعبَّر عن البنت بالكريمة، والوديعة، وعن الصغيرة بالريحانة، وعن الأخت بالشقيقة، وعن الحُرُم بما وراء السِّتر([41]).
يُراعى جانب التأدب كذلك أثناء الحديث عن الصفات الخِلقية والخُلقية القبيحة، فيقال عن الرجل القبيح الخلقة المشوّه الصورة: “له قرابات في اليمن”، لأن القرود تكثر فيها([42]). فإذا كان شديد الأدمة مع الدمامة، قيل، كأن وجهه قمر الثلاثين!([43]) ويُكْنى عن الحبشي بأبي البيضاء([44]). ومن ألطف ما رُوِي في السواد، ما كتبه نُصيْب لعمر ابن عبد العزيز يكني عن سواد بناته: “يا أمير المؤمنين قد بُليت ببنات لي أنفقت عليهن من ضيفي، فكسدن!”، فرقّ له ووصله(1).
وأما فيما يخص الصفات الخُلُقية المذمومة، فقد حظيت بالنصيب الوافر من الألفاظ التحسينية في تراثنا العربي الإسلامي، وتأتي صفة البخل في طليعة الترتيب إذ يعبَّرُ عن البخيل بالمقتصد، ويُقال: فلان نقي القدر، ونظيف القدر، ونظيف منديل الخوان([45])، وقصير اليد. ويكنى عن الثقيل على القلب بليل الشتاء لبرودته([46]). وإذا كان الرجل جاهلا قيل عنه: فلان من المستريحين، لقولهم: استراح من لا عقل له([47]). وإذا كان فضوليا داخلا في ما لا يعنيه متكلفا ما لا يلزمُهُ قيل: هو وصي آدم. ويُقال عن الوقِح: هو دُرْقَةٌ وحَدَقَةٌ ووجْنةٌ مُطرَّقة(5). وعن الكذَّاب: الفاختةُ عنده أبو ذر، فالعامة تكني عن الكذاب بالفاختة، وأبو ذر يٌضْرب به المثل في الصدق. وإذا كان الشخص ملولا قيل: فلان من بقية قوم موسى([48]). وفي الإنجليزية فإن كلمة Silly تعني السخيف، ويُشار إليها بعبارات محسنة من قبيل happy person أي الشخص السعيد أو blessed بمعنى المبارك.
- الخوف والفزع:
يُحيل على هذا الدافع في تراثنا العربي ما جاء في أبواب الطِّيَرَة، والفأل الحسن أو التفاؤل بالشيء، والتشاؤم منه، ويشمل بعامة كل ما يدلُّكَ على ضعف الإنسان، وهلعه، وجزعه من قبيل؛ الموت والمرض والشيب والقتل والجن والحيوانات… والسر وراء إثارة الرعب واستدعاء التشاؤم بسبب التلفظ بما يحيل على هذه الأشياء هو ما استقر في أذهان الناس منذ القدم من الربط بين اللفظ ومدلوله ربطا وثيقا. حتى إنه يعتقد أن مجرد ذكرِ الموت، يستحضر الموت وأن النطق بلفظ الحية يدعوها من حُجْرِها فتنهش من ناداها أو ذكر اسمها([49]).
يقال في الكناية عن الموت: استأثر الله به، أسعده الله بجواره، نقله الله إلى دار رِضوانه ومحل غفرانه([50])، لحِقَ باللطيف الخبير، لعِقَ فلان إصبعه واستوفى أكلَهُ، اصفرت أنامله ([51]) لأن اصفرار الأنامل من صفات الموتى. فكنوا عن الموت ببعض صفاته، هادم اللذات ومفرق الجماعات. وكنية ملك الموت: أبو يحي.([52]) كما تعدل الفرنسية عن كلمة الميت إلى كلمة أخرى هيle disparu بمعنى الفقيد أو الراحل([53]).
أما المرض فيعبر عنه بقولهم: فلان جمَّشَهُ الزمَانُ، اشتكى الكرم لشكايته، عرض له ما يجْعَلُه الله تمحيصا لا تنغيصا وتذكيرا لا نكيرا وأدبا لا غضبا،… ولما كان المرض كذلك يقع من النفس موقِعاً غير حسن، عدلَ عنه نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام في دعائه إلى لفظ الضر؛ ﴿وأيوبَ إذْ نادَى ربَّهُ أني مسَّنيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أرحمُ الراحمينَ﴾([54])، كما تلطف الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يَنْسُبْهُ إلى الله تعالى – أي المرض -: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾([55]). والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبعد خلق الله عن التشاؤم، وهم أشجع الناس قلوبا لثقتهم ببارئهم وتوكلهم عليه، ولكننا أوردنا هذين الشاهدين من القرآن الكريم لمناسبة اتفاقهما مع موضوع المرض وفي الإنجليزية تعتبر كلمةAddle هي الأصل في الدلالة على المرض، فتم العدول عنها إلى كلمة محسنة هي disease وتعني فقدان الراحةlack of ease أو غير مريح uneasiness وذلك للإشارة إلى المرض illness ([56]).
وقد تلطَّف العرب في تعبيرهم عن بعض الأمراض سواء كانت معدية أو غير معدية فسموا الأبرص بالوضَّاح والأبرش، ويقال كذلك: سيف جلاهُ الله، ويكنون عنه بالبياض([57]) ويُكْنَى عن الأعمى بالمحجوب([58]) والبصير([59]) وعن الأعور بالمُمَتَّعِ([60]) وعن الذي في عينه نقطة بياض بالكوْكبي أو المُكَوْكِبِ. وعمن بوجهه أثر بالمُشَطَّب، ويكنى عن الَّلديغ بالسليم.
ومما يتفاءل العرب بذكره قولهم للفلاة مفازة، لأن القفار في رُبوعِها الهلاك فكان حقها أن تسمى مهلكة ولكنهم أحسنوا لفظها تطيرا بها، وعكسوه تفاؤلا ولبعض المُحْدَثين:
| أحـبَّ الـفـألَ حـيـن رأى كـثـيــــــــــراً | ♣ | أبـوهُ عـن اقـتـنـاءِ الـمـجـد عـاجـــزْ |
| فـسـمـاهُ – لـقـلـتـهِ – كـثـيــــــــــــــــراً | ♣ | كـتـلـقـيـبِ الـمـهـالِـكِ بـالـمـفــاوِزِ([61]) |
ويعبر عن الشيخوخة والهرم بما يلي: فلان قد أُفسح له في مهل، قد تضاعفت عقودُ عُمْره، تناهت به السن، قد بلغ ساحة الحياة وقف على ثنية الوداع.([62]) ويعبر عن القتل بقولهم: صُلي بحرِّ المناصل قبل حر النار (المناصل: ج مُنصُلُ، وهو السيف)، سقى الأرض من دمه، عُدِمَ برْدَ الحياة([63]).
ويقال عن الجن؛ عُمَّار الدار([64]).
- قلب الحقائق وتغيير المفاهيم:
ويُلتجأ في بعض الأحيان إلى التلطف بهدف قلب الحقائق وتغيير المفاهيم بشكل جذري، فتُجعل الظلمات نورا، وتُقْلَب الطهارة نجاسة، ويُسَوّى بين الشفع والوِتر، ويُحَوَّلُ الماء الملحُ الأُجاجُ إلى عذبٍ فراتٍ… فتقع الأشياء في النفس موقعا مخالفا لما يجب أن تكون عليه في العادة. ويمكن إقْحام هذا الجنوح عن المألوف في إطار ما سماه الفقهاء بتسمية الأشياء بغير مسمياتها لترويج الباطل. يقول ابن قيم الجوْزِيَّة: “لرواج الباطل أسباب متعددة تضمنت أساليب ماكرة، وطرقا ملتوية يستعملها المبطلون أو من تأثر بصنيعهم. السبب الأول: أن يأتي به صاحبه مُموَّها، مزخرف الألفاظ، مُلَفَّق المعاني مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة، فتُسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه وتبادر إلى اعتقاده وتقليده، ويكون في ذلك حالة من يعرض سلعة مُمَوَّهة مغشوشة على من لا بصيرة له بباطنها وحقيقتها فيُحَسِّنَها في عينه، ويحببها إلى نفسه، وهذا للذي يعتمده كل من أراد ترويج باطل، فإنه لا يتم له ذلك إلا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾([65]) فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول فيغتر به الأغمار، وضعفاء العقول”([66]).
وأخطر وأخبث من يوحي إلى أوليائه زخرف القول ليروج لباطله هو إبليس، فقد لجأ إلى تحلية كلامه بمعان ظاهرها فيها الرحمة وباطنها من قِبَلِها العذاب، فكان أنْ أوقع آدم عليه السلام في شِراكه؛ ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾([67]) فقلب الحقيقة التي تنطوي عليها الشجرة رأسا على عقب، لعلمه بأن الإنسان بفطرته يحب الخلود والملك، ويسعى إليهما، فدخل على أبينا آدم من هذا الباب.
وقريب من هذا المعنى قولهم عن الخمرة: سحاب الأنس، وحلوبة السرور، وزند اللهو، وترياق الهموم، وكيمياء المرح…([68]) وفي زمننا هذا يسميها بعضهم المشروبات الروحية. ويطلقون على ليالي الزنا والبغاء الليالي الحمراء…
إن كل هذه الدوافع والأسباب تحكمها في العمق مبادئ عامة تعد بمثابة الإطارات المحدِّدة لكل دافع على حدة، ويمكن أن نختزلها فيما يلي:
- عامل الدين والمعتقد؛
- عامل التربية والعادات؛
- عامل نفسي؛
- عامل اجتماعي؛
ونكاد نجْزم بأن العامل الاجتماعي يحتضن بقية العوامل ويتحدث بلسانها، اللهم إذا استثنينا – بشكل غير كامل – العامل النفسي المتطبع بطابع الذاتية والفردية على حساب روح الجماعة. فالمجتمع فسيفساء تفاعلي لكيانات متواشجة: الدين، الثقافة، المستوى المعرفي، العادات التقاليد…الخ.
أساليب التلطف – دراسة تداولية –
من المعلوم أن التداولية ([69]) علم يهتم بالعملية التواصلية في كل أبعادها النفسية، والاجتماعية، والإديولوجية…. وبدراسة العلاقة بين اللغة والسياق… وأساليب التلطف – كما مضى – تتميز بغنى معرفيّ لا بأس به؛ إذ تحكمها معطيات وظروف متعددة، ولا يمكن القبض على دلالاتها المختلفة إلا بالتعرف على السياقات التي تحكمها. كل هذه الأسباب وغيرها تجعل من الدراسة التداولية لأساليب التلطف جديرة بأن تحظى بالعناية والاهتمام. وعليه، فإننا سنسلك في هذه المقاربة طريقة مخضرمة؛ نمزج فيها بين ما وقف عليه أسلافنا من مفاهيم، ودراسات، واستدلالات ذات منحى تداولي، وبين ما انتهت إليه النظريات التداولية الحديثة. وقد وقع الاختيار في هذا البحث على مفاهيم القصد، والإفادة، والسياق/المقام، والفعل الكلامي، والقرينة… دون غيرها، اعتمادا على ضابط الملاءمة والانسجام؛ أي توافق المفاهيم المختارة مع خصوصيات أساليب التلطُّف اللغوية والثقافية.
أولا: القصد والإفادة
- القصد:
إن لكل قول أو فعل في شِرْعتنا ديوانين: لِمَ؟ وكيف؟ أي لم قلت أو فعلت؟ وكيف تم ذلك؟ وعلى هذا المناط يحاسِبُ الحَقُّ العبادَ. فالمرء لا يتلفّظ بالكلمة إلا بنيّةٍ ومقصد، وقد يتطابق هذا المقصد مع ملفوظه أو يُخالفُهُ، وكلنا سمع من قريب أو بعيد بقصة ذلك الرجل الذي أوشك على الهلاك في بيداء مقفرة، فبينما هو كذلك إذْ عادت إليه ناقته وعليها طعامه وشرابه، فقال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك” أخطأ من شدة الفرح.
وتتظافر مجموعة من العوامل للوصول إلى المقصود من كلام المتكلم:([70]) اللغة، والسياق العام الذي يؤطر عملية التلفظ، وماهية أطراف الحوار، والمعارف المشتركة، والافتراضات المسبقة… و” لا يتجسد القصد إلا باللغة، إذ جعلت عليه دليلا، لأن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفا ودلالة على ما في نفوسهم. “([71]) كان “القصد” هو مدار البحث عند البلاغيين ” فالمَركز في بيان الجاحظ، ومعاني السكاكي هو الأحوال والمقاصد، وكذلك عند الجرجاني الذي يوظف – مراعاة غرض المتكلم من كلامه – في بيان خطأ أولئك الذين يخطئون في فهم الخطاب بسبب إهمال الغرض من الخطاب أو عدم الالتفات إليه.”([72])
- مقاصد التلطف:
إن التلطّف لا يعبر عن المقصد الحقيقي لمراد المتكلم، فهو مجرّد إجراء تحسيني يستند إليه المتكلم لتحقيق مآربه من الخطاب. وبعبارة أخرى، فإنه غير مقصود لذاته، ولكنه مقصود لغيره. ويكون حضوره في معتقد المتكلم حضورا ثانويا، إذ يتخذه مجرد مطية مذللة تصل به إلى بر الأمان. وإليك البيان:
يقول ابن الرومي:
| أنـت يـا شـيـخُ نـائـمٌ فـتـنـبَّــــــــــهْ | ♣ | وانـتـصـحـني، فلست من غشاشكَ |
| لك أنـثـى، تـزيـفُ فـي كـل وكْــرٍ | ♣ | وتُـرَبّـي الـفـراخَ فـي أعـشـاشـــكَ |
فقصد ابن الرومي من مناصحته للشيخ، هو إخباره بأن زوجه خائنة لفراش بعلها. وهذا هو الذي أشرنا إليه بالمقصد الحقيقي أو المقصد الذاتي، وأما عدم مصارحته بذلك ولجوؤه إلى للاستعارة بقوله.([73])
| لك أنـثـى، تـزيـفُ فـي كـل وكْــرٍ | ♣ | وتُـرَبّـي الـفـراخَ فـي أعـشـاشـــكَ |
فهو إجراء تلطيفي، يقصد إليه الشاعر ليكون عونا له على تحقيق المقصد الأصلي؛ (إخباره بخيانة امرأته).
وإذا نحن أمعنا النظر في أساليب التلطف، واستعمالاتها وسياقات ورودها، تبين لنا أنها مقصودة في ذاتها من وجه آخر. سواء أكان ذلك بوعي من المتكلم أو بغير وعي، هذا إذا كان الوعي فرديا، أما الوعي الجمعي فيدرك أن هذه الأساليب جزء مهم، وركن ركين من هوية الجماعة اللغوية، ويسعى إلى بثها في النفوس والمحافظة عليها، بل تطويرها وتجديدها بما يناسب التغيرات الزمكانية. وهنا يكون مدار حديثنا عن المقصد العام، الذي يتسم بتواريه وخفائه ولا يلتفت إليه إلا من جعل من التلطف رسالة يسعى إلى تبليغها، وسلاحا يحمي به حوزة الأمة من انجرافات العولمة وغير ذلك.

و يمكن أن نلخص مقاصد التلطف بشكل إجمالي في هذه الخطاطة:

ومن أجل تقريب صورة مقاصد التلطف إلى ذهن القارئ الكريم؛ نقدم هذه النماذج التمثيلية لما سبق التنظير له في الجدول التالي:

2 – الإفادة:
قال ابن جني في تعريفه للكلام: “كل لفظ استقل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه” فلا بد من توافر بعض “الشروط لتحقيق الإفادة لدى السامع:
- ثبوت معنى دلالي عام للجملة.
- اكتمال النسبة الكلامية للجملة فتحصل للسامع فائدة من الكلام يكتفي بها، بأن تكون عناصر العبارة معينة ودالة.”([82])
من خلال هذه الشروط يتضح البعد التداولي بجلاء في عنصرين اثنين وهما: السامع والفائدة الكلامية، ولكن تحقق شرط الفائدة في أساليب التلطف يتطلب إقحام المزيد من أدوات التحليل التداولي. ويأتي على رأسها الإلمام بالسياق، والوقوف على قصدية المتكلم. لذلك فلا مناص من الاستنجاد بهذه الأدوات حتى تتحقق الفائدة المرجوة لدى المتلقي سواء تعلق الأمر بالتعابير المباشرة، أو تلك التي تحتاج إلى التأويل. فالعبارات تخترق سمع المتلقي، لتتحول من صورتها السمعية الأكوستيكية إلى صورة ذهنية، بحيث تتحول الدوال إلى مدلولات. هذه المدلولات تحيلُ على معنى أولي يتم تفسيره بمعنى آخر؛ (معنى المعنى)، ولا يتأتى ذلك إلا بالقبض على خيوط السياق التداولي، وبالرجوع إلى قصد المتكلم.
فقولنا مثلا: “العين لا تعلو على الحاجب” ([83]) يفيد معنى حرفيا أوليا غير مقصود؛ لأن “الخطاب موجه من مرؤوس إلى رئيسه، والمرؤوس تحرج من الكشف عما يختلج خاطره بالقول الصريح نظرا لمكانة رئيسه التراتبية المرموقة. وبالتالي تمكن الرئيس من إدراك معنى المعنى. فخاطب مرؤوسه مشجعا إياه: (تحدث بصراحة ولك الأمان)، إذ بنى الرئيس خطابه على ما فهمه من قصد المرؤوس السابق.
إن أساليب التلطف تنطوي على “معان لا تكمن في الأدوات اللغوية المستعملة فحسب، بل لدى المتكلم الذي يستعمل تلك الأدوات ويوظفها بشتى السبل لتحقيق مقاصده ونواياه”([84])، وكذلك لدى المتلقي الذي يوظف السياق اللغوي والحالي التوظيف الملائم لتحقيق الفائدة، وبين هذا وذاك يضطلع السياق بدور رائد في هذه العملة التواصلية. ولاستيعاب التعاون الحاصل بين مكوّنات العملية التواصلية لتحقيق الفائدة لدى المخاطب، بحيث يتمكن من فك شفرة الرسالة اللغوية، نقترح عليكم الخطاطة التالية:
الجانب الأول من الخطاطة (المستوى العلوي) يبين المرحلة الابتدائية من حصول الفائدة، إذ أن تظافر عناصر الخطاب كفيل بالتعرف على المعنى الدلالي العام للجملة. ولكن هذا الإجراء يبدو غير كاف لأن الفائدة الحقيقية في أساليب التلطف تكون بالإحاطة بمعنى المعنى اعتمادا على السياق، ومراد المتكلم. وهذا ما يوضحه الجانب الثاني من الخطاطة (المستوى السفلي).

من العناصر السياقية المهمة في فهم المراد نجد، التنغيمات الصوتية التي تساعد في كثير من الأحيان في تحديد الإطارات العامة للسياق التداولي. فبالعودة إلى القلب المعنوي، أرى فيما يبدو لي أن المتكلم الذي يخاطب شخصا ما بقوله:
- يا عاقل! وهو يقصد العكس (يا جاهل). لا بد أن نشتم رائحة السخرية والتهكم من نبراته الصوتية.
ثانيا: مفهوم السياق / المقام
بالرغم من أن أساليب التلطف قائمة في أصل إيجادها على تلطيف الكلام مراعاة منها لجملة الاعتبارات الاجتماعية والنفسية والمؤسساتية… إلا أنها تُوظَّفُ بطرق مختلفة تنسجم مع المقام الذي قيلت فيه، “فعلى المتكلم أن يختار من أساليب البيان، من تشبيه أو استعارة أو كناية ما يُناسبُ الوفاء بمقصده، وضوحا أو خفاءً، حسب ما يقتضيه المقامُ، بسبب قصور الحقيقة عن إفهام المُراد إفهاما يُناسب المقام، فتمس الحاجة إلى استعمال الألفاظ في غير معانيها الوضعية لكون المطابقة لمقتضى الحال لا تتحقق إلا بهذه الأساليب”([85]). وأساليب التلطف لا تخلو من واحد من هذه الأضرب الثلاثة، ولكن تبقى الكناية هي المستأسدة لأنها أبلغ من التصريح، وتفسير ذلك “أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وآكد وأشد، فليست المزية في قولهم: “جم الرماد” أنه دل على قرىً أكثر، بل أنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق”([86])، ولا يمكن أن يُدْرك المتلقي المعنى الصحيح لتعبير مجازي ما إلا إذا نجح في الإحاطة بالمقام وفك خيوطه.
- المقام الحضاري والاجتماعي:
إن لكل أمة من الأمم خصوصية حضارية، وثقافية، واجتماعية تميزها عن باقي الشعوب، وتمثل هذه الخصوصية مكونا أساساً من بنيتها، بل ويجب على كل من أراد أن يسبر أغوار أمة ما أن يكون عالما بدقائق وتفاصل هذه الخصوصية. وأساليب التلطف كما أشرنا إلى ذلك سلفاً تعبير صادق عن استقلالية العرب، وتفردهم، وتميزهم عن غيرهم. ونمثل لذلك ببعض النماذج التي تؤكد هذا الزعم.
يقال في الكناية عن الفقر وسوء الحال: ” دارُهُ تحكي فؤاد أم موسى”([87])، فما علاقة فؤاد أم موسى بالدار؟ والجواب عن هذا السؤال يقتضي لزاماً العودة إلى القرآن الكريم، وكتب التفاسير. قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾([88])، أي وأصبح فؤاد أم موسى خاليا من كل شيء في الدنيا إلا من هم موسى وذكره… فالدار خالية من كل شيء، ما يدلك على قلة ذات يد صاحبها، وفقره وعوزه. وجاء في الكناية عن البخل: قول الجمّاز لرجل: رحم الله أباك، فقد كان” نظيف منديل الخوان “([89])، والخوان تطلقها العرب على المائدة الفارغة، فالعبارة لا تشير إلى البخل في إطاره الاعتيادي المقبول، بل هي نكاية بالرجل ومبالغة في وصفه بالبخل، فنظافة المنديل وحدها تدلك على بخله، لقلة الطبيخ أو انعدامه وكذلك لفظة “الخوان”، أي أن هذا المنديل يُفرش على مائدة خاوية فأنى له أن يتسخ؟ ويقال عن اللقيط: “من موالي النبي” صلى الله عليه وسلم، لأنه يقول: “أنا مولى من لا مولى له”، فلولا معرفتنا بالحديث النبوي الشريف لما اهتدينا إلى المعنى الثاني، وهو أن المقصود بمولى النبي صلّى الله عليه وسلّم: اللقيط.
- المقام الخاص الذي وردت فيه الكناية:
إن معرفتنا بالمقام الحضاري، والاجتماعي غير كاف لبلوغ المراد والاهتداء إلى الصواب. إذ لا بد من العلم كذلك بالمقام الذي قيلت فيه الكناية؛ أهو مقام مدح، أو ذم، أو فخر، أو سخرية…؟ فالكناية التي أوردناها في البدء عن الفقر (داراه تحكي فؤاد أم موسى)، لا تحيل بالضرورة على الفقر والعوز، فقد تتعدّد القراءات بحسب التأويل. ذلك أن العلاقة بين الدار وفؤاد أم موسى هي علاقة شَبَهٍ ووجه الشبه المتفق عليه هو الفراغ والخلو، ولكن هل هو فراغ مطلق أم مقيد بشيء ما؟ إن التفسير القرآني يشير إلى أنه فراغ مقيد بموسى وحده، أي أن قلب أمه كان فارغا من الدنيا، وهمها، وحزنها، وغمها إلا من هم موسى. وهذا المعنى معنى شريف فطر الله عليه قلب كل أم. فإذا كان المشبه به كذلك (فؤاد أم موسى) فيجدر بالمشبه (الدار) أن يحذو حذوَهُ، وعليه؛ فقد تكون الدار خالية من كل شيء إلا من شدة تعلق الأم بأبنائها مثلا، أو يكون المقصود بالخلو الزهد في الدنيا والتعلق بحبل الله المتين… ومثله، في الكناية عن نظافة منديل الخوان بالبخل، فالعبارة تشير في ظاهرها إلى نظافة صاحبها، بل وقد ننساق إلى تأويل مخالف للمعنى المقصود فنظافة المنديل دليل على تعاهده بالغسل والتوضيب، وهذه أمارة على عناية صاحبه بضيوفه واهتمامه بهم، ما يدلك على أصالته وكرمه، ولكن المقام مقام تعريض وذم، فالجماز يُعَرِّض بأب المخاطب ويصفُهُ بالبخل.
إن هذه الأمثلة وغيرها كثير، تبين بالملموس بأن غاية الكناية، هي: “تحريك دوائر التفكير لدى المتلقي، حيث لا ينبغي حصر هذه الدوائر في قوالب جامدة، وإنما يتحرك فيها المتلقي، ويتدرج من لحظة إلقاء القول إلى لحظة الوصول إلى المعنى المقصود، وهو معنى مفتوح غير مقيد، وغير محدد لأن عملية التقييد تعني إلغاء دوائر التفكير، وبالتالي الانتقال من اللفظ إلى معناه المباشر مما يفقد الكناية قيمة الغاية التي تتحقق من خلال الوصول إلى المعنى المراد والتي تثير لدى المتلقي عددا من الصور والإيحاءات التي يتدرج معها بحسه وعقله. وما يقال في الكناية يقال في غيرها من تشبيه واستعارة وتمثيل وإلى غير ذلك من الأساليب البيانية”([90]).
- مقام ورود الكلام على خلاف الأصل:
الأصل في الخبر عند البلاغيين أن يرِد لغرضين اثنين:
- إما إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة إذا كان جاهلا له، ويسمى ذلك “فائدة الخبر” نحو: “الدين المعاملة”.
- وإما إفادة المخاطب أن المتكلم عالم أيضا بالحكم الذي يعلمه المخاطب كما تقول لتلميذ أخفى عليك نجاحهُ في الامتحان، وعلمْته عن طريق آخر: ” أنت نجحت في الامتحان.”
ويسمى ذلك “لازم الفائدة” وقد يلقى الخبر على خلاف الأصل لأغراض أخرى تستفاد من سياق الكلام،([91]) كالاسترحام والاستعطاف مثلا. قال نصيب في الكناية عن سواد بناته: ” يا أمير المؤمنين قد بُليت ببنات أنفقت عليهن من ضيفي فكسدن. فرق له ووصله. ” فلو أننا أردنا أن نخرج هذا القول من نفق الكناية إلى فضاء التصريح لقلنا: “بناتي سود مثلي، ما جعلهن عانسات بلا زواج. “
وهناك مجموعة من المؤشرات تدلنا على أن المتكلم يستعطف ويسترحم المتلقي لمساعدته بالمال للإنفاق على بناته العانسات، أو التوسط لتدبير زواجهن، منها:
– المكانة الاجتماعية للمخاطب، فهو أمير المؤمنين، مَحَلُّ الإستعطافات، ومنزل الإسترحامات. وفاهم لدقائق اللغة وأسرارها، وهو ما يجعله متمكنا من فحوى الكلام.
– المتكلم، شاعر ذو علم ووجاهة، وهو ما يشفع له لاستعطاف ولي الأمر، فلا يستطيع من هب ودب أن يصرح بحاجته مباشرة لأعلى سلطة في البلاد دون وساطة.
– الاستعطاف بأسلوب مباشر يحطم الكبرياء، وتحول الأنفة والنخوة دونه، فيُتوسل إلى ذلك بغير الإنشاء الطلبي، بل بالخبر.
– رد فعل أمير المؤمنين بوصل نصيب وإكرامه يدلك على أنه عقل المراد، وسارع بمعونته.
من الواضح “أن المقام يرتبط بالمقال على نحو يتحدد فيه المقال ويستكشف فيه المقام من خلال المقال.”([92]) وبناء عليه فالتركيب اللغوي يساعد كثيرا في معرفة المقام الذي أنجبه، وفي معرفة حالة المتلقي عندها.([93])
- مقام إثبات اللَّبْس القصدي:
يقصد به المراوغة في العبارة وإبقاء خط الرجعة بالإشارة إلى معنيين متضاربين في نفس الجملة، حفظا لمسلك البراءة، والنجاة في حالة غضب المتلقي وسوء رد فعله. والنماذج في هذا الشأن كتفاريق العصا، وحسبنا أن نمثل لذلك بنموذجين([94]) اثنين.
– يُحكى أن امرأة دخلت على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أقرَّ اللهُ عينيك، وفرَّحك بما آتاك، وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت. فقال لها: من تكونين أيتها المرأة. فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم، وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم. فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدَره، وأما المال فمردود إليك. ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة؟ فقالوا: ما نراها قالت إلا خيرا. قال: ما أظنكم فهمتم ذلك. أما قولها: أقر الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها: وفرَّحك الله بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً )[95] وأما قولها: وأتم الله سعدك، فأخذته من قول الشاعر:
إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصُـــــهُ ترقَّبْ زوالاً إذا قيل: تمَّ
وأما قولها: لقد حكمت فقسطت، فأخذته من قوله تعالى: ( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً )[96]
– وحُكيَ أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى، فقال له: أطال الله بقاءك، وأقر عينك، وجعل يومي قبل يومك، والله إنه ليسرني ما يسرك. فأحسن إليه، وأجازه على دعائه، وأمر له بصلة، وكان ذلك دعاء عليه، لأن معنى قوله: أطال الله بقاءك، حصول منفعة المسلمين به بأداء الجزية، وأما قوله: وأقر عينك، فمعناه سكَّن الله حركتها أي أعماها، وأما قوله: وجعل يومي قبل يومك، أي جعل الله يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: إنه ليسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الآخر.
ثم عقَّبَ الأَبْشِيهِي بعد سوقه للحكايتين بقوله: ” فانظر إلى الاشتراك وفائدته، ولولا الاشتركُ لما تهيأ لمُتستِّر مراد، ولا سلِم له في التخلص قياد.”[97] فسمَّى هذا الأسلوب بالاشتراك لاجتماع معنيين متضاربين في نفس الكلام. ثم بين مقصدين يتحققان به؛ الأول تحقيق المراد بلطف وخفاء، والثاني التخلص من عقاب المخاطب في حال فطنته وفكه لرموز التعريض، بالتعلق بظاهر الكلام وادعاء البراءة من التعريض.
- مقام التحسين والتزيين:
إن دراستنا المقامية لأساليب التلطُّف من خلال علم البيان له ما يُسَوِّغُهُ منطقيا، فالعبارات التلطفية تردُ في إطار من الظروف والملابسات التي تستدعي طرقا خاصة في التعبير وأساليب معينة تستجيب لمقامات مختلفة. ولكن ماذا عن البديع؟ هل بإمكاننا أن نوظفَهُ لدراسة أساليب التلطف عبر جسر المقام؟ يشترك البديع والتلطف في كونهما بُنِيا على أساس التحسين والتزيين، ولكنهما يختلفان في المنطلقات والمقاصد.
تهتم أساليب التلطف في المقام الأول بتحسين المعنى وتجويده بالنظر إلى جملة من الاعتبارات، والأسباب التي سبق بيانها بتفصيل في مبحث “دوافع التلطف وأسبابه”، لذلك فهي لا تستعين بالمحسنات المعنوية أو اللفظية إلا في القليل النادر – التورية خاصة -، ذلك أن الباعث الأساس على التلطف هو: التعبير عن أمر مستهجن بأسلوب رقيق حسن يُبينُ عن المعنى المطلوب بشكل مقبول، ولا يشترط فيه أن يكون سجعا، أو جناسا، أو طباقا….. بل مدار الأمر على أن يلج المعنى إلى قلب وعقل المتلقي بأسلوب حسن دون التمحيص في اللفظ كما هو الأمر في البديع.
يقول حاتم الطائي في الكناية عن العفة:
| ومـا تـشتكينـي جـارتي غـير أنَّني | ♣ | إذا غـاب عـنهـا بعلُها لا أزورُها |
| سـيكنُـفُـها خـيْري ويـرجـعُ بـعـلُها | ♣ | إلـيـهـا ولم تُسْبَلْ عَلَيَّ سُتُورُها([98]) |
فانظر يا رعاك الله كيف أشار إلى فعل الجماع بأسلوب مهذب حسن؛ وهو إسبال الستر، لأنه يقع على هذه الصفة غالبا دونما حاجة إلى إخضاع اللفظ لأدوات التزيين البديعية.
والخطاطة التالية تبين لنا مكامن التشابه والاختلاف في مقام التزيين والتحسين بين البديع وأساليب التلطف.

ولا يستنجد هذا المقام بأساليب البديع إلا في القليل النادر (التورية خاصة) لأنه ينطوي على الأساليب البيانية غالبا التي ترمي إلى تصوير المعنى في ذهن المتلقي بطريق غير مباشر.
ثالثا:الفعل الكلامي
ينطوي الفعل الكلامي (speech act) على أن كل ملفوظ ينهض على نظام شكلي دلالي إنجازي تأثيري، فهو يطمح إلى أن يكون ذا تأثير في المخاطب، اجتماعيا أو مؤسساتيا، ومن ثم إنجاز شيء ما. وقد توصل أوستين في آخر مرحلة من مراحل بحثه إلى تقسيم الفعل الكلامي الكامل إلى ثلاثة أفعال فرعية. على النحو الآتي:([99])
أ- فعل القول: Acte locutoire
ويرادُ به إطلاق الألفاظ في جمل مفيدة ذات بناء نحوي سليم وذات دلالة، فهو يشترط بذلك تحقق الفعل صوتيا في إطار تركيبي ذي دلالة معينة.
ب- الفعل المتضمن في القول: Acte illocutoire
وهو الفعل الإنجازي الحقيقي “لأنه عملٌ يُنجزُ بقول ما” وهذا الصنف من الأفعال الكلامية هو المقصود من النظرية برمتها، ولذا اقترح أوستين تسمية الوظائف اللسانية الثاوية خلف هذه الأفعال: القوة الإنجازية: كالسؤال، إجابة السؤال، وعد، أمر، شهادة في محكمة….
ج- الفعل الناتج عن القول:Acte perlocutoire
قد يتسبب المتكلم في نشوء آثار في مشاعر، وفكر المتلقي. ومن أمثلة ذلك: الإقلاع، التضليل، الإرشاد، التثبيط…. وسماهُ بعضهم الفعل التأثيري.
“وتعد نظرية الخبر والإنشاء عند العرب – من الجانب المعرفي العام- مُكافئة لمفهوم “الأفعال الكلامية “عند المعاصرين”([100])، فقد تم تناول النظرية عبر مسار تاريخي طويل من قبل علماء النحو والبلاغة والأصول والمنطق، وذلك باستخدام أدوات تحليل منطقية وتداولية، وكان من بين الرواد الذين حازوا قصب السبق في هذا الصدد أبو نصر الفرابي الذي “التفت منذ عصر مبكر إلى فهم “الملفوظ الإنجازي” الذي يُقَدَّمُ في عصرنا على أنه اكتشاف حديث في كل من الفلسفة التحليلية والأبحاث التداولية المعاصرة. ويعبر عنه الفرابي بلفظ “القوة“force. ويحدِّد في وضوح أن “قوة أحد أنواع القول / ويقصد النداء تحديدا/ قوة السؤال عن الشيء”؛ أي أن القوة الإنجازية المحتواة في فعل النداء هي نفسها المحتواةُ في فعل الاستفهام، وهذا النوع من الكلام يقتضي “جوابا” عند الفرابي، مثلما رأى أوستين أن من الأفعال الكلامية نوعا ثالثا سماه “الفعل الناتج عن القول أو الفعل التأثيري”، وقد ربط الفرابي ذلك بأن لكل قوة كلامية جوابا معينا فكل مخاطبة يقتضى بها شيء ما فلها جواب، فجواب النداء إقبال أو إعراض، وجواب التضرع والطلبة بذل أو منع، وجواب الأمر والنهي وما شاكله طاعة أو معصية، وجواب السؤال عن الشيء إيجاب أو سلب”([101]).
ومنه، أن الفرق بين أوستين والفرابي – بالرغم من التباعد الزمني بينهما – ينحصر في الاصطلاح، وأما التوصيف فهو واحد.
كان هذا التقديم إجراء منهجيا مساعدا على الاحتكاك مع بعض الآليات المتحكمة في صيرورة الفعل الكلامي من جهة، وكذلك محاولة منا لتمهيد طريق البحث في أساليب التلطف انطلاقا من مفهوم الفعل الكلامي من جهة أخرى. وأول حجرة عثرة نرتطم بها مع بداية البحث هي الدلالة اللغوية العادية في علاقتها بالدلالة المجازية التي يقصد إليها المتكلم أو ما يصطلح عليه الأصوليون بعلاقة المنطوق بالمفهوم. فإذا كانت اللغة التقريرية المباشرة محتملة لأوجه تأويل شتى، فما بالك بلغة الاستعارة والكناية والمجاز والإبدال والقلب…
للخروج من هذا الإشكال نرى تقسيم فعل القول إلى قسمين، فعل القول المباشر (الحرفي)، وفعل القول غير المباشر (المقصود)، لأن هذا الأخير هو العمدة في الوصول إلى القوة الإنجازية. ونمثل لذلك بالمثال الآتي:
قولنا: “فلان قد عبر“، جملة خبرية تفيد تأكيد انتقال شخص ما من مكان إلى آخر، ولكن المقصود من العبارة هو عبوره جسر الإسلام، أي أنه ارتد وألحد.
– فعل القول المباشر: فلان قد عبر
– فعل القول غير المباشر: فلان قد ارتد
– الفعل المتضمن في القول: التقرير (وهو هنا تقرير إثبات)
– الفعل الناتج عن القول: الحسرة، الاستغراب، الحزن…
ولا يمكن دراسة أساليب التلطف في جزء كبير منها في إطار الفعل الكلامي لأن الملفوظات ترد بصيغة الإفراد، كالتعبير عن الختان بالطهر وعن القيء بالتعالج.. إضافة إلى أن الفعل الكلامي الكامل يتحقق عبر تعاقب مستويات معينة كل منها يختص بجانب ما، وهو ما لا قدرة للمفردات على تحقيقه. وبإزاء ذلك، فباقي العبارات تندرج ضمن القسمين المؤسسين لعلم المعاني (الخبر والإنشاء) وعلى ضوئهما سنتناول بإذن الله الفعل الكلامي.
1- الخبر:
غالب عبارات التلطف خبرية([102])، وهي مندرجة ضمن صنف التقريريات assertifs عند سيرل، والغرض المتضمن في القول في هذه المجموعة هو التقرير أو هو” إدراج مسؤولية المتكلم عن صحة ما يتلفظ به “([103]) ومن أمثلة ذلك:
| العبارة المباشرة | العبارة المقصودة | القوة الإنجازية
|
| – فلان من بقية قوم موسى،
| – فلان ملُولٌ
| – التقرير (إثبات)
|
| – تسافر يده على الخِوان، | – لا يأكل مما يليه
| – التقرير (إثبات)
|
| – نوَّر غصن شبابه،
| – طعن في السن
| – التقرير (إثبات) |
| – اختار الله له النقلة من دار البوار إلى محل الأبرار | – مات | – التقرير (إثبات)
|
| – فلانة لا ترد يد لامس | – ليست بعفيفة | – التقرير (نفي) |
2- الإنشاء:
2-1- الإنشاء الطلبي:
وقد “قرر الكاتبي بأن الأمر والدعاء والالتماس من الإنشاء الطلبي([104])، ولا يسلك الكاتبي طريق تحديد أي من هذه الأنواع، إلا عبر رؤية تداولية فحواها النظر إلى حال المتكلم أو منزلته، مقارنا مع المخاطب، فقد نص الكاتبي على أن الطلب مع الاستعلاء أمر، (…) ومع الخضوع سؤال ودعاء، ومع التساوي التماس”([105]).
وتندرج هذه الأصناف عند سيرل ضمن ما يسميه بالأمريات Directifs، ومن أمثلتها:
- الأمر:
- قال تعالى:
﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾([106]) ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾([107])
في الآيتين أمر بالجماع، لكنه في الآية الأولى ينطوي على الإذن بعد المنع بدليل قوله تعالى قبل هذه الآية: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. وفي الآية الثانية تتعلق القوة الإنجازية بالإباحة، أي إباحة مخالفة اليهود وإتيان المرأة على أي وضعية ما دام ذلك في الفرج. والإباحة والإذن في الآيتين جاءا مقرونين بلفظين تلطفيين هما: المباشرة، والحرث.
- وقوله ﷺ:
“لا يقولَنَّ أحدكم خبُثَتْ نفسي، وليقل لقِسَتْ([108]) نفسي”.
في الحديث نهي فأمر، وهو ليس نهي فقط عن قول كذا واجتنابه ثم استبداله بلفظ آخر. ولكنه أمر بالتلطف مع النفس التي بين جنبيك، وعدم نعتها بما يشينُها وإن اقترنت بما قد يكون خبيثا في حالة نسيانها أو ضعفها.
- “قد رأى أمير المؤمنين أن يحوّل الخاتمُ من شمالك إلى يمينك”.
والقوة الإنجازية في هذه العبارة، هي الأمر، (أمر بالعزل). فمع أن الأمر جلل، ويحتاج إلى لفظ صريح، وتوثيق رسمي إلا أنه تم بالتعريض.
كما تتقاطع هذه العبارة كذلك مع ألفاظ العقود “التي تتم من طرف واحد، ولا يشترط إيقاعها من طرفين اثنين كقول المدير لمرؤوسه:
- أنت مكلف بتسيير مصلحة كذا([109]).
وتتموضع ألفاظ العُقود والمعاهدات عند سيرل ضمن “الايقاعيات”([110]).
2-2- الإنشاء غير الطلبي:
هو الضرب الثاني من الأسلوب الإنشائي، ولكن لا طلب فيه، ومنه الترجّي، والقسم، والتعجب، والمدح والذم وصيغة المقاربة، والرجاء، وألفاظ العقود.
- المدح والذم:
يدخل المدح والذمّ عند سيرل في صنف “البوحيات”، وفي العربية نجد لفظين شهيرين هما اللذين يؤديان وظيفة المدح والذم؛ ” نِعْمَ ” و”بِئْسَ”.
قال ﷺ: ” بئست المرضعة، وبئست الفاطمة ” ([111]) فالمرضعة الإمارة، والفاطمة الموت.
ويتحدث السكاكي عن ما يسمى ب “خروج الأسلوب عن مقتضى الظاهر“([112]) أي أن يفيد الأسلوب في ظاهر الأمر شيئا كالتعظيم مثلا ولكن باطنه ينطوي على الذم أو العكس، والأمثلة على ذلك من أساليب التلطف كثيرة جدا خاصة في أبواب العاهات، والمرض، واللواط والثقل والبرد وخروج اللحية……….
- ألفاظ العقود والمعاهدات:
يلح أوستين على أن القول النموذجي الذي يحصل به فعل كلامي هو ما يسمى «بألفاظ العقود» في تراثنا، وأن ما عداه من الأفعال المتضمنة في القول قد جاءت لاحقا بتوسيع النظرية وتعميقها على يد سيرل. ومن أعظم العقود نجد عقد الزواج الذي سماه الله تعالى في كتابه: الميثاق الغليظ، ويقوم هذا العقد على أربعة أركان، منها الإيجاب والقبول، فقد تقول المرأة (أو وليها) للزوج:
- زوجتك نفسي.
وفي بعض الأحيان تتلطف استحياءً، فلا تنبسُ ببنت شفة، فتكون الإشارة أبلغ من العبارة. ومن الإشارة الحسنة كذلك ضحكُها، أو حتى بكاؤها كما يقول أحد المشايخ المحدثين، لأن المرأة إذا أبغضت الخاطب أو الزواج فإنها تتكلم… والله أعلم.
الشاهد في ذلك هو أن هذه الإشارات البسيطة تعدُ أفعالا كلامية توقع الزواج. فضحكها أو صمتها أو بكاؤها يدخل ضمن صنف الإيقاعيات عند سيرل.
فإذا استحالت العشرة بين الزوجين بعد ذلك لعلة ما، افترقا ومضى كل واحد إلى حال سبيله، “وإن يتفرقا يُغن الله كلا من سعته”. والطلاق يختلف عن الزواج في كونه لا يقع إلا من طرف واحد هو الزوج من دون الحاجة إلى الزوجة في شِرْعة الإسلام ويكون بلفظ صريح أو كنائي. “واللفظ الصريح كما قال الزركشي؛ اسم لما هو ظاهرُ المراد عند السامع بحيث يسبق إلى أفهام السامعين المرادُ منه نحو: أنت طالق، بعت واشتريت”([113])…. “ويقابل اللفظ الصريح، اللفظ الكنائي، أو الكناية وهي (عند الأصوليين): اسم لما استتر فيه مُراد المتكلم من حيث اللفظ كقوله في البيع: جعلته لك بكذا، وفي الطلاق: أنت خَلِيَّةٌ”.([114])
ويقع الطلاق وإن كان بالكناية شريطة أن تكون نية الزوج وقصده مبيتين على ذلك. فقد يتحرّج من التصريح بلفظ الطلاق رعاية منه لكبرياء امرأته، أو لإخفاء مقصده عن الأبناء أو غير ذلك من السياقات الاجتماعية والنفسية التي تحول دون التصريح.
إن عبارات الطلاق وإن تحلَّتْ بحِلْية اللطافة إلا أنها تنجزُ فعلا كلاميا في غاية الخطورة([115])، وتصنف باصطلاحات سيرل، ضمن “الإيقاعات” باعتبار أن المتكلم يريد من التلفظ بها “إيقاع” فعل وسلوك اجتماعي معين وإجادته بالكلام”([116]).
وخلاصة القول في هذا المبحث أن عبارات التلطف تتضمن في بعض الأحيان قوى إنجازية ذات تأثير على المستوى الاجتماعي والمؤسساتي، لا سيما ما يتعلق بألفاظ العقود (عزل، زواج، طلاق…).
تقاطعات التداولية القديمة مع نظيرتها الحديثة من خلال أساليب التلطف:
إن قضية وجود مناطق مشتركة بين التداولية العربية القديمة، ونظيرتها الغربية الحديثة يعد من قبيل تحصيل الحاصل. فالتداولية المعاصرة قامت على أساس نظري مستقل، لتشكل علما أو فنا لغويا له حده، ومنهجه، ومصطلحاته الخاصة. أما التداولية في التراث المعرفي العام عند العرب، فكانت مُجزأة بين علوم شتى كالنحو، والبلاغة، وأصول الفقه، والمنطق…. وكانت تتخذ مجرد وسيلة لفهم هذه الحقول المعرفية. وهذا يقتضي بذل الوُسْع والجهد الجهيد في الاطلاع على كل هذه الروافد المعرفية من أجل الوقوف على أبرز سمات وخصائص البحث التداولي عند العرب. ولبلوغ هذه الغاية، انبرى ثلة من الباحثين من أمثال: مسعود صحراوي، ومنال النجار وغيرهم للنبش في كنوز الأقدمين التداولية، لإثبات علميتها، وسبقها التاريخي المبكر جدا. فأفردوا لذلك دراسات ومُؤلفات مستقلة.
وسيرا على نهجهم، واقتفاء لأثرهم، كنا على مدار هذا البحث المتواضع ندرس أساليب التلطف العربية باعتماد منهج توفيقي لا يبخسُ الأسلاف حقهم، ولا ينفي عنهم “براءة الاختراع التداولية” إن صح التعبير. وبإزاء ذلك لا نغضُّ الطرف عن القيمة العلمية المتميزة بالجدية وبالجِدّة، فيما توصل إليه المُحدثون من تأصيل وتقعيد للدرس التداولي الحديث.
وبالتدقيق والتمحيص في مباحث الدراسة التطبيقية، تبين لنا ما يلي:
- اتفاق القدماء والمحدثين على مركزية القصد، والغرض في التحليل التداولي، وبالعودة إلى النظرية المقاصدية عند الأصوليين نلمح امتدادا، وتوسعا في مفهوم القصد بحيث ينظر إلى الأشياء على المدى البعيد، وهو ما مكننا من التمييز بين المقاصد الخاصة، والمقاصد العامة لأساليب التلطف.
- محورية السياق، واستحالة تجاهُله في دراسة اللغة سواء تعلق الأمر بالسياق اللغوي أو الخارجي. ورأينا أسبقية الأدبيات التراثية في بحث السياق تحت مسمى المقام وإن كان متحفّظا على مقابلة مصطلح المقام للسياق عند بعض الدارسين.
- الوصول إلى غرض المتكلم ومقصده، وتبيُّنُ ذلك بجلاء يكون بالإحاطة بالدلائل (السياق، الظروف المؤثِّثَّة للخطاب، الغرض….) التي يُصطلح عليها عند الأصوليين بالقرائن.
- توصل سيرل وأوستين إلى أننا ننجز أفعالا أو سلوكات اجتماعية ومؤسساتية بمجرد التلفظ، تناولته البلاغة العربية في مبحث الخبر والإنشاء وكذلك علم النحو، وأصول الفقه.
الحقيقة أن التلطف موضوع ماتع، حاولنا أن ندخل إليه من الباب اللغوي عامة، والتداولي خاصة. فاتضح لنا بما لا يدع مجالا للريبة والشك، أنه مولود خرج من رحم روافد علمية، ومعرفية متعددة. بما في ذلك الرافد الديني، والاجتماعي، والنفسي، والسلوكي، والتاريخي، واللغوي، والتداولي…إلخ، بحيث تتفاعل كل هذه المكونات فيما بينها لتحدد الصورة النهائية للتلطف على مستوى الشكل، والمضمون.
ونرى أن تنصب هذه الخاتمة المقتضبة على الانفتاح على آفاق مستقبلية تنظر إلى التلطف من واجهات متعددة، لتتمّم ما بدأه البحث، وتعمّق ما اكتفى فيه بالإشارة، وذلك بالغوص أكثر في غمار المقاربة التداولية، ومنح المزيد من العناية والاهتمام لمركزية المجتمع وأدواره الطلائعية في استيعاب وتمثل التلطف. ثم بعد ذلك، إقامة مقارنات بين التلطف في العربية المعيارية والعامية المغربية، لأن من شأن ذلك أن يُحَيِّنَ هذه الدراسة لتواكب المقام الزماني الحالي، وربما قد تحيط بعوالم جديدة عجزت الفصحى عن الإحاطة بها.
مصادر البحث ومراجعه
- القرآن الكريم
- الأبْشِيهي، أبو الفتح شهاب الدين محمد بن أحمد، المستطرف من كل فن مستظرف، تح د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
- ابن منظور، لسان العرب، تح عبد الله علي الكبير و محمد أحمد حسب الله و هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، مصر
- أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399 هـ / 1979 م
- أحمد مختار عمر، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، مصر، ط 7، 2009
- الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، تح مصطفى ابن العدوي، مكتبة فياض، ط 1، 1430هـ/2009م
- أيمن صالح، القرائن والنص دراسة في النهج الأصولي في فقه النص، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرنند، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط 1، 1431هـ/2010م
- الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، تحقيق فرج الحوَّار، منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا) – بغداد، 2006
- الثعالبي، أبو منصور، فقه اللغة وسر العربية، تح د. ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت، لبنان، 1431هـ/2010م
- الجاحظ، أبو عثمان عمرو ابن بحر، البيان والتبيين، تح عبد السلام هارون، مكتبة الغانجي، القاهرة، مصر، ط 7، 1418هـ/1998 م
- الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، تح محمد شاكر القطان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003
- الجرجاني، عبد القاهر ابن عبد الرحمان، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تح د. عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1422هـ/2001م
- حافظ إسماعيلي علوي، التداوليات علم استعمال اللغة، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط 1، 1432 هـ/2011 م
- السبيل، جريدة ورقية، العدد 118، مطابع الرسالة، الرباط، المغرب، 8 ربيع الأول 1433هـ/ 01 مارس 2012م
- السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تح د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، لبنان، 1431هـ/2010م
- علي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط 1، مارس 2004
- كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية دراسة دلالية للمستهجن والمحسن من الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 1، 1985
- الكفوي، أبو البقاء، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تح عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 3،1419 هـ/1998م
- محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية (دراسة دلالية لتقبل الألفاظ لدى الجماعة اللغوية)، مجلة جامعة أم القرى، https://shamela.ws/book/1190/2083
- مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، دار الطليعة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، يوليو 2005
- المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، ط 4، 1425هـ/2004م
[1]) أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399 هـ / 1979 م، (ل ط ف).
[2]) ابن منظور، لسان العرب، تح عبد الله علي الكبير و محمد أحمد حسب الله و هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، مصر (ل ط ف).
[3]) كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية دراسة دلالية للمستهجن والمحسن من الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 1، 1985، ص: 17.
[4]) أحمد مختار عمر، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، مصر، ط 7، 2009، ص: 240.
[5]) دور الكلمة في اللغة، ص: 196/ نقلا عن: محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية (دراسة دلالية لتقبل الألفاظ لدى الجماعة اللغوية)، مجلة جامعة أم القرى، https://shamela.ws/book/1190/2083.
[6]) معجم علم اللغة النظري، ص: 88 / نقلا عن: محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية.
[7]) كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 17.
[8]) أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص: 18.
[9]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، تح محمد شاكر القطان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003، ص: 50.
[10]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، تحقيق فرج الحوَّار، منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا) – بغداد، 2006، ص: 173.
[11]) سورة يوسف، الآية: 6.
[12]) كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 21.
[13]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 41.
[14]) المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 1425هـ/2004م، (س ل ب).
[15]) الكفوي، أبو البقاء، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تح عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 3، 1419 هـ/1998م، ص: 82- 83.
[16]) أستاذ التعليم العالي مؤهل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، المغرب.
[17]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 52.
[18]) المرجع السابق، ص: 279.
[19]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، الباب الأول «الكنايات الواردة في القرآن وما جاء منها من الأخبار والآثار»، ص: 48.
([20](السائل): الفقير، وفي التنزيل العزيز: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ و(السؤَال) طلب الصدقة، وفي الحديث: (نهى عن كثرة السؤال) و(السُّؤَّال) جمع سائل. المعجم الوسيط، (س أ ل) بتصرف.
ويقال: (أكدى): افتقر بعد غنىً، وألح في المسألة. والكدية أو المكدين بمعنى السُّؤَّال.ابن منظور، لسان العرب، (ك د ي).
[21]) سورة البقرة، الآية: 187
[22]) سورة النساء، الآية: 43
[23]) اللغة، فندريس، ص: 280، نقلا عن: محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية.
[24]) كتاب الإبدال، 1/88، نقلا عن: كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 62.
[25]) كتاب الإبدال، 2/119، نقلا عن: المرجع السابق، ص: 62.
[26]) كتاب الإبدال 1/224 نقلا عن المرجع السابق، ص 62.
[27]) كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص 63 بتصرف
[28]) العلامة اللسانية، وغير اللسانية من صميم البحث السيميائي الحديث.
[29]) يقول الجرجاني في (كنايات الأدباء وإشارات البلغاء): “واعلم أن هذا من الرموز، أشد أنواعها استخراجا، وأصعبها استنباطا لخلوه من النطق، والاقتصار على مجرد الفعل”
[30]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 414.
[31]) سورة الدخان، الآية: 49.
[32]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 194.
[33]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 37 بتصرف.
[34]) عبقرية اللغة، ص: 57. نقلا عن: محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية.
[35]) Palmer،: semanticsنقلا عن كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 56.
[36]) المرجع السابق، ص: 56.
[37]) المرجع السابق، ص: 57.
[38]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 213.
[39]) المرجع السابق، ص: 212.
[40]) المرجع السابق، ص: 31- 32.
[41]) المرجع السابق، ص: 51.
[42]) المرجع السابق، ص: 189.
[43]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 191.
[44]) المرجع السابق، ص: 316.
[45]) المرجع السابق، ص: 211-212.
[46]) المرجع السابق، ص: 195.
[47]) المرجع السابق، الفصل السابع: في الكناية عن جملة من المعايب والأخلاق المذمومة، ص: 215.
[48]) المرجع السابق، ص: 218-221.
[49]) دلالة الألفاظ، ص: 144. نقلا عن: محمد بن سعيد بن إبراهيم الثبيتي، ظاهرة التلطف في الأساليب العربية.
[50]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 281.
[51]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 175 – 177.
[52]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 281.
[53]) كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 53.
[54]) سورة الأنبياء، الآية: 83.
[55]) سورة إبراهيم، الآية: 79- 80.
[56]) Ullman, semantics، ص:.206 نقلا عن: كريم زكي حسام الدين، المحظورات اللغوية، ص: 52.
[57]) المرجع السابق، ص: 206 – 207 – 208.
[58]) المرجع السابق، ص: 209.
[59]) المرجع السابق، ص: 314.
[60]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، الباب 13: “العدول عن الألفاظ المتطير منها إلى غيرها”، ص: 201.
[61]) المرجع السابق، ص: 201.
[62]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 274 – 275.
[63]) المرجع السابق، ص: 281.
[64]) المرجع السابق، ص: 318.
[65]) سورة الأنعام، الآية: 112.
[66]) الصواعق المرسلة، 2/436، نقلا عن: السبيل، جريدة ورقية، العدد: 118، مطابع الرسالة، الرباط، المغرب، 8 ربيع الأول 1433هـ/ 01 مارس 2012 م.
[67]) سورة طه، الآية: 120.
[68]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 293 – 296.
[69]) إن قضية التداولية هي إيجاد” القوانين الكلية للاستعمال اللغوي، والتعرف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي، وتصيرُ “التداوليةُ” من ثم جديرة بأن تعرف بأنها “علم استعمال اللغة” وقد نقول في تعريفها بأنها نسقٌ معرفي استدلالي عام يعالج الملفوظات ضمن سياقاتها التلفظية، والخطابات ضمن أحوالها التخاطبية.”
انظر: حافظ إسماعيلي علوي، التداوليات علم استعمال اللغة، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط 1، 1432 هـ/2011 م، ص: 32.
وينعت بعض الباحثين التداوليات بأنها مستوى خارج لساني، وكأنها “سلة لمهملات اللسانيات، بحيث تعتبرُ كل ظاهرة عجزت اللسانيات عن حلها مجالا للبحث التداولي، والأمر ليس كذلك البتة؛ لأن التداوليات لا تدرس المواضيع المهملة أو المتروكة بالضرورة، ومن ثم فهي تقومُ بإزالة الغموض عن عناصر التواصل اللغوي، وتشرح طرق الاستدلال ومعالجة الملفوظات.”
انظر: مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، دار الطليعة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، يوليو 2005، ص: 27.
وبالتأمل في التراث العربي القديم نجد بأن العلماء العرب أدركوا بعض القوانين التداولية وأسسَها في دراساتهم النحوية، والبلاغية. ومع ذلك فإنهم لم يكونوا يقصدون إلى وضع علم التداولية، بدليل أن أهم القوانين التي توصلوا إليها كانت مندرجة ضمن علوم أخرى، فقد تحدث المناطقة بإسهاب عن النسبة الخارجية باعتبارها معيارا للتمييز بين الخبر والإنشاء، واعتنى الأصوليون بالبعد المقاصدي في اجتهاداتهم. وكان استحضار طرفي العملية التواصلية من أهم السمات التي طبعت البحث النحوي والبلاغي، فلا يقبل كلام المتكلم حتى يكون مفيدا، مُدرَك الدلالة، محيطا بالمعنى، ملائما للمقام التواصلي الذي ورد فيه.
[70]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 181.
[71]) المرجع السابق، ص: 195.
[72]) المرجع السابق، ص: 210.
[73] انظر: الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 59.
[74]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 186.
[75]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 281.
[76]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص 54، وفي ذلك يقول الشاعر:
من البِيض لم تُصطد على حَبْل لأَمة ولم تمش بين الناس بالحطب الرطب
[77]) سورة البقرة، الآية: 122.
[78]) سورة البقرة، الآية: 104.
[79]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 149.
[80]) المرجع السابق، ص: 161.
[81]) المرجع السابق، ص: 238. قال مخلد الموصلي:
يا نبي الله في الشـعْـ ر ويا عيسى ابن مريـــم
أنت أشعــــر خـلْـ قِ اللـــه مــا لـم تتكلـــم
[82]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 186- 186.
[83]) علي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط 1، مارس 2004، ص: 187 – 188.
[84]) المرجع السابق، ص: 197.
[85]) السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تح د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، لبنان، 1431هـ/2010م، ص: 216.
[86]) الجرجاني، عبد القاهر ابن عبد الرحمان، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تح د. عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1422هـ/2001م، ص: 54.
[87]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 249.
[88]) سورة القصص، الآية: 10.
[89]) الثعالبي، أبو منصور، الكناية والتعريض أو النهاية في فن الكناية، ص: 212.
[90]) حافظ إسماعيلي علوي، التداوليات علم استعمال اللغة، ص: 571.
[91]) السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ص: 56.
[92]) سعد مصلوح، الدراسة الإحصائية للأسلوب، بحث في المفهوم والإجراء والوظيفة، ص:119. نقلا عن: حافظ إسماعيلي علوي، التداوليات علم استعمال اللغة، ص: 562.
[93]) حافظ إسماعيلي علوي، التداوليات علم استعمال اللغة، ص: 562.
[94]) انظر: الأبْشِيهي، أبو الفتح شهاب الدين محمد بن أحمد، المستطرف من كل فن مستظرف، تح د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج 1، ص: 51.
[95]) سورة الأنعام، الآية: 44.
[96]) سورة الجن، الآية: 15.
[97]) الأبْشِيهي، أبو الفتح شهاب الدين محمد بن أحمد، المستطرف من كل فن مستظرف، ص: 51.
[98]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 61.
[99]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 40 – 41.
[100]) المرجع السابق، ص: 49.
[101]) المرجع السابق، ص: 88.
[102]) والخبر في أشهر تعريفاته هو ما احتمل الصدق والكذب.
[103]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 135.
[104]) وفحواه عند السكاكي أنه ما يستدعي مطلوبا “وأن يكون مطلوبه” غير حاصل وقت الطلب” نقلا عن: المرجع السابق، ص: 104- 105.
[105]) المرجع السابق، ص: 105- 106.
[106]) سورة البقرة، الآية: 187.
[107]) سورة البقرة، الآية: 223.
[108]) لقست نفسه إلى الشيء؛ إذا نازعته إليه وحرصت عليه فهي لقيسة.
[109]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 121.
[110]) المرجع السابق: 123.
[111]) الجرجاني، أبو العباس أحمد بن محمد، كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، ص: 57.
[112]) مفتاح العلوم، ص: 304 وما بعدها / نقلا عن: مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 108.
[113]) أيمن صالح، القرائن والنص دراسة في النهج الأصولي في فقه النص، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرنند، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط 1، 1431هـ – 2010م، ص: 171.
[114]) المرجع السابق، ص: 171.
[115]) المقصود بالخطورة الأثر النفسي والاجتماعي المترتب على الطلاق بالنسبة للزوجين والأبناء.
[116]) مسعود صحراوي، التداولية عند العلماء العرب دراسة لظاهرة الأفعال الكلامية في التراث العربي اللساني، ص: 169.