كلمات بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف
بقلم: الطالب الباحث الحسين كوكادير
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، الصادق الأمين قبل وبعد النبوة، المستقبل والمبلغ للرسالة، والرحمة المهداة إلى البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.
نعيش أجمل أيام العام وأحلاها على الإطلاق. كيف لا تكون الأجمل والأحلى وهي ذكرى مولد خير البرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. النور الأعظم، والنبي الخاتم، والرسول الأرحم، والمُرسل الأكرم، المعلم للناس رسالة ونور وهدي ورحمة الإسلام.
أضاء الكون بمجيئه، واهتزت الأرض بمولده، وفرح الوجود بوجوده. رحم الله “الإمام الشافعي”، لخص هذا كلّه في قوله:
واهتزت الأرض إجلالا لمولده
شبيهة بعروس هزَّها الطرب
الماء فاض زلالا من أصابعه
أروى الجيوش وجوف الجيش يلتهب
والظبي أقبل بالشكوى يخاطبه
والصخر قد صار منه الماء ينسكب
قبل أن أفتح مذكرتي للعبارة، سألت نفسي قبل ذلك لماذا الكتابة؟ بل كيف يمكنك الكتابة وأنت أكبر المقصرين في حق سيرة أعظم المرسلين؟ هل حقا يستطيع الإنسان أن يكتب عن مبلغ الرسالة وصاحب الخلق العظيم؟ كيف لشاب تائه في دروب الحياة تتقاذفه أمواج الاتجاهات أن يكتب عن مولد صاحب آخر الرسالات؟ كيف نكتب والمسافة مسافات؛ قرون وأزمان وأحداث وتغيرات؟ هل كل ذلك يؤثر فيما نريد أن نقوله أو نعبر عنه بكلمات أو إبداعات؟
بصريح النية؛ لم أكن أود أن أكتب في هذا الموضوع سوى جملة قصيرة عبارة عن تهنئة للأحباب والأصدقاء بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف. ولم تكن لدي القدرة أبدا لاقتحام السطور للحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. لولا كلمة للأستاذ الدكتور “عبد العلي مسؤول” على صفحة منار الإسلام مؤداها: أن الكتابة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده نوع من أنواع الاحتفاء والاحتفال بهذه المناسبة الغالية. فحصل ما حصل، وأنا الآن في خضم الحروف وصيغ العبارات، ولا أنوي فيها إلا الفرح والابتهاج وإعلان السرور والابتسامات ومدى تعلق القلوب بطبيب القلوب صلى الله عليه وسلم ولو بالكلمات.
إن المؤكد اليقين هو أن ذكرى المولد النبوي تحيينا ولسنا نحييها ولو بدا ذلك ظاهرا. إن الذكرى ترفعنا وتجدد إيماننا وتحيي فينا خيوط التعلق ورباط الأخوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ظن البعض ذلك مجهولا.
ذكرى المولد النبوي الشريف فرصة عظيمة لنبادل رسولنا الأكرم ومعلمنا الأعظم نفس الشوق، ونفس السؤال، ونفس التهمم، ونفس الحب الذي يكنه لنا صلى الله عليه وسلم. بل الأَوْلى أن يحصل ويتحقق فينا نحن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمومنين به وبرسالته. في مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددت أني لقيت إخواني. قال: فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أو ليس نحن إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني.”
لا إله إلا الله، فكّر فينا ولم نولد بعد.. أراد لقاءنا ولم نأت بعد.. أحب أن يذكرنا ويعرّفنا عند أصحابه رضوان الله عليهم ولم نُعرف بعد. أليس الأصل اليوم، وفي سائر الأيام، في زمن الفتنة والرديئة ومسخ المعنى والهجوم على الإسلام وعلى شخصه الكريم، أن نفكر في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحب لقاءه ونذكره ونصلي ونسلم عليه في كل وقت وحين، ونجعل هذه المناسبة مناسبة فرح وإجلال واحترام وتقدير، ولحظة إعلان وتجديد التعلق والولاء بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ليكون حاضرا معنا على طول العام، بل الحياة، قلبا وعقلا وسلوكا.
معشر الشباب، وأنا منكم، ما أحوجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلى الاقتداء به؛ والسير على نهجه؛ والعمل بنصائحه وتوجيهاته وإرشاداته الكريمة في هذا العصر القاتم المظلم بظلام الفتن وأمواج الجاهلية كما قلت أعلاه. وذكرى مولد خير البشر مناسبة عظيمة لتجديد هذه الحاجة ولبعثها في نفوسنا والعمل على تطبيقها في سلوكنا.
لقد خصنا الرسول الكريم بنصائح ووصايا جليلة، كفيلة بأن تنتشلنا من وحل واقعنا وهم أوهامنا. وصايا نور تهدي وتؤدي إلى طاعة الله عز وجل وعبادته واتباع سنة نبيه والتهمم بحال عباده وواقع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما رواه الترمذي: “عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: (يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.)
ومن وصاياه أيضا، والحديث نحفظه جميعا، روى البخاري والترمذي وأحمد عَنِ عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.»
وروى الشيخان والترمذي والنسائي ومالك وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. »
إن القارئ لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتتبع لأقواله وأفعاله ومواقفه مع الشباب، يستوعب ويفهم الاهتمام العظيم الذي منحه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وما كان صحابته رضوان الله عليهم إلا شبابا طاهرا شامخا أبيا صامدا محبا ومحبوبا. صدق من قال وهو يخاطب الشباب:
أهدي الشباب تحية الإكبار * * * هم كنزنا الغالي وذخر الدار
ما كان أصحاب النبي محمد * * * إلا شبابا شامخ الأفكار
يا شباب الدين يا حصن العلا * * * أهديك حب الحب في الأشعار
من يجعل الإيمان رائدا يفز * * * بكرامة الدنيا وعقبى الدار
كنز يتعرض اليوم لأبشع الهجمات، ويفقد يوما عن يوم قيمته وجوهره بسبب التفاهات. ولا ينبغي أن نسهم نحن في تبنيها ونشرها. بل ينبغي أن نكون أصحاب العَلَم وحاملي المشعل ننادي بأعلى الصوت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا ومعلمنا وسيدنا وشفيعنا في الدنيا والآخرة. وإن أفضل وقت لحمل هذا المشعل وتجديده في نفوسنا وقلوبنا مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف. وإنّ بُعد المسافة وتغير الأحداث والوقائع يزيد من قيمة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ويؤكد حاجة الإنسان إليها، وأن خلاصه روحا وجسدا وأخلاقا وقيما وحضارة في قلبها وروحها.
أعلاه؛
كلمات يشرفها اسم محمد صلى الله عليه وسلم؛
كلمات لا تدعي الكتابة عن صاحب الرسالة العظيمة بقدر ما ترجو وتطلب الشفاعة؛
كلمات تريد أن تقول في مجملها: إن الفرح والابتهاج بذكرى المولد النبوي فرح بفضل الله تعالى وبدينه ودعوة حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، واعتراف وتقدير وإجلال واحترام لعطائه وجهده وجهاده، وطلب لنوره وشفاعته وهديه، صلى ربنا عليه وأثنى عليه وفرح به، وما علينا نحن عباد الرحمان إلا أن نفرح ونبتهج بذكرى مولد الحبيب صلى الله عليه وسلم.
«قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون.» الآية.
ما شاء الله ، لا فض فوك أيها المحب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، أحسن الله إليك 💐