منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار مع الدكتور رشيد كُهُوس المتخصص في السنن الإلهية في السيرة النبوية

أجرى الحوار الأستاذ سعيد ضياء

0

حوار مع الدكتور رشيد كُهُوس

المتخصص في السنن الإلهية في السيرة النبوية

أجرى الحوار الأستاذ سعيد ضياء

في إطار احتفالية موقع منار الإسلام بذكرى المولد النبوي الشريف على ضوء معركة طوفان الأقصى المجيدة، توجه موقع منار الإسلام بخمسة أسئلة حول خصوصية الاحتفال بالذكرى هذا العام، وكان ممن توجه لهم الموقع بهذه الأسئلة الدكتور رشيد كُهُوس، المولود بفرخانة إقليم الناظور بالمغرب الأقصى، وهو أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان ، والحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ، وشهادة التأهيل الجامعي من جامعة القرويين، وشهادة الأستاذية من جامعة عبد المالك السعدي، وهو من العلماء الشباب الذين طبعوا الساحة العلمية في السنوات الأخيرة بإشعاعهم وإنجازاتهم وكتاباتهم، فقد تجاوزت كتبه المطبوعة 25 كتابا غطت مجالي السيرة النبوية، و قضايا الأسرة، وواقع المسلمين ومستقبلهم.

وفيما يلي نص الحوار:

السؤال الأول: ونحن نتابع أحداث غزة الأليمة وصمود رجالها ونسائها وأطفالها رأينا أبا يودّع ابنه الشهيد أحمد ويقول له:” يا أحمد بلّغ مني السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم”. فكيف تربطون –سيدي- هذا التعلّق المنيف بالجناب الشريف بصمود أهل غزّة؟ … وهل تعلقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هو سرّ هذا الثبات؟

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الختام، ويُستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كل معلوم لك.

أما بعد؛ ففي البداية أتوجه بجزيل الشكر وكل التقدير إلى موقع منار الإسلام على الاستضافة الكريمة في هذا الشهر المبارك شهر ربيع الأنوار شهر مولد النبي المختار صلى الله عليه وسلم، أسأل الله تعالى أن يجعله شهر نصر لإخواننا في غزة، وفاتحة خير على الأمة الإسلامية جمعاء. والشكر أيضا لمدير هذا الحوار الأستاذ سعيد ضياء.

للإجابة عن هذا السؤال أبدأ بالحديث المروي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي”(سنن الترمذي).

إنه صلى الله عليه وسلم العروة الوثقى والمنة العظمى والنور المبين، وقطب دائرة الأنبياء والمرسلين، وطراز أهل الله المقربين، الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بالناس أجمعين، فرض علينا حبه وتعظيمه وتوقيره وإجلاله وتوليه.. فبحبه تحلو الحياة بكل ابتلاءاتها ومصاعبها ومرارتها، وبها يواجه المؤمن الصعوبات ويقتحم العقبات ويثبت في الميدان.. من أجل ذلك تواترت قصص الثبات والشجاعة عن أهل غزة، وتواتر حضور الغيب معهم مثبتا ومسليا ومبشرا.

إن تعلق أهل غزة بالجناب النبوي الشريف وحبهم الشديد لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سر ثباتهم وصمودهم، فكل أسرة من أسر غزة إما فقد فردا من أفرادها أو فقدت غالبية أفرادها، بل هناك أسر استشهد جميع أفرادها، لكن رغم هذا المصاب الجلل، فأهل غزة يستبشرون خيرا بأن شهداءهم سيكونون رفقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة..

إنه تعلق منقطع النظير بصاحب الرسالة العصماء صلى الله عليه وسلم، وحضور نبوي غيبي في كل تفاصيل معركة طوفان الأقصى، وكأنه صلى الله عليه وسلم يتابع، يُثبت، يبشر، يدعو، يستنصر الله لهم.. وكأنهم يشعرون بذلك الحضور النوري النبوي معهم في هذه المعركة مع الباطل ومع أخبث جرثومة في هذه الأرض..

إنه الحب الترياق المجرب، والمفتاح الذي قاد الأمة في عهودها الزاهرة إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، وهو الذي يقود أهل غزة اليوم إلى إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة أو إلى الحسنيين معا نصر وشهادة.

إن قصص الحب النبوي عند أهل غزة تذكرنا بقصص الجيل الخالد جيل الصحابة رضي الله عنهم في حبهم لسيد الوجود صلى الله عليه وسلم: بعد انتهاء معكرة أحد فرغ الناس لقتلاهم، فتفقد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن الربيع رضي الله الذي ملأت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم شغاف قلبه، ولم يبال بما أصابه من جراح وهو يحتضر إلا شوقه إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” “منْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ؟ أَفِي الْأَحْيَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللـهِ مَا فَعَلَ سَعْدٌ، فنظر فوجده جريحا في القتلى وَبِهِ رَمَقٌ. قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنّ رَسُولَ اللـهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ أَفِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللـهِ صلى الله عليه وسلم عَنّي السّلَامَ؛ وَقُلْ لَهُ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَك: جَزَاك اللّهُ عَنّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ. وَأَبْلِغْ قَوْمَك عَنّي السّلَامَ؛ وَقُلْ لَهُمْ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللـهِ إنْ خَلُصَ إلَى نَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. قَالَ: ثُمّ لَمْ أَبْرَحْ حَتّى مَاتَ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللـهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْته خَبَرَهُ» (سيرة ابن هشام).

إنه سيدنا سعد بن الربيع الله الذي يحذر إخوانه من الأنصار رضي الله عنهم من أن يتمكن أحد من حبيبه صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك عرجت روحه إلى ربها. فنلحظ إلى ما ختم به سيدنا الربيع رضي الله عنه حياته حين أثخنته الحرب: نسي ما حل به من آلام وجراح ودماء، وانتهز الفرصة للتعبير عن حبه الشديد لحبيبه وتحذير إخوانه من أن تصل يد عدو إلى حبيبه، انتهز بقية الحياة يتذوق حلاوة ذكر المحبوب يفارق بها الحياة الفانية لينتقل إلى الحياة الخالدة حيث لقاء بلا فراق، ووصال واجتماع. وهكذا كان لتلك الكلمات التي تلفظها أثرها القوي في قلوب المسلمين، كما وجه من خلالها رسالة لأولئك الذين أثخنوه جراحا ما صنعوا فيه، إنهم رفعوه مقاما عليا وقربوه من لقاء حبيبه، وحققوا له أمنيته، وأنه ذاهب إلى الجنة حيث المحبوب الأعظم، وتلك هي الغاية العظمى التي يرجوها كل محب ومن أجلها يبذل الغالي والنفيس.

ﻗﺪ ﻃﺎﻝ ﺷﻮﻗﻲ ﻟﻠﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ** فمتى ﺇﻟﻰ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻭﺻﻮﻝ

ﻭﻟﻘﺪ فني ﺻﺒﺮﻱ ﻭﺯﺍﺩ ﺗﺸﻮﻗﻲ ** ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻭﻣﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﻴﻞ

ﺃﺗﺮﻯ ﺃﻣﺮﻍ ﻭﺟﻨﺘﻲ ﻓﻲ ﺗﺮﺑﻪ ** ﻭﺃﻟﻮﺫ ﻣِﻦْ ﻓَﺮَﺡٍ ﺑﻪ ﻭﺃﻗﻮﻝ

ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺍﻟﻬﺎﺷﻤﻲ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ** ﻫﺬﺍ ﻟﻪ ﻛﻞ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺗﻤﻴﻞ

ﻫﺬﺍ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻔﻮﺓ ﺧﻠﻘﻪ ** ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺎﻥ دليل

إن النساء جياشات العواطف، فأن تسمع عن امرأة تحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غرابة لكن أن تسمع عن امرأة تفقد زوجها وأخاها وابنها فلا تنتبه لانشغالها بحب آخر فذاك هو الجديد في عالم الحب.

كان ذلك لما انتهت غزوة أحد حيث خرجت أم المؤمنين عائشة الصديقة-رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة تَسْتروِح الخبر، وفي طريقها لقيت هندًا بنتَ عمرو بنِ حرام أخت عبد الله بن عمرو ابن حرام تسوق بعيرا لها، عليه زوجُها عمرو بنُ الجموح، وابنها خلاد بن عمرو، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر.

فقالت عائشة: عندك الخبر، فما وراءك؟ فقالت هند: خيرا، أما رسول الله فصالح وكل مصيبة بعده جلل.

قالت: من هؤلاء؟ قالت أخي، وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح. قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أُقبِرهم فيها…

تذهب لتقبرهم.. لم تنح ولم تصرخ.. ولم تشق جيوبها.. ولا شعرها.. إنه الحب الخالد الذي تَهون أمامه كلَّ المصائب والخطوب..

هذا نفسه الذي نشاهده عند أهل غزة ينسون ما حل بهم من آلام وجراح وابتلاءات ويوصون شهداءهم وهم يفارقون الدنيا أن يسلموا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إنه الحب وكفى! وهو قوة لا تضاهيها قوة الصواريخ والقنابل والدبابات والطائرات الحربية..

لولاه ما كان أرضٌ لا ولا أفق ** ولا زمان ولا خلق ولا جيل

ولا مناسك فيها للهدى شهب ** ولا ديار بها للوحي تنزيل.

السؤال الثاني: لو كان مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا. كيف كان سيتعامل مع قضية فلسطين…قضية الأقصى…ومع طوفان الأقصى؟

الجواب: إن الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية مطردة، وهو صراع قديم بقدم الحياة على ظهر هذه الأرض، والأيام دول، ولا شك أننا نعيش اليوم مرحلة من مراحل الدولة للباطل وأهله يوم انشغل عن الحق أهله حيث كشف إخوان القردة والخنازير وأهل الغدر والإرهاب من الصهاينة الغاصبين عن أحقادهم الدفينة ودمويتهم وإجرامهم بإغراق غزة بوابل من الصواريخ والقنابل المحرمة دوليا، والفتك بسكان غزة، بدعم من أمريكا ودول الغرب في حرب صليبية صهيونية جديدة لحماية الورم السرطاني والكيان الصهيوني العدواني الغاشم الذي زرعوه في جسد الأمة في فلسطين السليبة.

إن الأمة التي تريد الانعتاق من الظلم والطغيان لابد أن تؤدي الثمن، وإن غزة تدفع ثمن ذلك نيابة عن الأمة كلها في أرض الرباط والصمود والوطنية والجهاد.

إن الابتلاء سنة إلهية ماضية لا تتخلف، ذلك بأن النصر لا يأتي إلا بعد الابتلاء، والابتلاء هو الوسيلة لتمييز الصفوف وتمحيص القلوب واختبار المعدن؛ فحمل الأمانة لا يصلح له كل الناس، بل يحتاج إلى قوم مختارين، وهم الصفوة الذين يُعَدّون لهذا الأمر إعدادا خاصا ليحسنوا القيام به على أحسن وجه، وها هم إخواننا وأهلنا في غزة اختارهم الله تعالى واصطفاهم لحمل أمانة الدفاع -عن مقدسات الأمة وأرضها وثالث الحرمين الشريفين- بأموالهم وأنفسهم وأسرهم وديارهم وكل ما يملكون..

أضف إلى ذلك أن فترة انتفاش الباطل هي في حقيقتها فترة ابتلاء للمؤمنين ليستحقوا النصر والتمكين، وفترة الإعداد والتحضير لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وفق سنة الله في النصر والتمكين، وسنته في نصر المستضعفين وقطع دابر الكافرين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾(البقرة: 214)

هذا إلى جانب أن حكمة الله اقتضت أن تذيق أهل غزة صنوفا من الابتلاء -لأن الله يحبهم-، لكن في مقابل ذلك أنزل سكينته في قلوبهم، وثبتهم في الدفاع عن أرضهم ومقدسات أمتهم، فاستخلصهم اللهُ بِحُسْنِ السكينةِ النازلة عليهم، فَقَلَبَ اللهُ الأمرَ على الأعداء، وخَفَقَتْ راياتُ النصرة، ووقعت الدائرةُ على الكفار، وارتدَّتْ الهزيمةُ عليهم فرجعوا صاغرين.

هذا مدخل مهم لأجيب عن سؤالكم عن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم –لو كان حيا- مع قضية فلسطين وغزة ومعركة طوفان الأقصى: إن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حي فينا بمنهاجه القويم وسنته الغراء وسيرته الطاهرة، وحي فينا بنوره الخالد، وحي فينا لأنه تصله صلاتنا وسلامنا عليه، وتُعرض عليه أعمالنا..

ومن ثم كان سيتعامل صلى عليه وسلم مع أهل فلسطين عامة وأهل غزة على وجه الخصوص بالدعم الكامل، كما قال تبارك وتعالى: “لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (التوبة: 128) –سيدعمهم كليا كما تدعمهم اليوم بركات حبه المنيف ونفحات تعلق أهل غزة به وكرامات صلاتهم وسلامهم عليه- سيدعمهم بكل شيء حتى يتمكنوا من مواجهة العدو الصهيوني الغاشم الذي يحظى بدعم غربي معنوي ومادي غير محدود.

كان سيتعامل صلى الله عليه وسلم بما أوصانا به في أحاديثه الشريفة وأنفاسه الزكية:

بدعم المرابطين هناك المدافعين عن مقدسات الأمة وحماها: كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا”. (صحيح البخاري).

بدعمهم بتثبيتهم أنهم على الحق، وأنهم منصورون بإذن الله: روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس”.

بدعمهم بالحث على نصرتهم والتضامن معهم والدعاء لهم والوقوف في صفهم والتحذير من خذلانهم أو إعانة عدوهم عليهم أو الرضا بذلك: عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ وأبي طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنهم جميعًا، قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ) (مسند الإمام أحمد).

وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”..

السؤال الثالث: يحتفل المسلمون –هذه الأيام- بذكرى مولد الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام في ظل هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية عموما، وغزة الأبية خصوصا، فماذا تقترحون –سيدي- من برامج ليكون الاحتفاء جهاديا سندا للمستضعفين، لا احتفالا قاعدا بعيدا عن هموم الأمة؟

الجواب: للإجابة عن هذا السؤال أبدأ بقول العلامة محمد الطاهرِ بنِ عاشور رحمه الله في الاحتفاء والاحتفال بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دَعاني إليه الاتِّساءُ بأفاضل الأمَّة الذين ألْهَمَهُم اللهُ صَرفَ الهِمَّة إلَى العِنايَة بتعظيم اليَومِ الذي يُوافقُ من كلِّ عامٍ، يومَ ميلادِ سيدنا مُحَمدٍّ رَسولِه عَلَيْه الصلاة والسلام، إذ كانوا قد عَدُّوه عيدًا، ورموا برشيق نبل عقولهم بذلك مرمى بعيدا، عَلِمناهُ من قوله تعالى في التنويه بشهر رمضان (شهرُ رَمَضانَ الذي أنْزِلَ فيه القرآنُ). فَأيُّ يَومٍ أسعدُ من يومٍ أظهرَ اللهُ فيه للعالم مولودًا كانَ المُنقذَ من الضَّلالة، أخرَجَ به الناسَ من ظلماتِ الشركِ ومَناقص الجَهالة، وإذا كانت الأعيادُ الثابتةُ في الدين قد جاءت على مناسبة الفراغ من عبادات مشروعة، فذكرى الواسطةِ العظمى في تبليغ ذلك يحق أن تكونَ مشيَّدةً مرفوعةَ) اهـــ.

يا أمَّ معبدٍ، كرّري أوصافه **فالضرعُ جفَّ، وشاتنا عجفاءُ

يا أمَّ معبدٍ، بلّغي عن حالنا ** فالقلبُ غاوٍ، والخطا عرجاءُ

إن الاحتفال بمولد سيد السادات وفخر الكائنات وخير البريات صلى الله عليه وسلم فرصة ثمينة لترسيخ الهوية الإسلامية المتجلية في السيرة النبوية، والقيم النبوية الخُلقية وتعزيزها في النفوس لمواجهة مخططات أعداء الأمة.

ومن ثم لا يمكن النظر إلى هذه الذكرى العظيمة بعيدا عن المقاصد الرسالية التي جاءت بها البعثة النبوية الغراء، وعلى رأسها إحياء الأمة وحفظ وحدتها والدفاع عن حماها والاهتمام بأمرها ومقدساتها: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].

فهذه الذكرى العظيمة مناسبة عزيزة لتذكير الأمة الغافلة بمنهاج نبيها صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وقيمه وسيرته العطرة الخالدة ومواقفه الجهادية في حماية حصون الأمة وقواعدها، في ظل ما تعيشه من أزمات وما تواجهه من تحديات، وما يعترض طريقها من عقبات، وفي ظل الهجمة الصهيونية الصليبية على مقدساتها وثغورها..

إذ الاحتفال الأكمل بعيد المحبين وبهذه الذكرى الجليلة العظيمة وباليوم العالمي والكوني لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو استحضار هموم أمة صاحب الذكرى –عليه الصلاة والسلام-، وما تعيشه اليوم وما تعانيه من ظلم واستبداد وفقر وهجمات تستهدف حصونها وحماها.

إن الاحتفال الأكمل هو العناية بفقراء الأمة ومساكينها وهمومها، والتضامن مع مستضعفيها من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في فلسطين وغزة الأبية، بالدعاء وبجميع أشكال التضامن، وبالاستمرار في مقاطعة المنتوجات الداعمة للعدو الصهيوني الفاشي..

إن الاحتفال بذكر أمجاد النبوة ومآثرها الخالدة لا يكتمل إلا بذكر هموم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ غَيْرُ اللهِ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَمّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» (المستدرك على الصحيحين للحاكم)..

ذلك بأن الأمة اليوم مُنَوّمة بالتخدير الكلي الذي ما ترك مجالا من مجالات الحياة إلا أُنسي فيها تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقه ومعانيه.. هجمة شرسة، وقبضة باطشة، وتهديد ووعيد لزجر كل نَأْمَةٍ إسلامية تحررية وتمييعها والقضاء عليها في مهدها.. وفي سوق التزييف يقدم مشروع كل فريق على أنه الإسلام الحقيقي المنقذ من الضلال والمخرج من الخبال… والأمة متعطشة ليوم مشرق يسود فيه عدل الإسلام وأخلاق الإسلام وقيم الإسلام ومعاني الإسلام ومحبة الإسلام كما بشرت به أحاديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

ومن ثم فهذه الأمة تحتاج إلى من يعيش همومها، إلى من يوقظها من نومتها، إلى من يساعدها على نهضتها، إلى من ينفض غبار الخمول عنها، لا إلى من يرقص على جراحها، أو يتاجر بدينها، أو يزيدها تخديرا وتنويما..

وأختم الإجابة عن هذا السؤال بقول الشاعر اللبناني المسيحي الخوري المعروف بالشاعر القروي الذي دُعي إلى حفل بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف أُقيم في مدينة «سان باولو بالبرازيل».. وطُلب منه أن يُلقي كلمة…فقال:

“أيها المسلمون ! أيها العرب! يولد النبيُّ على ألسنتكم كلَّ عام مرةً، ويموت في قلوبكم وعقولكم وأفعالكم كلَّ يوم ألفَ مرةٍ!

ولو ولد في أرواحكم لولدتم معه، ولكان كلُّ واحد منكم محمداً صغيرا. ولكان العالَمُ منذ ألفِ سنةٍ أندلسًا عظيما، ولالتقى الشرقُ بالغرب من زمن طويل، ولَعَقَدت المادةُ الغربية مع روح الشرق المسلم حلفًا، ولمشى العقلُ والقلبُ يداً بيد…إلى آخر مراحل الحياة..

أيها المسلمون!

يَنْسِبُ أعداؤكم إلى دينكم كلَّ فِرْية، ودينُكم من بُهْتانهم براء ولكنّكم أنتم تُصدِّقون الفِرية بأعمالكم، وتقرُّونها بإهمالكم، دينُكم دينُ العِلْم وأنتم الجاهلون، دينُكم دينُ التيسير وأنتم المعسِّرون، دينُكم دينُ الحُسْنَى، وأنتم المنفِّرون، دينُكم دينُ النصر ولكنّكم متخاذلون، دينُكم دينُ الزكاة ولكنّكم تبخلون..

يا محمد.. يا نبيَّ اللهِ حقًا… يا فيلسوفَ الفلاسفةِ.. وسلطانَ البلغاء. ويا مَجْدَ العرب والإنسانية..

إنك لم تقتل الروحَ بشهواتِ الجسد، ولم تحتقر الجسدَ تعظيمًا للروح، فدينُك دينُ الفِطْرةِ السليمة..

واني موقِنٌ أن الإنسانية بعد أن يئست من كلِّ فلسفاتِها وعلومِها، وقنطت من مذاهب الحكماء جميعًا؛ سوف لا تجد مخرجًا من مأزقِها وراحةِ روحِها.. وصلاحِ أمرِها إلا بالارتماء بأحضان الإسلام…عندئذٍ يحق للبشرية في مثل هذا اليوم أن تَرفع رأسَها وتهتِفَ ملءَ صدورها، وبأعلى صوتها.. ثم أنشد قائلاً:

عِيدُ البَرِيَّةِ عِيدُ المَوْلِدِ النَّبَوِيّ ** فِي المَشْرِقَيْنِ لَهُ وَالمَغْرِبَيْنِ دَوِيّ

عِيدُ النَّبِيّ ابنِ عَبْدِ اللهِ مَنْ طلعَتْ ** شَمْسُ الهِدَايَةِ مِنْ قُرْآنِهِ العلوَيّ

يَا فَاتِحَ الأَرْضِ مَيْدَانَاً لِدَوْلَتِهِ ** صَارَتْ بِلادُكَ مَيْدَانَاً لِكُلِّ قَوِيّ

يَا حَبَّذَا عَهْد بَغْدَادٍ وَأَنْدَلُسٍ ** عَهْدٌ بِرُوحِي أُفَدِّي عَوْدَهُ وَذَوِيّ

مَنْ كَانَ فِي ريْبَةٍ مِنْ ضَخْمِ دَوْلَتِهِ ** فَلْيَتْلُ مَا فِي تَوَارِيخِ الشُّعُوبِ رُوِي

يَا قَوْمُ هَذا مَسِيحِيٌّ يُذَكِّرُكُمْ ** لا يُنْهِضُ الشَّرْقَ إلاّ حُبُّنَا الأخَوِيّ

فَإنْ ذَكَرْتُمْ رَسُولَ اللهِ تكرِمَةً ** فَبَلِّغُوهُ سَلامَ الشَّاعِرِ القَرَوِيّ”

السؤال الرابع: كان ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلّم إيذانا بسقوط الشرك والكفر، واندحار الظلم والجور، فهل تكون ذكرى مولده اليوم –في ظل طوفان الأقصى- إيذانا بسقوط طواغيت الكفر والظلم والطغيان، وإعلانا عن بناء دولة القرآن.؟

الجواب: إنه على الرغم من الفتن والبلايا والمحن والرزايا التي نزلت بالأمة، وبالرغم من الظلام الحالك الذي يسود العالم، فإن سنة الله ماضية في نصر عباده المؤمنين… إن آمنوا وعملوا الصالحات، وأعطوا سنة الأسبابَ حقها؛ فمراعاة سنن الله تعالى والعمل بمقتضاها وحسن الاستثمار الأمثل لها، وتسخيرها، مع صعود النيات إلى رب البريات مفاتيحٌ لأبواب السماء ولكل الخيرات، بها مع الصلاة والدعاء تتنـزل السكينةُ وتغشى الرحمة وتَهب رياحُ النصر برفرفة أجنحة الملائكة.. سنة الله لا تجامل أحدا، سنة الله سائرةٌ بالناس جميعا علموا ذلك أم جهلوا.. أن النصر حتمي الوقوع وإن تأخر تحقيقه لقوله تعالى: “إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ “[غافر: 51]، وهذه سنة الله تبارك وتعالى ماضية في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم.. لكن ذلك النصر مرتبط بأسبابه، لقوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” [محمد: 7]. إذ جميع السنن الخاصة بنصر المؤمنين والتمكين لهم جارية على هذه القاعدة الشرطية، أي ارتباط نصرةِ الله للعباد بنصرة العباد لله.

إن النصر مدخر لمن يستحقونه، لمن يصمدون أمام إعصار الزلزلة والشدائد والابتلاء الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله تعالى، وعندما يشاء الله تبارك وتعالى، وفي الوقت الذي يريد، وحين تبلغ المحنة ذروتها والابتلاء أوجَه، فهم يتطلعون إلى نصر الله دائما، إلى مدده وعونه فقط، سائرون إليه ولو على الجمر، وتحت قصف الصواريخ والدبابات وتكالب العالم.. وليكن معلوما أن ما يصيب المؤمنين في فلسطين عامة وغزة خاصة -والأمة جمعاء- من مفردات الامتحان الصعب والابتلاء الشديد هو ما اقتضته إرادته العلية ليتخذ منهم شهداء، وهو ما جرت به سنته تعالى في اصطفاء عباده المؤمنين من جيل النصر والتمكين لهذه الأمة.. والسنة الإلهية أن تكون الفئة القليلة المؤمنة هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاختبار والاصطفاء.. “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” [البقرة: 249]، ثم تكون هذه الفئة القليلة الصادقة هي الغالبة بإذن الله تعالى.  “بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ “الأنبياء: 18].

وقد يتأخر النصر لحكمة ما، وتوضع في سبيل المؤمنين العوائق وتعترضهم العقبات والحواجز، وتقوم في طريقهم العراقيل، ويرصد لهم الباطل أجناده؛ من قوى الظلم والطغيان والاستكبار والوحشية والإرهاب والخونة والمنافقين، وأساليب التنكيل والإيذاء، ثم ينتهون في آخر المطاف إلى سنة الله لا تتخلف، ووعده الصادق: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” [البقرة: 214].

إن الأحزاب -ومعهم اليهود- لما رمت المسلمين عن قوس واحدة، وحاصرتهم من كل جانب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بفتح فارس والروم، إنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الأمة ستتعرض لامتحانات وابتلاءات وتعترضها أزمات، لكن لا يجب أن تركع وتستسلم لأنها ستنتصر في النهاية.. رغم ما ستتعرض له من أشد أنواع الإيذاء لكنها ستخرج منها منتصرة ما دامت متمسكة بمنهاج الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا غزة.. إن جمع اليهود الصهاينة ومن والاهم مهزوم، وجيشهم مكسور، والدوائر على المعتدين المجرمين تدور، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:46].

إن المتفقه في سنة الله، والناظر بمنظار القدر الإلهي في عالم الشهادة، والمتمعن في آيات الله في الكون يدرك حقيقة الآيات القرآنية التي تتحدث عن فساد الطغاة عامة واليهود خاصة، ويدرك سنة الله التي تسوقهم إلى وعد الآخرة. كما يدرك أن المعركة ضد اليهود عند إفسادهم الثاني هي معركة المسجد الأقصى، وسيدخلُه المسلمون فاتحين، وسيحررون الأرض المقدسة، ويدمرون الكيان اليهودي عليها ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾.

لقد بينت السنة المطهرة المقصود بوعد الآخرة في الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسل: قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليهودي مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ. فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ! يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَذَا يَهُودِي خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (صحيح البخاري). يرسم لنا هذا الحديث النبوي الشريف صورة للمستقبل القريب الذي يواجه فيها عباد الله الصادقين المتقين أخبث جرثومة على وجه الأرض.

ومن ثم فإن طوفان الأقصى الذي نعيش آخر أحداثه مع ذكرى ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم هو تمهيد للمعركة الفاصلة بيننا وبين اليهود ومن والاهم، وهو مقدمة لوعد الآخرة الذي سينتصر فيه العباد المصطفون الأخيار على اليهود الصهاينة الغاصبين وأذنابهم، هو مقدمة أيضا لانتصار الزيتون على الغرقد..

اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي ** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ

إن التاريخ يعيد نفسه، وإن علامات المولد الأعظم ستتكرر من جديد؛ سيتصدّع إيوان الظلم والطغيان، وتخمد نيران الأحقاد والبغضاء، وتهوي الأصنام البشرية، وتسقط طواغيت الكفر والضلال، وتغيض بحيرة المترفين المستكبرين… سيولد النور من جديد، وستشرق الأرض بنور ربها، وسيعود الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، “لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَیَوۡمَىِٕذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ۝٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ یَنصُرُ مَن یَشَاۤءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ ۝٥”الروم].

وقد بدا فجر الإسلام وانتشرت تباشيره، فشمس الإسلام طالعة، وأنواره ساطعة، فحي على الصلاة حي على الفلاح!

نرجو من العلي القدير أن تكون هذه الذكرى العظيمة وهذا العيد الأعظم -عيد المحبين-، فاتحة خير على هذه الأمة عامة وأهل غزة خاصة، وأن يكون بارقة أمل للمستضعفين في الأرض جميعا.

الله أكبر هذا الصبح موعدهم           من بعده لضياء الحق إشراق

والله أكبر وفُّوا الله موثقكم                 فحبلنا لجناب الله ميثاق

الله أكبر قوموا واعملوا وثقوا            تُفْتَحْ لكم لمراقي العزِّ آفاق

السؤال الخامس: رأت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلّم حينما حملت به أن نورا خرج منها فأضاءت منه قصور الشام…والشام اليوم –سيدي- كما ترى، فهل من بقايا لهذا النور في عالمنا الكئيب، وكيف نحافظ على هذا النور النبوي في ظل هذا الظلام الذي أرخى سدوله على العالم؟

 الجواب: إن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بغائب عنا ولا ببعيد منا؛ بل هو على الدوام معنا، وهو أقرب إلينا من أنفسنا.. “وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ” أي فيكم سرٌّ منه.. فيكم نورٌ من أنواره. ولكن حجاب النفس الظلماني يحجبنا عن مطالعةِ جمالِه الأبدي، ومشاهدة هذا النور المحمدي الذي يسري في الوجود ويملأ الكون نورا.. فإذا ارتفع الحجاب بصدق الطلب إلى المولى جل وعلا ودوام المجاهدة، تجلّى نور المحبوب لعين المحّب. “قد جاءكم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ ‌وَكِتَٰبٞ ‌مُّبِينٞ”[المائدة: 15]، فلو رفع الحجاب لم تر إلّا النّورَ المحمّدي بارزا وحده.

وكل آي أتى الرسل الكرام بها ** فإنما اتصلت من نوره بهم

فإنه شمس فضل هم كواكبها ** يظهرن أنوارها للناس في الظلم

فحريٌّ بنا أن نعمرّ أوقاتنا بذكره والصلاة والسلام عليه، ونملأَ قلوبنا بمحبته وتعظيم قدره وجنابه الشريف، ونتخلق بأخلاقه المنيفة وقيمه الأصيلة النبيلة، ونجدّ السير إلى الله تعالى حتى الوصول لنفوز بمعيته صلى الله عليه وسلم، فحضرته الشريفة التي لا يدخلها إلاّ من فني عن ذاته في محبته، وأفنى أوصافه في أوصاف محبوبه، وتمسك بسنته وسار على منهاجه، ولازم ذكره.

وإن كان هذا الظلام الذي أرخى سدوله على العالم أبعدنا عن هذا المقام، وحال بيننا وبين الوصول إلى المرام، فإن صدق الطلب ودوامَ قرع الباب والوقوف على الأعتاب حريٌّ بأن يفضي بلطفٍ وكرمٍ من الوهّاب إلى فتح الباب ورفع الحجاب ورضى سيد الأحباب.. فمن لازم قرع الباب فُتح له وكان من جملة الأحباب، ومن سار على المنهاج الصحيح بصحبة ربانية خالصة، ومحبة صادقة، وهمة عالية، وعزيمة ثابتة، وذكر وتعظيم وتصديق، وبذل وإنفاق، وسلامة صدر… وَصَلَ إلى كعبة الأحباب وقبلة العشاق حيث وصال بلا فراق.

فليكن هذا الشهر العظيم ربيع الأول وربيع الأزهر وربيع الأنوار وربيع الخيرات والبركات والمسرات والفتوحات موسمًا نتعرض فيه لنفحات الله تعالى، قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا» (المعجم الكبير للطبراني) ونتزوّد فيه بإمدادات المحبة.. ولنجعل من الصلاة والسلام على سيد الأنام زادنا على مدار أيام شهر مولد بدر التمام وفي سائر الشهور والأيام؛ فكلما أكثرنا من الصلاة عليه استنارت قلوبُنا بنوره، وطابت حياتنا بذكره.

 

إن الصلاة على النبي وآله ** يشدو بها من شاء أن يتعطرا

صلوا على خير البرية تغنموا ** عشرًا يصليها الإله الأعظمُ

من زادها ربي يفرّج همه ** والذنب يعفى والنفوس تُنَعم

فلنجعل شهر مولده صلى الله عليه وسلم منطلقا لتزداد قلوبنا فيه نورًا وفرحًا وسرورًا بمولد النبي الهادي خير البريّة، وسيلة الخلائق إلى الله.. وليكن شعارنا: حب النبي زادي والصلاة عليه وردي وإمدادي.

مسك الختام: إن من لم يشعر بشيء في يوم مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فليُسائل نفسه، ولينظر في حاله، وليدعو ربه ليرفع عنه الحجب، ويطهر باطنه، حتى يكون من الفرحين المسرورين بميلاد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فلو كشف عنك الحُجب لرأيت احتفالات أهل السماء بمولد سيد الأنبياء ولعرفت غفلة أهل الأرض عن ذاك الشرف.

فمن فرح بسيدنا رسول الله فرح به سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكراه تحيينا، ويوم مولده يسرنا ويسعدنا.. فهو صلى عليه وسلم الرحمة المهداة والنعمة المسداة: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ ‌إِلَّا ‌رَحۡمَة لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقد كانوا من قبل في ضلال مبين وضياع وخسران على كافة الصعد.. وقد حثنا القرآن الكريم على الفرح بهذه الرحمة الإلهية: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس: 58]، وفي اليوم الثاني عشر من ربيع نتذكر يوما من أعظم أيام الله، وهو يوم مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرج البشرية من الظلمات إلى النور: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، وهو يوم التحدث بنعم الله بميلاد خير البرية صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.