الذكــــــر: معناه وأنواعه وأهميته
الذكـــــــــر: معناه وأنواعه وأهميته/ أمينة جابري
الذكـــــــــــــــــر: معناه وأنواعه وأهميته
ذة. أمينة جابري
1.تمهــيــد
الذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى العبودية. ويثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون. فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر. وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها وفائدتها .
وهو أصل كل مقام ، وقاعدته التي يبنى عليها ، كما يبنى الحائط على أساسه، وكما يقوم السقف على جداره. وذلك أن العبد إن لم يستيقظ من غفلته لم يمكنه قطع منازل السير الموصلة إلى معرفة الله تعالى التي خلق الإنسان لأجلها. قال تعالى : ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” ( سورة الذاريات ، آية 56). قال ابن عباس رضي الله عنهما :” يعبدون أي يعرفون”. ولا يستيقظ المرء إلا بالذكر ، فالغفلة نوم القلب أو موته .
وإن امتثال الصالحين لأمر مولاهم عز وجل بالإكثار من ذكره جعل حياتهم كحياة الملائكة ، لا تخطر الدنيا على قلوبهم ، ولا تشغلهم عن محبوبهم ، نسوا أنفسهم بمجالستهم لربهم ، وغابوا عن كل شيء سواه ، فتواجدوا عندما وجدوا :
ذكرتك، لا أني نسيتك لمحة وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
2.معــانـي كلمـــة الذكـــر
وردت كلمة “الذكر” في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بعدة معاني :
فتارة قُصد بها ” القرآن الكريم ” كما في قوله تعالى: ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون “ . وتارة قصد بها صلاة الجمعة : ” يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع “ . وفي موطن آخر عني بها العلم :” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون “ .
وفي معظم النصوص ، أريد بكلمة ” الذكر ” التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وما إلى هنالك من الصيغ ، كما في قوله تعالى: ” فإذا قضيت الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم “. وقوله تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ” . وقوله تعالى : ” واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ” .
3. أنــــــواع الذكــــــر:
يمثل الذكر تواصلا واتصالا مع الخالق تبارك وتعالى، يفتح باب القرب والمناجاة. وتتعدد أشكاله كما تتنوع معانيه وصيغه، وهو أنواع عدة :
*النوع الأول : مراقبة الله
يقول الحبيب المرشد رحمه الله تعالى : ” أحدثكم أحبتي ، عن الذكر بمعناه الأعم ابتداء من الصلاة وحضور الجماعات . فإن من الإخوان من يحسب أن مقامات الإحسان يتبوأها المرء قفزا. كلا والله ما يكون إناؤك إلا مثقوبا لا يُمسك قطرة ، مثلوما لا يبهج نظرة ، إن فرطت فيما فرضه الله عليك من عبادات فردية ، وقصرت في فرض الصلاة – الصبح في المسجد – ونفلها ، وفرض الذكر ونفله…”
ويقول الأستاذ محمد عبادي حفظه الله : ” ” يجب أن نمارس الذكر، الذكر هو الحضور، حتى ولو لم نذكر الله باللسان. الحضور مع الله هو عين الذكر. عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه “. الذكر هو استحضار المذكور. حينما نعيش الحضور مع الله ونعيش الإحسان،فنحن في ذكر،ولو لم يذكر اللسان . وكذلك الدعاء فهو نتيجة احتياج وافتقار، فهذه الحالة هي حالة دعاء ولو لم ترفع يديك .المطلوب هو التحول من الذكر المحدد إلى الذكر الدائم . لا تغفل عن ذكر الله عز وجل أبدا. ”
هذا معنى آخر للذكر: أن نعيش دائما مع الله ، وبالله ، ولله ، مراقبة الله في الأخذ والعطاء ، وفي الأمر والنهي ، أن نستحضر معيته سبحانه وتعالى في كل الحركات وفي كل السكنات.
*النوع الثاني : ذكر الكلمة الطيبة
_ وأفضل الذكر الاشتغال بكتاب الله عز وجل تلاوة وحفظا وتفكرا وتمثلا وائتمارا بأمره وانتهاء بنهيه. و ” لا إله إلا الله ” من القرآن . يقول الحبيب المرشد والإمام المجدد رحمه الله رحمة واسعة: ” كلمة هي أفضل الذكر وأعلى شعب الإيمان وأرفعها ، لا يزهد في الاستهتار بها إلا محروم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا إله إلا الله أفضل الذكر ، وهي أفضل الحسنات “. رواه الإمام أحمد والترمذي عن جابر . وقال : ” أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله ” . رواه ابن ماجه والنسائي وغيرهما . وأخرج أحمد عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، أوصني . قال : ” إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها ” . قال : ” قلت : يا رسول الله ، أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال : ” هي أفضل الحسنات ” .
يقول الحبيب المرشد رحمه الله: ” يبلى الإيمان في القلوب ، وتضعف ربطة الميثاق الفطري الذي أخذه ربنا جل وعلا على بني آدم يوم ” ألست بربكم ؟ “، وينقص بمخالطة الغافلين عن ذكر الله ومعاشرة المنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الإيمان يخلق (أي يبلى ) كما يخلق الثوب ، فجددوا إيمانكم “. وفي رواية: ” إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم “. رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم، وأشار السيوطي لحسنه. الإحسان 2 ، ص : 264
يتجدد الإيمان بالإكثار من ذكر الكلمة الطيبة، لا إله إ لا الله. ولما يقبل الكل على ذكر هذه الكلمة النورانية حتى نخرج عن الغفلة ، ويتغذى الذكر بماء الصحبة الصالحة ، يتكون جو إيماني نشع به في الناس، جو يغمره فيض إلهي ، وتشمله الرحمة ، ويعمه نور تتشربه القلوب بعضها من بعض. فتكون تلك الطاقة الإيمانية التي هي بمثابة الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ.
” النبع لا إله إلا الله ، والفيض نورها ، حتى يستطيع المؤمن وجماعة المؤمنين تلقي شمس القرآن ، ومدد القرآن ، وبركة القرآن ، وحتى يستطيعوا العمل بمقتضى القرآن .
* النوع الثالث : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز : ” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما “
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا “. وفي حديث آخر : ” من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ، ورفعت له عشر درجات ” حديث صحيح
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة ” .
وفي حديث لابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ” . حسنه الترمذي وصححه ابن حبان
وعن ابي أمامة : ” صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة ” .
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي ” .
والمطلوب هو الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اقترح الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله أقل عدد من الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في يوم المؤمنة وليلتها يكون بثلاث مائة مرة يوميا ، وتخصيص ليلة الجمعة ويومها للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ” .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة ” .
ويقول الإمام المجدد رحمه الله في شأن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أعظم الأذكار فضلا ، وأجلها قدرا ، وأوفاها بمقصود المريدين المحبين المتقربين الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . هي شيخ من لا شيخ له . هي وسيلتنا إلى ربنا إذ هي ميثاق وفاء ومحبة ، تلتقي صلاتنا عليه بصلاة الله عليه وصلاة ملائكته . فأي فضل أعظم من أن يكون موضوع صلاتنا مطابقا موافقا ؟ ”
والصيغة المسنونة المأذونة هي المكيال الأوفى التي جاءت في حديث لأبي هريرة رضي الله عنه حيث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من سره أن يكال له (وفي لفظ يكتال) بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل : ” اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ” أخرجه أبو داود والبيهقي.
*النوع الرابع :الاستغفار
الوقوف على باب الله لطلب العفو والصفح والمغفرة ، الإقرار بالذنوب والمعاصي ، والاعتراف بالتقصير في جنب الله ، هي مشاهد يعيشها على الدوام العبد المؤمن المقر بضعفه ، الشاهد لنعم الله عليه والموقن برحمته ، لا يغفل عن ذلك ولا ينسى . وأخطر ما يخاف منه النفس الأمارة بالسوء ، النفس المرائية المتكبرة الطاغية التي تسترق السمع لتأخذ قسطها من مواهب الرب تبارك وتعالى فتصيره من عدتها.
ويرى السادة الصوفية أن الاستغفار يعد مرحلة للتطهير أو التخلي . ويقصدون بهذا الكلام إزالة الأدران وتصفية القلب مما علق به في زمن الغفلة لإعداده لاستقبال العطايا الربانية. والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعتبر وسيلة للتنوير أو التجلي. بمعنى أنها تأتي بعد عملية التطهير التيهىء الاستغفار. أما الكلمة الطيبة والتي هي أساس الذكر فيعبر عنها بمرحلة التعمير أو التحلي . ويضرب مثلا لذلك بإعداد بيت : تنظيفه وإضاءته ثم تفريشه .
فنقول : الاستغفار للتطهير، والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للتنوير، والكلمة الطيبة للتعمير.
أو نقول : الاستغفار للتخلي (عن الذنوب)، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للتجلي (تنوير القلب)، والكلمة الطيبة للتحلي (تجديد الايمان) .
قال تعالى : ” والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون “
وقال عز من قائل : ” ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما “
وقال تبارك وتعالى: ” الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار “
وللاستغفار صيغ متعددة ، لكن المعتمد منها في يوم المؤمنة وليلتها هو : ” رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ” لأنه يجمع بين الدعاء والاستغفار.
4.أهـــــمية الذكـــــــــر وبعض فضــائله
قال الله تعالى في كتابه العزيز : ” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا”
وقال تعالى عز وجل: ” الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله،ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.”
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه”
عن عبد الله بن بشر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي ،فأخبرني بشيء أتشبث به. قال:” لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله”
و وردت في كتاب الله تعالى عز وجل آياتٌ كثيرة تحثّ على الذكر وتبين أهمية الذكر وفضل الذكر وتعددت الأحاديث القدسية والنبوية التي تناولت هذا الموضوع وفصلت فيه وحفزت وحببت.
وحمل إلينا أهل الله العارفون بالله الذاكرون الله كثيرا شهادات نيرة عن آثار الذكر في تغيير حياتهم وفي سلوكهم وفي ترقيهم في مقامات الايمان والاحسان.
قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :” لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: ” فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم “. وقال تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ” أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر ، والسفر والحضر، والغنى والفقر ، وفي الصحة والسقم ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال ” .
قال سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ” أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل” والدقل رديء التمر.
أوتوا الإيمان بمجالستهم للمصحوب الأعظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوتي الصحابة الكرام رضي الله عنهم الإيمان بعد ما تم تلقينهم ذكر الكلمة الطيبة في حلق الذكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال يعلى بن شداد: حدثني أبي شداد بن أوس، وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” هل فيكم غريب ؟ ” ، يعني أهل الكتاب. فقلنا : لا يا رسول الله. فأمر بغلق الباب وقال : ” ارفعوا ايديكم وقولوا : لا إله إلا الله ” فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال : ” الحمد لله. اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها ، ووعدتني عليها الجنة. وإنك لا تخلف الميعاد ” . ثم قال : ” أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم ” . رواه الإمام أحمد .
وهذا شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية رحمه الله يفصل لنا في آثار الذكر تفصيلا دقيقا مشرقا قال : ” الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل. وهو قوت قلوب القوم التي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا . وهو سلاحهم الذي به يقاتلون قطاع الطريق ، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق ، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست فيهم القلوب ، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب .
إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس
به يدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات. إذا أضلهم البلاء فهو ملجؤهم ، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم .(…)
” في كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة. بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم على كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم . فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها ، فكذلك القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها . وهو جلاء القلوب ودواؤها إذا غشيها اعتلالها ، وكلما زاد الذاكر في الذكر استغراقا ، زاد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا (…).
” به يزول الوقَرُ عن السماع ، والبَكم عن الألسن، وتنقشع ظلمة الأبصار. زين الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء ” .
وهذا حبيبنا المرشد، الإمام المجدد، رحمه الله رحمة واسعة، يوقظ هممنا بكلام نافذ يشم فيه رائحة البشير والنذير معا حيث يقول في رسالة رباط النصيحة الموجهة إلى سيدي محمد عبادي حفظه الله :
” لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان. فما يقول جالس فينا ليس له ورد من الذكر، ولا جلسة للاستغفار بالأسحار ؟
كيف ينتظر ممن لا زمام يمسكه عن التسيب في الأوقات من ورد لازم ، وجلوس للذكر عازم أن يرقى إلى مقام دوام الذكر ودوام التضرع ودوام الطلب ؟ يفتر الطلب ، وتتفتت العزيمة ، وينقطع الحبل إن لم يكن الورد دواما ومداومة وصبرا ومصابرة “.
ويوم المؤمنة وليلتها هو بداية لكي نترقى، في عالم الذكر، من الذكر المحدد إلى الذكر الدائم ، ومن الذكر مع الغفلة إلى الذكر مع الحضور….
الله تبارك وتعالى يُعرف بأسمائه وصفاته : الظاهر بصفاته ، الباطن بذاته . أكبر خسارة وعذاب أن يحجب الإنسان عن ربه يوم القيامة ، وهي العقوبة الأولى، والعقوبة الثانية دخول جهنم أعاذنا الله منها. لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم … ومن كان ذاكرا لله لا يغيب الله عنه يوم القيامة ، ومن كان يذكر الله وقتا لوقت فنظرته إلى الله تكون وقتا لوقت
ففي يوم الجمعة ،يوم القيامة، يتجلى الله عزوجل لعباده فيزدادوا بهاء ونورا. فبالتجلي الإلهي تشرق الأنوار في القلوب والوجوه ( وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة ).
5. الأوراد
قد تعتري المؤمنة والمؤمن بعض اللحظات من الغفلة ، وهو أمر بشري ، ولكن الأصل أن يكون ذاكرا لله على كل أحيانه كما رأينا في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها. ولذلك قال تبارك وتعالى مخاطبا حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمته كلها من خلاله ” واذكر ربك إذا نسيت “. وفي عدة آيات يعلمنا الله عز وجل كيف ننظم ذكرنا خلال اليوم والليلة . يقول عز وجل في كتابه العزيز : ” واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه “. ويقول تبارك وتعالى : ” واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ” . ويقول عز من قائل: ” فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ” .
قال صلى الله عليه وسلم: أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه “. رواه الإمامان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها. وعنها أيضا روى الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ” .
وروى عنها أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا ، وَإِنْ قَلَّت “وكان إذا عمل عملا أثبته ” ومعنى ” أثبته ” داوم عليه في وقته من ليل أو نهار.
يقول الحبيب المرشد رحمه الله في هذا الموضوع :
” المداومة في أوقات معينة على أذكار معينة هي ما يسمى في اصطلاح القوم بالأوراد. والأوراد أوتاد راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسويداء قلبه .الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئ ولا يزهد فيها واصل . ”
ويقول رحمه الله: ” الأوراد والمداومة عليه سنة . وهي بمثابة نذر يقطعه العبد الصادق على نفسه يجب عليه الوفاء به . لذلك حذر العلماء من الدخول في الأوراد بخفة مخافة أن لا يفي العبد بما عاهد الله عليه منها ” .
والحفاظ على الأوراد بأعداد محدودة يهيئ الذاكر لأن يصبح مداوما على الذكر ثم مستغرقا ومستهترا به . والعبد الذاكر يترقى من ذاكر مع الغفلة ، إلى ذاكر مع اليقظة ، إلى ذاكر مع الحضور.
يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حِكَمه :
” لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في جود ذكره . فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور . وما ذلك على الله بعزيز ” .
يقول الحبيب المرشد رحمه الله: ” دوام الذكر ، وتغلغل الذكر في القلب عن طريق الأوراد اللسانية التفكرية طريق الولاية مع الصحبة ” .
ويقول الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله : ” إذا تمكن الذكر في القلب دام ذكر العبد لله عز وجل وإن لم يذكره بلسانه . كلما دام العبد في ذكر الله عز وجل دامت موافقته له ورضاه بأفعاله .
ما أعجب أمور القوم . وما أحسن أحوالهم . كل ما يأتيهم من الحق عز وجل عندهم طيب . قد سقاهم َبنْج معرفته ، ونومهم في حجر لطفه ، وآنسهم بأنسه . فلا جرم يطيب لهم المُقام معه . والغيبة عن كل شيء سواه . لا يزالون موتى بين يديه وقد ملكتهم الهيبة فإن شاء أنشرهم وأقامهم وأحياهم ونبههم ” .
ويعلق الإمام عبد السلام رحمه الله : ” وتلك هي الولاية الكبرى : البقاء بعد الفناء ” .
ونختم بالتذكير بالصيغ الفضلى للذكر .
6ــ صيغ الذكر المعتمدة :
ــ الاستغفار : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة “رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم” رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
ــ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :من سره أن يكال له بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد” رواه أبو داود والنسائي.وسلم قال
ــ الكلمة الطيبة : عن أبي هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال :”جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال : أكثروا من قول لا إله إلا الله” رواه أحمد بإسناد حسن.
ــ التسبيح :عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :من قال حين يصبح وحين يمسي “سبحان الله وبحمده ” مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثلما قال أو زاد عليه .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن وعبادتك . آمين.