منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حراك ” الحسين” بين التحريف والتصحيح

د. أحمد الزقاقي / حراك " الحسين" بين التحريف والتصحيح

0

حراك ” الحسين” بين التحريف والتصحيح

 

للدكتور: أحمد الزقاقي

قاد الحسين بن علي عليه السلام مواجهة الردة السياسية التي رامت التمكين لبدعة توريث الحكم ولنهج الاستبداد،بعد الانقلاب المبكر على ” الخلافة الراشدة” ومصادرة حق الناس في اختيار من يحكمهم، وأدى قمع ذلك الحراك بكل سادية ووحشية إلى :

1. التأسيس لفقه سياسي يكثر من سرد حقوق الحاكمين، وينادي بوجوب طاعة المحكومين مهما جاروا وظلموا بدعوى الحفاظ على الوحدة فتمت التضحية بالشرعية، وضاعت الوحدة نفسها.

2.انقسمت الأمة إلى سنة وشيعة، كلاهما صادر حق الناس في اختيار الحاكم، الأولون باسم السلطنة والخلافة، وصحيحُ الحديث سماهم ملوكا ولَم يسمهم خلفاء، إلا أنهم تعمدوا السطو على الألقاب ليغمضوا الأحوال على الناس. وصادر الشيعة حرية الاختيار باسم الإمامة الشيعية المعصومة

3.إذا كان مدار العقيدة في وجدان وعقل المسلم على خشية الله وعبادته والتقرب اليه بالفرض والنفل فإن الانقلاب أحل محل ذلك الخوف من الحاكم والتزلف إليه بالوشايات والمدائح الكاذبة، والرشاوى المحرمة،والفتاوى المؤدى عنها.

4.غشى الانقسام السياسي والشرخ النفسي على بساطة العقيدة كما لقنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس،فما كان الرجل والمرأة ينطقان بكلمة التوحيد ” لا إله إلا الله” ويعيان مقتضياتها التصورية والسلوكية حتى تمدهما بقوة دفع معنوية استطاعا بها تغيير ما بالنفس وتغيير الواقع، ثم طرأ بعد الخلل على الدرس العقدي ليجد المسلم نفسه أمام مطالب وشروط عليه بمقتضاها أن يتبرأ من المعتزلة والأشاعرة والخوارج والمرجئة والشيعة والماتوريدية والسبئية ووو، وضاقت الصدور بالاختلاف والمخالفين والكل يدلي بحديث ” الفرقة الناجية” الذي أسيء فهمه كثيرا.

5. تدحرجت إلينا عبر القرون تقاليد الخنوع والخضوع والاستقالة غير المشروطة أمام السلطان،واستبدل دين الله المحرر بدين الانقياد، إلى أن آل الأمر إلى ” استبداد حداثي” يتذرع بضرورات الحفاظ على الأمن العام والاستقرار،ويصطفي نخبة ذات مطامع ومطامح ليكرس التسلط والفردية.

6.واليوم في معركة الأحلاف والمحاور يحضر ” الحسين” بقوة،تتحيز به دول وجماعات وأفراد، في واقع لم يعد يحكمه لا خلفاء راشدون ولا أئمة معصومون،وإنما يحكمه تكتل دولي يبدو فيه المسلمون بسنتهم وشيعتهم كالنمل في معركة الفيلة،وكالأيتام في مأدبة اللئام،يعصرهم ” نظام دولي رقمي جديد” يعتمد ” الحرب عن بعد ” في ظل الوباء والجائحة العالمية.

7.النأي عن الطائفية لا يجب أن ينسينا حقيقة مفادها أن الكثير من المواقف والاصطفافات السياسية في عالمنا الإسلامي ذات أسباب متصلة بنزاعات تاريخية، وليس المطلوب هو بيان ما هو حق وما هو باطل بشأنها، بل المطلوب هو أن يتعايش كل فريق مع الآخر كما هو بدون سب ولا قذف ولا تشهير

8. من أمثلة التحيّز المعيب بالحسين ما كان قد صرح به رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في عز الفتنة الطائفية بالعراق، إذ قال في تسجيل موثق بالصوت والصورة:”الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد، هاهم الْيَوْمَ موجودون،أنصار يزيد وأنصار الحسين مرة أخرى، وعلى طول الخط،يصطدمون في مواجهة شرسة عنيدة،الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنته، وإنما ما زالت فصولها التي نعيشها الْيَوْمَ مع الإرهابيين والطائفيين والحاقدين على الإسلام وأهل البيت عليهم السلام”، فقدم بهذا التصريح وصفة سهلة للاقتتال والحرب الأهلية،وانتقل إلى الفعل،و لخلط الأوراق سلم مدينة ” الموصل” إلى تنظيم ” داعش” الإرهابي،ليوهم الناس إن مواطنيه السنة كلهم دواعش،

9. . هذا المنحى الطائفي سبق لكثير من عقلاء الطائفة الشيعة أن دعوا للنأي عنه،منهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي حذّر “من أن تتحول الذكرى ومؤسسة المأثم الحسيني إلى إطار ضيق للتمذهب والتمايز العصبوي”، وأشار إلى وجود بعض الممارسات التي “تحول كربلاء من ثورة إسلامية وإنسانية إلى حركة شيعية بالمعنى الضيق”، كما أكد على “أن الحسين لم يثر من أجل مشروع شخصي أو علوي عائلي، أو هاشمي عشائري، أو قرشي قبلي، أو حجازي وطني، أو قومي عربي، إن الحسين ثار من أجل مشروع إسلامي وإنساني”.

10. أما نهج الاستخفاف بحركة الحسين فتتزعمه دولة ليس لها مشروع إلا مشروع إفراغ الإسلام من كل مضامين المقاومة ومواجهة الظلم والاستعباد والاستبداد،وهي التي سبق لها إمعانا في الاستفزاز أن نشرت كتاب ” إمير المؤمنين يزيد بن معاوية”،معتمدة في ذلك- حقيقة- على استخدام الحرمين لا خدمتهما، وعلى تراث فقهي وعقدي يتكلف التماس الأعذار للقتلة المجرمين،ككتاب ” العواصم من القواصم” لابن العربي الذي قال عن الحسين”:”طلب الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة (…) وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوه من جده المهيمن على الرسل”(العواصم من القواصم ص 173) أي إنه قتل بسيف جده -حاشاه-
نحن بحاجة إلى نخل تراثنا الفقهي والكلامي والسياسي لاقتلاع جذور الطائفية والاستبداد والفساد،هذا ما يمكن أن نستفيده من ذكرى استشهاد الحسين، حتى تستعاد الثقة المفقودة،وتجاوز الشرخ النفسي الذي يكفي لإثباته اتخاذ فريق من المسلمين لعاشوراء مناسبة للفرح والانتشاء،واتخاذ آخرين لها مناسبة للحزن والبكاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.