همسة ثانية في أذن المشتاقين !
بقلم: ذ. عيسى أشرقي
يأتي رمضان مرة كل سنة ليجلي فينا هذه الحقيقة الخَلْقية الخُلقية العظيمة التي أنشأنا الله عليها منذ النشأة الأولى: ” لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ “. تقويما وتركيبا يجعلنا قادرين على اقتحام كل العقبات إليه مهما تلونت هذه العقبات وتعقدت واتسعت وتعمقت واشتد علوها، وانحدرت بها ولها نفوسنا وعقولنا وأرواحنا.
رابط الهمسة الأولى https://www.islamanar.com/ramadan-kareem/
في رمضان تنتظم حياتنا على الإيمان، وتستقيم نفوسنا وأفعالنا وأحوالنا على الفطرة، وتستكين كل جوارحنا على الطاعة والاستقامة، وتستفرغ قلوبنا ما سكن فيها من دخيل وغريب، وتتزاحم وتتساند أرواحنا لتعرج إلى منازل هممنا ومراتب عزائمنا وتتسابق إلى مقامات الإحسان لتنعم بنعيم القرب من الله حتى تفوز بمنتهى الإنعام وتنال منشور الأمان بالعتق من النيران. هذا هو المأمول !
أول رمضان رحمة.. رحمة لضعف أصابنا لشهور فأسأنا وأخطأنا وعصينا وأذنبنا، وكثرت منا الزلات والعثرات والكبوات والسقطات. فجاءنا رمضان ليجبر الله به الكسور ويلم به الشعث برحمته التي سبقت غضبه.
أوسط رمضان مغفرة.. مغتسل لجوارح ونفوس اكتسبت واقترفت وظلمت فاتسخت بها الأرواح حتى كادت تعفن، وقست بها القلوب حتى كادت تزيغ.
آخر رمضان عتق من النار.. بعد رحمة الرحمان ومغفرة الغفار يأتي العطاء الأوفى ومنتهى الإكرام بالعتق من النار. “كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ”.
في رمضان تحفنا الملائكة بأنوارها وأحوالها ومبشراتها ودعواتها. بحضورها ونورها تعجز الشياطين بنارها أن تنفث و تنفخ و تهمز، وتعجز أيضًا عن الوقوف على مواطن الأمر والنهي فينا لتأمر بالمعاصي والآثام. كل الأبواب عليها موصدة. نور الملائكة أقوى من نارها، لايسعها أمامه إلا الفرار، ” وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ “.
لا يليق بمن كان الله له ربا، أنعم عليه بهذا الشهر الفضيل الذي أنزل إليه فيه رسالته، وأحاطه بكل هذه الحفاوة والرعاية إلى حد أن جعل له فيه ليلة قال عنها :” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ “.
لا يليق بمن كان له اليسير من الذوق والعلم والحياء أن لا يعظم شهرًا عظم الله حرمته وأعلى شأنه، وأن لا يجعل لياليه وأيامه أوقاتًا للذكر والمناجاة والشكر والتزلف والخشوع والتفكر والتقلل والتحبب والدعاء والسعي الباطني والظاهري لجعل الروح تسمو فوق طينة الجسد، وتتخلص من عاداته وأثقاله وقيوده ونقائصه. إنه شهر لاستعادة أرواحنا فرادى وجماعات، أرواحٌ تسكن وتغشى كل ذرات أجسامنا، حجب العليم الخبير الحكيم عنا ماهيتها وحقيقتها رغم أنها أم الحقائق. هنا رباطنا، ومطلبنا، وحاضرنا ومستقبلنا. وبهذه الروح المحسنة سنعلم علم اليقين لمن يجب أن نكون عبيدا لنتحرر من سلبيتنا وجبننا وضعفنا ويأسنا وحقدنا وغيظنا وأوهامنا وتشتتنا، ونتحرر بإرادتنا من كل خوان أثيم مستكبرٍ وشامت منافق عدو للدين.