منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحب الأحمدي|| سلسلة في رحاب المصطفى

رشيد كريم

0

الحب الأحمدي|| سلسلة في رحاب المصطفى

بقلم: رشيد كريم

كلّ طيرٍ قد تغنّى *** يغمر الأكوانَ فنّا
كل عنقـودٍ تدلى *** راح يُجنى أو سيُجنى
كل شوقٍ في فؤادٍ *** قد تمنّى ما تمنى
كل فكرٍ جاب كوناً *** كل شعرٍ سار حُسنا
كل لوحاتٍ تراءت *** في الدنى لوناَ فلونا
كل بيتٍ من قصيدي *** فوق بيتٍ راح يُبنى
كل حرفٍ من حروفي *** كل لفظٍ ، كل معنى
كل هذا يا حبيبي *** صيغَ في نجواك لحنا
***
أي شوقٍ للسماءِ *** في ابتهالات حراءِ
أي شكوى أي نجوى *** أي خوفٍ و رجاءِ
أي عطرٍ نبويٍ *** عمَّ أرجـاءَ الفضاءِ
أي دمعٍ راح يرنو *** نحو أبواب السماءِ
أي نورٍ لاح يمحو *** كلَّ جهل الجُهلاءِ
أي حبٍ أحمديّ *** مَجَّ عطراً في دمائي
أنت أنسامُ صباحي *** أنت أحلامُ مسائي
أنت عطري أنت عمري*** يا ختامَ الأنبياءِ

وأنت تطالع الأعمال الفنية من أفلام ومسلسلات وأشعار ونثر وهلم جرا، تجد الكل منغمسًا في الحديث عن الحب؛ هذه القيمة الإنسانية التي عرفت قصورًا في فهمها، وتمييعًا لقيمتها، وتضليلاً للعباد بها، فما أن تُذكَر كلمة “حب” حتى يتباذر الى ذهنك تلكم العلاقةُ بين الرجل والمرأة، وهذا اعوجاجٌ شديد في الفَهم، أنتج شخوصًا واهية، لا تبحث إلا عن اللذة والمتعة ولو في الحرام

ولأن الحبيب المصطفى أسوتُنا وقدوتنا، وجَب البحث في سيرته العطرة؛ لنهتدي على بصيرة، ونعرف كيف كان تعامله صلى الله عليه وسلم مع هذه القيمة الإنسانية العظيمة، وإن كانت الحروفُ تقف خجلى أمام جلال الموقف، وجمال شخص الحبيب صلى الله عليه وسلم.

أحاول في هذا المقال أن أسلط الضوء على هذا الجانب الإنساني العظيم في حياة الرسول ﷺ؛ والذي عَنْوَنتُه بـالحب الأحمدي من خلال عرض بعض النماذج من الحب الأحمدي.

إن المحبة نعمةٌ عظيمة امتنَّ الله بها على عباده؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرَّة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمها، فهو من جملة الأموات، والنورُ الذي مَن فقَده فهو في بحار الظُّلمات -1-.

والحب عند الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن شهوة، بل كان فطرةً جُبِل عليها منذ كان طفلاً، ففتًى، فكَهْلاً، كان قلبه فياضًا بالمشاعر النبيلة لكل من حوله، وهذا ما ألان عُودَ كلِّ جبار، وأبدل مشاعر الكره حبًّا عند الكثير ممن عاصروه وعايشوا جميل خصاله ﷺ ؛ (فكم من أعرابي فَدْمٍ ثقيل الفهم لا أدب له ولا فهم ولا عقل ولا عِلم ولا كرَم ولا حِلم، قابل جنابه الشريف بما غضب له المكانُ والزمان، وخاطبه بما عبَس له السيف واحتدّ له اللسان، فكان جوابه الإغضاء، والعفو عمن أساء، فتبدل بغضُه بالحب، وبُعده بالقرب، واستحال إنسانًا بعد أن كان ثعبانًا، وصار حبيبًا بعد أن كان ذِيبًا). -2-

والحب عند الرسول رفيق درب في كل شؤون الحياة، فوراء كل سلوك يسلكه أو منهج يقرِّره أو كلمة ينبِس بها، تستشفُّ قلبًا نقيًّا، نابضًا بالحب لكل من حوله، وما كان الحب يعطِّله عن أداء واجباته، بل كان الوقودَ الذي يحفِّزه على إتقانها، والإقبال عليها جَذْلانَ مبتهجًا، فكان يمارسها ممارسةَ محب مفطور، لا ممارسة مكلَّف مأمور.

وبذات الحب كان يتحمل أذى المشركين، وجفاءَ وغلظة بعض السفهاء، من أمثال أبي لهب، وأبي جهل، وعقبةَ بن أبي معيط، ولو كان قلبه يعرف الكُره والانتقام، لاستجاب لأمرِ جبريل عليه السلام حين قال له ذات محنة: (إن الله عز وجل قد سمع قولَ قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملَك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرَني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أُطبِق عليهم الأخشبينِ)، لكن الرسول ﷺ المحب العطوف قال: ﴿بل أرجو أن يُخرجَ الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا-3-

وأعظم مظاهر الحب تجلَّت في حب الرسول صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه، هذا الحب الذي سكن كل ذرة في كيانه، وكان يدفعه حتى قبل البعثة إلى الخَلوة بهذا الفاطر المبدع المنزَّه عن الشريك، حب تجلَّى في تفانيه ﷺ في عباداته، فكان في كلامه وصمته، في حركته وسُكونه، في نومه ويقظته, بل في أنفاسه ﷺ يعبُدُ الله عز وجل، لا يفتُرُ لسانُه عن ذكره واستغفاره، حب اتضحت ملامحُه في غضبه عند انتهاك حُرُمات محبوبه، وصبره وتحمُّله للأذى في سبيل أن تبقى كلمةُ الله هي العليا، أوَلم يقُلْها الحبيبُ ﷺ في أوج محنته: ﴿إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي﴾، فما تساوي الدنيا إن غضِب الله عليك وجرَّدك من رداء محبَّته لك؟!

كان رسول الله ﷺ قلبا ينثر الحب ذات اليمين وذات الشمال، حتى إن صحابته الذين كانوا قبل البعثة عربا عجنتهم الصحراء بمزاجها الشاحب، باتوا بعد أن تناول نفوسهم بتربيته أرواحا تعشق الحب.

وجدهم رسول الله ﷺ يئدون البنات ويقتتلون على أبسط الأشياء فأعاد ﷺ صياغتهم من جديد مستخدما إكسير الحب فخرجوا خلقا آخر

يصف لنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أحوال الناس في مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول للنجاشي ملك الحبشة: (أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرَحِم، وحُسن الجوار).

 ولا شيء أوضح في وصف الحالة الاجتماعية والخُلقية للجزيرة العربية فبل البعثة النبوية من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بين يدي ملك الفرس (كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً، محمداً  نعرف نسَبَه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا).

إنها عبقرية الحب الأحمدي التي استطاع بها النبي ﷺ أن يعيد إنتاج تلك الأنفس فانتفضت فيها الحياة وانبعثت منها نسائم العطر

في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر رضي الله إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله، ثم قال عمر: تمنوا: فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها لؤلؤ وزبرجد وجواهر أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر رضي الله عنه: ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

هذا عمر الفاروق يعبر أنه يتمنى لو أن لديه بيتا مليئا برجال مثل أبي عبيدة.

وهذا أبو ذر يضع خذه على الأرض آمرا بلال أن يطأه بقدمه، لأنه جرحه بكلمة لا تليق ببلال، فينهضه بلال ويعانقه: إنه إكسير الحب الأحمدي

في طريق العودة من الحديبية كانت مشاعر الصحابة في أعلى مستويات الكآبة إذ أنهم لم يرجعوا من سفرهم إلا بالتعب وخيبة الأمل من صلح مجحف -حسب ظنهم-

وفي الطريق، إذا بالبشرى تنزل من السماء في قول الله تعالى ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ الفتح: 20]

فكانت هذه المغانم الكثيرة هي فتح خيبر

وفي طريق العودة من خيبر، إذا بصديق قديم وحبيب قريب وحب عميق يظهر في الطريق: إنه جعفر بن أبي طالب العائد من الحبشة بعد غياب لأكثر من عشرة أعوام، فيلغي النبي ﷺ مراسم اللقاءات الرسمية ويعانق جعفرا بحرارة، ويقبل بين عينيه، ثم بكل حب وبقلب مفعم بالأشواق يهتف ﴿والله ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ ﴾ -4-

يجعل ﷺ لقاء ابن عمه في كفة موازية لذلك الفتح العظيم.

إنها تحية الترحيب والتكريم التي لا تنبع إلا عن حُبٍّ صادق، وشوقٍ حار، وهكذا ينبغي أن نعامل الأعزاء علينا.

ما أحلاها شهادة من رسول الله، فرَحُ رسول الله بفتح خيبر يساوي قدومَ جعفر.

إنها طاقة الحب الغريبة في قلب مولانا رسول الله ﷺ.

من هديه ﷺ أنه كان يشعر كل فرد ممن حوله بالحب الصادق والاحتفاء الخاص والاقبال والابتسامة، فهذا الصحابي الجليل عمرو بن العاص حظي بهذا الحب الأحمدي الى درجة أن عَمرا اعتقد مع الأيام أنه أحب الناس الى النبي ﷺ وزادت ثقته لما بعثه رسول الله ﷺ على رأس جيش غزوة ذات السلاسل، فوجد عمرو الفرصة سانحة ليأخذ التصريح بالحب الأحمدي فيسأل

يارسول الله من أحب الناس إليك؟ لحظات انتظار سماع اسمه في أعلى القائمة، فإذا بالإجابة تأتي وبكل عفوية يقول: عائشة. فقال عمرو: ثم من؟ قال النبي: أبوها.

فكأن الأمل ما زال يلوح: ثم من؟ قال: عمر. فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ -5-
الله !!!!على مجتمع، اسئلة أفراده عن الحب

لا شك أن عمرا في القائمة ولكن اسمه سيأتي متأخرا بعض الشيء ولكن السؤال الجوهري: ما الذي جعل عمرا يظن أنه الأحب؟ أنه الحب الأحمدي الذي وسع كل من حوله.

كان للحب عند النبي مفهوم خاص فهو رزق يُرزقُه العبد، فإذا خفق قلب لقلب فهذا لأن الله تعالى أراد

وقد بلغ من حبِّه لأمِّنا خديجةَ أنه لم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها، وكان كثير الذِّكر لها بعد ذلك، قال عنها ﴿إني قد رزقت حبها﴾؛ حتى إن أمُّنا عائشة رضي الله عنها قالت ﴿ما غِرْتُ على امرأة لرسول الله كما غِرْتُ على خديجة؛ لكثرة ذِكر رسول الله صلى الله عليه وآله إياها، وثنائه عليها﴾ -6-

فقد ذاق معها طعم الحياة الزوجية مَرِيئًا؛ لهذا بقي ﷺ وفيًّا لذكراها حتى بعد زواجه بغيرها، وما كان يفتُرُ عن الثَّناءِ عليها والاستغفار لها.

 كما أن علاقةَ الرسول ﷺ بالسيدة عائشة، فقد جسَّدت مظهرًا آخر جميلاً للحياة الزوجية، المبنيَّة على الحب المتبادل، والانسجام، والنشاط في السفر والحضر، فذات يوم كانت عائشةُ مع رسول الله في سفرٍ، فسابَقها، قالت: فسبقتُه على رِجْلي، فلما حملت اللحمَ، سابقتُه، فسبقني، فقال: ﴿هذه بتلك﴾ -7-

ومِن لطيفِ ما يروى في إعرابه صلى الله عليه وسلم عن حبِّه لعائشة وتمسُّكه بها قوله لها: ﴿كنت لك كأبي زرعٍ في الأُلفة والوِفاق، لا في الفُرقة والخلاء﴾، فقالت عائشة: ﴿يا رسول الله، بل أنت خيرٌ لي من أبي زَرْعٍ﴾ -8- ولنا عودة لموضوع علاقته ﷺ بأزواجه قريبا.

ü وسقى نبعُ الحب المحمدي قلوبَ فِلذات أكباده وأحبابه، فكان شديدَ الحنوِّ عليهم، خاصة زهرةَ البيت النبوي فاطمةَ، التي قال عنها الرسولُ ﷺ: ﴿إنما فاطمةُ بَضعةٌ منِّي، يؤذيني ما آذاها﴾ -9-

وما فتئ ﷺ يداعبُ الحفيدين الغاليين: الحسَنَ والحُسين، ويقول مُشهدًا الكون بحبهما: ﴿اللهم إني أُحبُّهما فأحِبَّهما﴾ -10-

كما لم يبخَلِ الرسولُ الكريم ﷺ بحبِّه عن باقي أهله؛ كجده عبد المطلب، الذي كفَله ورعاه منذ صباه، وعمِّه أبي طالب، الذي وجَد عليه كثيرًا حين توفِّي، حتى سمِّي ذاك العام “عام الحزن”، ثم عمه حمزة أسد الله، الذي كانت فاجعتُه فيه أكبرَ حين مثَّل به كفارُ قريش في غزوة أُحُد، وابن عمه عَقِيل بن أبي طالب، الذي قال له: ﴿يا أبا يزيد، إني أحبُّك حُبَّين؛ حبًّا لقرابتك مني، وحبًّا لِما كنتُ أعلمُ لحبِّ عمي إياك﴾ -11- وهكذا شأنُه ﷺ مع سائر أهله.

üفي أزقة المدينة يمشي معاذ وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقترب منه! يمسك بيده!

هذه تكفي لصناعة أجمل الذكريات لمعاذ، لكن عبقرية الحب تأبى إلا البوح ﴿يا معاذ والله إني أحبك﴾ -12-ماذا سوف تفعل هذه الجملة في قلب وحياة وسعادة معاذ؟
وكأن المدينة تكتسي بربيع الحب وليس معاذ فقط. يعلنها لمعاذ ويقسم له بذلك،
هذا سيدنا محمد ﷺ لا يؤجل البوح في كل مشاعر حبه.
يالله، أريتم ماذا صنع الحب الأحمدي في المجتمع؟ جعل كل الهم والاسئلة في الحب!

بل تحول من الأشخاص إلى العبادات، وكأن الحب بوابة المجتمع في أخلاقه وعبادته.
في صحيح البخاري عن أنس بن مالك: أنه كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة، مما يقرأ به افتتح بـقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يفرغ منها، ثم سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعةٍ فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئك حتى تقرأ بأُخرى، فإما تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأُخرى، فقال: ما أنا بتاركها! إن أحببتُم أن أؤمَّكم بذلك فعلتُ، وإن كرهتم تركتُكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمَّهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأُمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعةٍ؟ فقال: إني أُحبها، فقال: ﴿حُبُّك إيَّاها أدخلك الجنة.-13-

أصبحت النفوس علاقتها مع العبادات علاقة حب.

قال ابن مسعود: سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ علَى وقْتِها، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ برُّ الوالِدَيْنِ، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي -14-

مع هذا المجتمع الراقي في ثقافة الحب، كان رسولنا ﷺ بحبه الأحمدي يغذي المجتمع بهذا الحب. بكلماته، بإحساسه، بكرمه، بتغافله، بعذره، بابتسامته، حتى عتابه كان حبا.
هذه عبقرية الحب في بناء مجتمع الرحمة لذلك الرسول النبيل الرحيم

روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: (ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح به إذا دُعِيَ بها، جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة عليها السلام، فلم يجد عليّاَ في البيت، فقال: ﴿أين ابن عمك؟﴾ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج فلم يقِل (ينم وسط النهار) عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان﴿: انظر أين هو؟﴾ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شِقِّه (جانبه) فأصاب تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه وهو يقول: ﴿قم أبا تراب، قم أبا تراب ﴾ أي: يا أبا تراب. وفي رواية مسلم: فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شِقِّه، فأصابه ترابٌ، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول ﴿: قُمْ أبا التراب! قُمْ أبا التراب.﴾ -15-

تأمل نبي الثقلين يمسح التراب عن أحد أصحابه ويقول متحببا متوددا: قم أبا تراب

أتاه رجل يعلن عن حبه لأحد المسلمين، فلم يكتف النبي باستحسان الأمر، بل طلب إليه أن: ﴿قم فأعلمه﴾ -16-

قم فأعلمه حتى تغدو كلمة الحب هي السحابة التي تظلل المدينة المنورة فتهطل أمطار تشبه الأشواق التي تطفئ لهيب الصحراء من أرواح أرهقها الجدب.

*الحب ثقافة يجب أن تنتشر في مجتمع الكراهية.

*الحب لغة يجب أن تدرس للأجيال.

*الحب أحاسيس يجب أن تبث في الحياة.

رسولنا يعبر عن حبه لزيد بن حارثة بطريقة كلها حنان ورحمة ﴿يا زيد أنت مولاي ومني وإلى وأحب القوم إلي﴾ -17-

 وحين نذكُرُ صحبَه الكرام يقفز للذِّهن حبَّه لرفيقَيْ دربه: الصِّدِّيق والفاروق، ولصِهرَيْه المبجَّلين: علي وعثمان، ولن ننسى الصحابيين الجليلين اللذين غدا الحبُّ النبوي لهما صفةً تتناقلها الأجيال، ويغبطهما عليها كلُّ لبيب، وهما: زيد بن حارثة، وابنه أسامة، فكان الأول حِبَّ الرسول ﷺ وكان الثاني الحِبَّ ابن الحِبِّ؛ رُوِي عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: “بعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد, فطعَن بعض الناس في إمارته, فقال النبي ﷺ: ﴿إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايمُ الله، إن كان لَخليقًا للإمارة، وإن كان لَمِن أحبِّ الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحبِّ الناس إليَّ بعده﴾ -18-

لقد امتد الحبُّ النبوي ليشمل الجمادات، فكان ﷺ يحب مكةَ مسقطَ رأسه، ومحضنَ نشأته، وأوَّل مَن لبَّى من أهلها دعوته، وأحب الرسولُ ﷺ كذلك جبلَ أُحُد، فقال فيه: ﴿أُحُد جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه -19- ، وقد علَّق ابنُ الأثير على هذا بقوله: (هذا محمول على المجاز، أراد أنه جبل يحبُّنا أهلُه، ونحب أهلَه، وهم الأنصار، ويجوز أن يكون من باب المجاز الصريح؛ أي: إننا نحب الجبلَ بعينه؛ لأنه في أرض مَن نحب). -20-

وقال علي بن برهان الدين الحلبي: (لا مانعَ أن تكون المحبة من الجبل على حقيقتِها، وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبِّحة مع داود عليه السلام، وكما وُضِعت الخشيةُ في الحجارة التي قال فيها سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74. -21-

وهكذا كان الحبُّ في حياته فطرةً وطبعًا متأصِّلاً، ولم يكن شهوةً عابرة كما يدَّعي الحاقدون، كان سلوكًا نابضًا بالوفاء، باعثًا على الحياة، باسطًا أجنحةَ العطاء دون قيود، كما أن الرسولَ ﷺ لم يكن يستنكِفُ عن التعبير عن مشاعره، كما يفعل الكثيرُ من المتديِّنين اليوم، فكان يحدِّثُ زوجاته بمشاعره، ويتباسط معهن، ويُلاعِب أحفاده ويمازحهم، ولا يخجلُ في التعبير عن حبِّه لمن وجبت محبَّتُهم؛ فالعمران الأخوي أساسه الحبُّ الصادق، الذي غلف كلَّ عباداتِ النبي صلى الله عليه وسلم ومعاملاتِه، مع القريب والغريب، حب جعَله أكثرَ مسؤوليةً أمام خالقه أولاً، وأمام الناس ثانيًا.

اللهم صل وسلم على نبينا حبًا وشوقًا وتوقيرًا وعبوديًة
كان ﷺيحب ويعلن الحب ،ويعفو ويصفح من أجل الحب، ويردد الحب ،
وكأنه ينفض الصحراء ليخبرها أنه أتى بدينٍ يقوم على الحب..
مع الله (يحبهم وبحبونه)
مع رسوله (حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده)
مع الناس (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله) .
نعم لقد نفض الصحراء، وتحولت القلوب من لون التصحر الكالح إلى لون الربيع السعيد الذي يتلون بسعادته وكأنه مولد جديد لقلوبهم .
يقول لصاحبه الصديق “الصحبة الصحبة” ليكون صاحبه في الهجرة ، فتنزل دموعه على خده…إنها دموع الحب .
هو الحب هو الحب الأحمدي.

لقد جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنور الذي أضاء العالم، وأعطى للبشرية مثالا راقياً في التربية والقيادة بمنهج الحب، بين المُرَبِي والمُرَبَّى، والقائد والجندي، والصاحب وصاحبه، والمتأمل في سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرى ذلك واضحا جليا، ليعطينا القدوة في ذلك.


تخريج النصوص :

-1-المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني 2/117.

-2-وسائل الوصول إلى شمائل الرسولِ صلى الله عليه وسلم للشيخ النبهاني ص22.

-3- الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: ابن خزيمة – المصدر: التوحيد لابن خزيمة – التخريج: أخرجه البخاري (3231)، ومسلم (1795) باختلاف يسير

-4- قدِمَ جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من أرضِ الحَبَشةِ، فقبَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما بينَ عَينَيْه، وقال: ما أَدْري أنا بقُدومِ جَعفَرٍ أُسَرُّ أمْ بفَتحِ خَيْبرَ؟ خلاصة حكم المحدث: إسناده ضعيف – الراوي: أبو حجيفة – المحدث: شعيب الأرناؤوط – المصدر: تخريج زاد المعاد – الصفحة أو الرقم 2/414

-5- أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ عَمْرَو بنَ العَاصِ علَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، قالَ : فأتَيْتُهُ فَقُلتُ : أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: عَائِشَةُ قُلتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قالَ: أبُوهَا قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: عُمَرُ فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أنْ يَجْعَلَنِي في آخِرِهِمْ.

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: عمرو بن العاص – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: – 4358 – التخريج: أخرجه مسلم (2384)، والترمذي (3885)، وأحمد (17811) جميعهم باختلاف يسير

-6- ما غِرْتُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا علَى خَدِيجَةَ وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا. قالَتْ: وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ قالَتْ: فأغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلتُ: خَدِيجَةَ، فَقالَ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا. وفي روايةٍ: بهذا الإسْنَادِ نَحْوَ حَديثِ أَبِي أُسَامَةَ إلى قِصَّةِ الشَّاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا.

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم – 2435 – التخريج: أخرجه البخاري (3816) بنحوه، ومسلم (2435).

-7- خرَجتُ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ في سفَرٍ فقالَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: تعالَى حتَّى أسابقَكِ فسبقتُهُ، فخرجتُ معَهُ في سفرٍ فنزلنا منزلًا فقالَ لي: تعالَى حتَّى أسابقَكِ قالت: فسبقَني فضربَ بينَ كتِفَيَّ وقالَ: هذِهِ بتلْكِ

الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: الوادعي – المصدر: الفتاوى الحديثية للوادعي – الصفحة أو الرقم – 1/375| التخريج: أخرجه أبو داود (2578)، وأحمد (24118) باختلاف يسير، وابن ماجه (1979) مختصراً

-8- يا عائشةُ! كنتُ لك كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ، إلا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق، وأنا لا أُطلِّقُ.

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم 141 – | التخريج: أخرجه الطبراني (23/173 (270)

-9- إِنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما آذَاها، ويُنْصِبُنِي ما أنْصَبَها

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: عبد الله بن الزبير- المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع الصفحة أو الرقم 2366- التخريج: أخرجه الترمذي (3869)، وأحمد (16123)، والطبراني (13/ 113) (277)، واللفظ لهم جميعا.

-10- أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أبصرَ حَسنًا وحُسَيْنًا فقالَ : اللَّهمَّ إنِّي أحبُّهما فأحبَّهما

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: البراء بن عازب | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي | الصفحة أو الرقم – 3782– التخريج: أخرجه الترمذي (3782) واللفظ له، والبخاري (3749)، ومسلم (2422) بنحوهما.

-11- أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لعَقيلِ بنِ أبي طالبٍ يا أبا يزيدَ إنِّي أُحِبُّك حُبَّينِ حُبًّا لقَرابتِك وحبًّا لِما كنْتُ أعلَمُ مِن حُبِّ عمِّي إيَّاك

خلاصة حكم المحدث: مرسل ورجاله ثقات-الراوي: أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله – المحدث: الهيثمي – المصدر: مجمع الزوائد الصفحة أو الرقم – 9/276-التخريج: أخرجه الحاكم (6464)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 44) بلفظه.

-12- أخذَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بيدي يومًا فقالَ يا معاذُ إنِّي واللَّهِ لأحبُّك فقالَ معاذٌ بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّهِ وأنا واللَّهِ أحبُّكَ فقالَ أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعَنَّ دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ أن تقولَ اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكرِكَ وشكرِكَ وحُسنِ عبادتِكَ

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: معاذ بن جبل – المحدث: ابن حجر العسقلاني – المصدر: نتائج الأفكار -الصفحة أو الرقم 2/297

-13- أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ إنِّي أُحِبُّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (حُبُّكَ إيَّاها أدخَلكَ الجنَّةَ

-خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه-الراوي: أنس بن مالك – المحدث: ابن حبان – المصدر: صحيح ابن حبان-الصفحة أو الرقم 792

-14- سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: عبد الله بن مسعود – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم 5970

-15- خلاصة حكم المحدث: صحيح -الراوي: سهل بن سعد الساعدي – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم 6280

-16- كنتُ جالسًا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذ مرَّ رجُلٌ، فقال رجُلٌ مِنَ القومِ: يا نبيَّ اللهِ، واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ هذا الرجُلَ، قال: هل أعلمتَهُ بذلك؟ قال: لا، قال: قُمْ فأعلِمْهُ، فقام إليه، فقال: يا هذا، إنِّي لَأُحِبُّكَ، قال: أَحَبَّكَ الذي أحبَبْتَني له.

خلاصة حكم المحدث: خطأ [يعني في إسناده] -الراوي: أنس بن مالك – المحدث: النسائي – المصدر: السنن الكبرى للنسائي-الصفحة أو الرقم 9939

 -17- أما أنت يا جعفرُ فأشبهَ خَلقُك خَلْقي وأشبَه خُلُقي خُلُقُك. وأنت مني وشجرتي، وأما أنت يا عليُّ فخَتْني وأبو ولدي، وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيدُ، فمولاي ومني وإليَّ، وأحبُّ القومِ إليَّ

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: أسامة بن زيد – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم 1348

اعْتَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذِي القَعْدَةِ، فأبَى أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حتَّى قَاضَاهُمْ علَى أنْ يُقِيمَ بهَا ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ، كَتَبُوا: هذا ما قَاضَى عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ، فَقالوا: لا نُقِرُّ بهَا؛ فلوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللَّهِ ما مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أنْتَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قَالَ: أنَا رَسولُ اللَّهِ، وأَنَا مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُ «رَسولُ اللَّهِ»، قَالَ: لا واللَّهِ، لا أمْحُوكَ أبَدًا، فأخَذَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الكِتَابَ، فَكَتَبَ: هذا ما قَاضَى عليه مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، لا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إلَّا في القِرَابِ، وأَنْ لا يَخْرُجَ مِن أهْلِهَا بأَحَدٍ إنْ أرَادَ أنْ يَتَّبِعَهُ، وأَنْ لا يَمْنَعَ أحَدًا مِن أصْحَابِهِ أرَادَ أنْ يُقِيمَ بهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا ومَضَى الأجَلُ، أتَوْا عَلِيًّا فَقالوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا؛ فقَدْ مَضَى الأجَلُ، فَخَرَجَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ: يا عَمِّ، يا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فأخَذَ بيَدِهَا، وقَالَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، حَمَلَتْهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ، وزَيْدٌ، وجَعْفَرٌ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: أنَا أحَقُّ بهَا، وهي ابْنَةُ عَمِّي، وقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وخَالَتُهَا تَحْتِي، وقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أخِي، فَقَضَى بهَا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِخَالَتِهَا، وقَالَ: الخَالَةُ بمَنْزِلَةِ الأُمِّ، وقَالَ لِعَلِيٍّ: أنْتَ مِنِّي وأَنَا مِنْكَ، وقَالَ لِجَعْفَرٍ: أشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقِي، وقَالَ لِزَيْدٍ: أنْتَ أخُونَا ومَوْلَانَا.

الراوي: البراء بن عازب – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم- 2699 -خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه البخاري (2699)، ومسلم (1783)

-18- خلاصة حكم المحدث: صحيح -الراوي: عبد الله بن عمر – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم 4250 – التخريج: أخرجه مسلم (2426) باختلاف يسير

-19- أَقْبَلْنا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ ، حتَّى إذا أشْرَفْنا علَى المَدِينَةِ قالَ: هذِه طابَةُ ، وهذا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ

خلاصة حكم المحدث: صحيح-الراوي: أبو حميد الساعدي – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم4422

-20- لسان العرب 2/743، وتاج العروس 2/215

-21- السيرة الحلبية 2/487.

فائدة

من السُنَّة إذا أحببتَ شخصاً أن تقول له: إني أحبك في الله، وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه، فعن المقداد بن معد يكرب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه) رواه أبو داود ، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا كان عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أعلمته؟، قال: لا، قال: أعلمه، قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبَّك الذي أحببتني فيه) رواه أبو داود.

وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، وأبقى في المودة).

قال المناوي: “فليخبره بمحبته له ندبا، بأن يقول له إني أحبك لله، أي: لا لغيره من إحسان أو غيره، فإنه أبقى للألفة، وأثبت للمودة، وبه يتزايد الحب ويتضاعف، وتجتمع الكلمة، وينتظم الشمل بين المسلمين، وتزول المفاسد والضغائن، وهذا من محاسن الشريعة”.

وقال الشيخ ابن عثيمين: “وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه، لأن الإنسان إذا علم أنك تحبه أحبك، مع أن القلوب لها تعارف وتآلف وإن لم تنطق الألسن، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) رواه مسلم، لكن إذا قال الإنسان بلسانه فإن هذا يزيده محبة في القلب ، فتقول : إني أحبك في الله”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.