تجربة آدم وزوجه في العالم العلوي
تجربة آدم وزوجه في العالم العلوي/ الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
تجربة آدم وزوجه في العالم العلوي
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
خلق الله آدم عليه السلام ليعيش في الأرض، لقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }([1])، وعلمه الأسماء كلها. ولكي يتعرف آدم على الإمكانيات التي حباه الله إياها، ويتعرف على عدوه التقليدي الذي سيلازمه طيلة وجوده وبنيه على الأرض، كان لا بد أن يعيش تجربة خاصة، يكتسب من خلالها الخبرة اللازمة للتعامل مع غيره في أرض الله الواسعة. وهذه التجربة أرادها الله تعالى أن تكون مركزة، وتتوفر فيها جميع العناصر الضرورية لتكون درسا أبديا للتذكير المستمر وأخذ العبرة.
مكان التجربة
يقول تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}([2]). إنه سكن مزدوج؛ سكن الجنة مع العيش الرغيد، وسكن الزوجة في إطار الطمأنينة النفسية للشريكين؛ يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([3]). كما أنهما يتمتعان بالنعيم الشامل والحرية التامة حواليهما في كل الأنحاء، ما عدا شجرة واحدة نهاهما الله عن الاقتراب إليها في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}([4]). نهاهما الله عن الأكل من الشجرة وحذرهما من الشيطان؛ لأنه عدو لهما، وعداوته ظاهرة لا تنقطع.
وسوسة الشيطان
اجتمع في مكان هذه التجربة آدم وحواء وإبليس، هذا الأخير الذي سمي هنا بالشيطان؛ لأنه سيقوم بعملية الإغواء التي تهيأت له من خلال المهمة التي كلفه الله بها. وذلك ليخرج آدم وزوجه عما كانا فيه من النعيم. وأول ما بدأ به الشيطان في عملية الوسوسة هو استدراجه لآدم منعزلا عن حواء، في قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى}([5]). من خلال هذا السرد القرآني يتبين لنا أن إبليس أول ما فعل أنه ألقى الفكرة إلى آدم. وهي فكرة كبيرة وخطيرة وهامة في حياته عليه السلام. إنه الخلود الأبدي والملك الدائم الذي لا يزول. فكان لهذا الفعل دوي في صدر آدم. إنه كما يقول تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}([6]). فهذه الفكرة ستلازم آدم عليه السلام، وستشغل باله وسيصبح مهموما بها. وسيكون آدم بهذه الوسوسة قابلا للغواية في المحاولات التالية. وعندما اختمرت الفكرة عند الرجل، كانت الخطوة الثانية التي أقدم عليها الشيطان عن طريق الوسوسة هي إقناع الزوجين معا؛ حيث أعطاهما تبريرا على المنع من الأكل من الشجرة، في قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}([7])، ولينقل الشيطان الزوجين من الشك إلى اليقين استخدم الحلف على الباطل، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}([8]). حيث استطاع أن ينسجم معهما بواسطة التفاعل الذي وقع بين الطرفين، وذلك عندما قاسمهما، أي: أقسم لهما فصدقاه، ظنا منهما أنه لا يستطيع أحد أن يقسم بالله على الكذب. {فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}([9]).
الأمر الإلهي بالهبوط إلى الأرض
انتهت التجربة وهبط الجميع إلى الأرض، التي هي مكان استخلاف الإنسان وحلبة الصراع بين الحق والباطل، وعداوة الشيطان الدائمة اختبارا وفتنة للناس. يقول تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}([10]). فكان أن تولى الله آدم برحمته؛ في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}([11]). وكلمات التوبة التي تلقاها آدم من ربه جاءت في قوله تعالى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}([12]). فتقبل الله توبتهما؛ لأن عصيانهما كان طارئا، ولم يكن عن عزيمة وقصد وإصرار. يقول تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}([13]).
خلاصة التجربة
يقول تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([14]). فهذه الأرض التي نحن من ترابها، والتي جعلنا الله مستخلفين فيها جيلا عن جيل منذ اللحظة الأولى لهبوط أبينا آدم وأمنا حواء، هي موطننا، وهي مستودعنا إلى أن يشاء الله تعالى؛ {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}([15]). ومن خلال التجربة الأولى، يتبين لنا أن للإنسان طاقات خلقها الله فيه: حسية ومعنوية، فردية واجتماعية. إلا أن هذا الكائن لا يستطيع أن يعيش في هذه الأرض في سلام بدون هدى من الله. لذلك فالله الذي خلقه هو الذي تولاه وأرسل إليه الأنبياء والرسل، وحذره من الشيطان، ليكون إنسانا متوازنا مع نفسه ومع الكون من حوله. وبهذا يكون الإنسان مخيرا بين أمرين: إما أن يتبع الهدى الذي أنزله الله إليه من السماء، فيعيش سعيدا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وإما أن يكفر بالهدى ويتبع طريق الضلالة والعصيان فيكون أشقى الناس في الدنيا والآخرة. مصداقا لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}([16]).
([1]) سورة البقرة، جزء من الآية: 30
([4]) سورة البقرة، جزء من الآية: 35
([6]) سورة الناس، جزء من الآية: 4 والآية: 5
([12]) سورة الأعراف، الآية: 23