الرجاء
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نصوص عديدة تؤمل الإنسان برحمة الله وعفوه وغفرانه، وهو ما يدخل تحت باب الترغيب في النص القرائي إلى حد وعد الله تعالی العباد بأنه قد يغفر لم أي ذنب يقترفونه ما عدا الشرك. فلقد خاطب الله تعالى الناس في قوله العزيز: ﴿اِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَّشَآءُۖ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ اِ۪فْتَر۪يٰٓ إِثْماً عَظِيماًۖ﴾ [سورة النساء الآية:47]. إذا قصر الإنسان أو وقع في خطأ قد يصيبه الهلع ويعتريه القلق، وتزداد عنده المخاوف من ذنبه وهول ما ينتظره من عذاب مقابل ما اقترفه، ولكن الإنسان لا بد وأن يتوقع الخير والرحمة من الله تعالی الذي خاطبنا بقوله: ﴿قُلْ يَٰعِبَادِيَ اَ۬لذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَيٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ يَغْفِرُ اُ۬لذُّنُوبَ جَمِيعاًۖ اِنَّهُۥ هُوَ اَ۬لْغَفُورُ اُ۬لرَّحِيمُۖ﴾ [سورة الزمر الآية:50 ]
فالإنسان لو عاش الخوف دون الرجاء لأصيب بتدمير نفسه، وازدياد وساوسه مما قد يشل حركته، ولكن الترغيب والوعد بغفران الله يشكل حصنا يمنع الإنسان من السقوط.[1]
واعلم أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين، وإنما يسمى الوصف مقاما إذا ثبت وأقام، وإنما يسمی حالا إذا كان عارضا سريع الزوال، وكما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب، وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل، وإلى ما هو بينهما كصفرة المريض، فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام، فالذي هو غير ثابت یسمی حالا لأنه يحول على القرب، وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب، وغرضنا الآن حقيقة الرجاء، فالرجاء أيضا يتم من حال وعلم وعمل، فالعلم سبب يثمر الحال، والحال يقتضي العمل، والرجاء اسما من جملة الثلاثة. والرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المحبوب المتوقع لابد وأن يكون له سبب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر: أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان انتظار مع انخرام أسبابها واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء فاسم التمني أصدق على انتظاره.[2]
يقول ابن العريف: “من ييأس يأس إنكاره وتكذيبه حرمه. ومن ينس یأس توفر لربه وتحقير لنفسه رزق، ومن سلك برجاء صادق إلى ممكن من الدين والدنيا أدرکه ما إليه سلك.”[3]
فالإنسان المؤمن المتم للفرائض لابد أن يدفعه إلى العمل رجاء بفضل الله ورحمته، وأمل يرضونه تعالى، وهذه الحال من الرجاء تزيد من تعلق المحب (العبد) بالمحبوب (الله) وحال المحبة كما أسلفنا هي من أفضل أحوال المؤمن.[4]
لأن الله تعالى أطلعه من سعة رحمته وفيضان كرمه وجوده ما لم يطلع عليه أحد، كما هو أعرف الخلق بصفات الجلال المقتضية للخوف، فهو أيضا أعرفهم بصفات الجمال المقتضية للرجاء، ورجاء الحمل على قدر خوفهم إذ هما كجناح الطائر.[5]
لذلك فإن كل من يتوقع الحسني في المستقبل يعتبر راجيا مؤملا. ويرى الصوفية أن عبادة الله إذا كانت متجهة بفضله وکرمه من العبادة التي تكون بسبب الخوف من العقوبة، لأن الأمل يولد المحبة.[6]
والرجاء تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال وبالرجاء عيش القلوب واستقلالها والفرق بين الرجاء بين التمني، أن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول.
وتكلموا في الرجاء فقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.”
قال يحي بن معاذ: “إلهي أحل العطايا في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ثناؤك وأحب الساعات إِلَيَ ساعة يكون فيها لقاؤك.” وروى مالك بن دينار في المنام فقيل له:” ما فعل الله بك فقال قدمت على ربي عز وجل بذنوب كثيرة محاها علي حسن ظني به تعالی.” وقال عثمان المغربي: “من حمل نفسه على الرجاء تعطل ومن حمل نفسه على الخوف قنط ولكن هذه مرة ومن هذه مرة. وقيل الرجاء ثقة الجود من الكريم الودود. وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.[7]
ومن المفيد أن يكون العبد دائما بين حالي الخوف والرجاء. فالخوف يردعه عن المعصية، والرجاء يدفعه إلى العمل ما يضبط سلوكه ويحصنه، ويجعله فيمن رضي عنهم الله وأحبهم. فالمؤمن يراعي قاعدة التزام بفعل المعروف والانتهاء من المنكر خوفا من النار وطعما بجنات النعيم.
وإن المؤمنين العابدين الذاكرين هم من واظبوا على عبادة الله مما جعل جنوبهم لا تستقر على مضاجعها رغبة ورهبة، فلقد وصفهم رب العلمين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُومِنُ بِـَٔايَٰتِنَا اَ۬لذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَۖ۩ تَتَجَاف۪يٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اِ۬لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَۖ﴾ [سورة السجدة الآية:15-16.]
تخلص من ذلك إلى ما جاء عند الطوسي: “قال بعضهم: الخوف والرجاء جناحا العمل لا يطير إلا بهما، وقال أبو بكر الوراق: الرجاء ترويح من الله تعالى لقلوب الخائفين ولولا ذلك لتلفت نفوسهم وذهلت عقولهم، والرجاء على ثلاثة أقسام: رجاء في الله، ورجاء في سعة رحمة الله، ورجاء في ثواب الله.[8]
ثم إن الأخبار في فضل الخوف والرجاء قد كثرت وقول القائل: الخوف أم الرجاء؟ سؤال فاسد يضاهي قول القائل: الخبز أفضل أم الماء؟ وجوابه أن يقال: الخبز أفضل أم الجوع، والماء أفضل للعطشان، فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب. والخوف والرجاء دواءان تداوی بها القلب، ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى والاغترار به فالخوف أفضل، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله فالرجاء أفضل، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل. وعلى الجملة فما يراد لغيره ينبغي أن يستعمل فيه لفظ الأصلح الألفاظ الأفضل فنقول: أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء، وذلك لأجل غلبة المعاصي. فأما التقي الذي ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفیه وجليه فلأصلح أن يعتدل خوفه ورجاؤه، ولذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدالا.
لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا أن يكون ذلك الرجل، ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن يكون أنا ذلك الرجل.”
وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم والتساوي.[9]
يقول أبو بكر الواسطي في أهمية اجتماع حالي الخوف والرجاء: “الخوف له ظلم يتحير صاحبه تحته يطلب أبدا المخرج منه فإذا جاء الرجاء بضيائه خرج إلى مواضع الراحة فغلب عليه التمني ولا ينفع حسن النهار إلا بظلمة الليل، وفيهما صلاح الكون، فكذلك القلب مرة في ظلم الخوف أسير فإذا طرق طوارق الرجاء فهم أمير، والمحبة والخوف والرجاء مقرون بعضها ببعض.[10]
[1] التصوف منشؤه ومصطلحاته ص: 144 -145.
[2] المستخلص في تزكية الأنفس ص: 287 – 288.
[3] مفتاح السعادة وتحقيق طريق السعاة ص: 175.
[4] التصوف منشؤه ومصطلحاته ص: 145.
[5] شرح الصلاة المشيشية للطيب عبد المجيد بن كيران، تحقيق بسام محمد بارودي، طبعة المجمع الثقافي 1999 أبو ظبي ص: 128.
[6] تاريخ التصوف الإسلامي ص: 501.
[7] الرسالة القشيرية 131-132-133.
[8] اللمع في التصوف ص: 62.
[9] المستخلص في تزكية الأنفس ص: 291.
[10] التصوف منشؤه ومصطلحاته، ص: 146.