فقه سنة الله تعالى
عبد الصمد الخزروني
مقدمـــــة
إن الله تعالى خلق هذا الكون وما فيه من المخلوقات بالحق، [خلق السماوات والأرض بالحق] [ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك]. وكل ما يقع في هذا الكون من حركة وسكنة ومن حوادث ومجريات لا تقع صدفة ولا خبط عشواء، إنما تقع بإذن الله وبعلمه وبأمره، ووفق قوانين ثابتة ومطردة وعامة.
فجميع الظواهر الكونية من شمس وقمر ونجوم وبحار وأمطار ورياح وبراكين وزلازل وغيرها، وكل الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات تخضع لهذه القوانين. يقول الله عز وجل: [والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون] (يس:38-40). ويقول تعالى: [ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين] (المؤمنون:12-14).
الإنسان باعتباره جزءا من هذا الكون فهو يخضع من جهة لقوانين عامة تجري عليه كما تجري على جميع المكونات الأخرى، فخلقه والأطوار التي يمر بها في بطن أمه والتي يمر بها في حياته حتى مماته كل ذلك يخضع لهذه القوانين العامة. وباعتباره إنسانا مكلفا دون غيره يخضع من جهة أخرى لقوانين خاصة به تشمل تصرفاته وأفعاله وسلوكه في الحياة وما يكون عليه من أحوال وما يترتب عليه من نتائج. كالتوسعة في الرزق وضيقه، والسعادة والشقاء، والقوة والضعف، والرقي والتأخر، والعز والذل، والنصر والهزيمة، والعافية والابتلاء، وكل ما يصيبه في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم، ومن فلاح أو خسران.
ولا يستطيع الإنسان أن يغير من هذه القوانين شيئا أو يحوّلها. وإنما يستطيع أن يعْرفها ويعْرف تفاصيلها وجزئياتها. يقول الله تعالى: [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (النساء:26). يسمي القرآن الكريم هذه القوانين بالسنن الإلهية أو بسنة الله. يقول الله تعالى: [قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين] (آل عمران:137-138). ويقول أيضا سبحانه: [سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا] (الأحزاب:62). ويقول تعالى: [فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا] (فاطر:42).
تعريف سنة الله
السنة في اللغة تعني السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. وفي النهاية لابن الأثير: والأصل في هذا اللفظ السنّة: الطريقة والسيرة. وفي حديث المجوس “سنوا بهم سنة أهل الكتاب” أي خذوهم على طريقتهم وأجْروهم في قبول الجزية منهم مجراهم.
وقال الفيروز آبادي في معنى السنة: والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من سنّ سنة حسنة” أي طرق طريقة حسنة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:” والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار”.
وقال الإمام الرازي في تفسيره:” والسنة: الطريقة المستقيمة والمثال المتبع”، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار: “السنن جمع سنة، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع”.
يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المتبعة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة”[1].
أقســــامـها
حين نستقرئ آيات القرآن الكريم المبنية على الحكمة والتصرف المطلق للإرادة الإلهية نجد أن لله عز وجل في خلقه نوعين من السنن:
1- السنن الخارقة: وهي تلك القوانين الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر، وهذه السنن الخارقة في مفهوم الشرع الإسلامي وكيانه العقائدي يرجع إلى قدرة الله المطلقة التي يؤيد بها أنبياءه متمثلة في المعجزات، أو يساند بها أولياءه متمثلة في الكرامات، ولا تنقطع هذه الأخيرة بدوام الحياة الدنيا، [والله يعلم وأنتم لا تعلمون] (النور:19)[2].
ومن أمثلة السنن الخارقة في مجال الطبيعة –مثلا- ما ورد في نصوص الشرع من حادثة انشقاق القمر، وانفلاق البحر، وتشوين الماء مع سيولته، وحجب السكين عن طبيعتها وهي القطع، وحجب النار عن طبيعتها وهي الإحراق.
وفي مجال الحياة وقوانينها نرى إبراهيم عليه السلام يدخل النار ولا يحترق ولا يموت من نقص الأكسجين، ويونس عليه السلام يعيش في بطن الحوت تحت طبقات الماء فترة من الزمن ولا تتأثر حياته بذلك.
وفي مجال الاجتماعيات نرى أن سيدنا موسى عليه السلام ينتصر بقلب العصا ثعبانا، وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ينتصر بمعونة خمسة ألاف من الملائكة، ولوطا عليه السلام ينتصر برفع قريته بواسطة الملك إلى السماء ثم إلقائها مقلوبة إلى الأرض ليهلك من كان فيها جميعا بعد إخراج لوط عليه السلام ومن كان معه منها[3].
2- السنن الجارية: وهي تلك السنن التي تحكم نظام الدنيا ونراها منتشرة في الكون، وفي الحياة، وفي سلوك الإنسان على السواء. وحسب التعريف نوعان:
– سنن عامة: متعلقة بالكون ومكوناته، بها تدور الكواكب في مداراتها لا تتخلف عن دورانها، ولا يقع بينها التصادم أثناء حركتها، ولا يخرج الواحد منها عن مداره، ولهذه الكواكب وظائفها وآثارها، كل في حدود ما خلق من أجله.
وفي الكون المادي على كوكب الأرض ألوان وأصناف من القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية بحيث لا تشذ ظاهرة عن القانون الذي يحكمها، وقل مثل ذلك في القوانين التي تحكم ظواهرها في الأحياء من إنسان وحيوان ونبات. غير أنه ما يميز هذه السنن العامة أن الخضوع لها يتم قصرا وقهرا من غير أن يكون لظاهرة من الظواهر الكونية شعور بالإرادة أو إحساس بالحرية. ولذلك فهي تشمل من الكون على الجانب الغير المكلف. ويندرج تحت هذا الجانب ما كان قدريا في الإنسان من ولادة وموت وحياة وأوصاف خلقية وحالات فطرية.
– سنن خاصة: متعلقة بالإنسان باعتباره مكلفا، وجودها لضبط سلوكه الصادر عنه باختياره، وهذه السنن يشعر الإنسان معها بالحرية والإرادة، والقدرة على الإحجام والإقدام، والفعل والترك، وفي نفس الوقت يتحمل معها كامل المسؤولية في ما يترتب عن هذا الإحجام أو الإقدام، والفعل أو الترك من نتائج.
ويدخل في نطاق هذا النوع من السنن ما يمكن أن نسميه “السنن الاجتماعية”، و”السنن التاريخية”، و”السنن النفسية”، و”السنن الأخلاقية”، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم[4].
خصائصها
هذه السنن الإلهية كلها تتسم بخصائص مهمة منها:
1- أنها ثابتة لا تتغير وقد جاءت آيات صريحة في هذا المعنى، قال الله تعالى: [سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا] (الأحزاب:62). وقال أيضا: [فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا] (فاطر:43).
2- أنها مطردة لا تتخلف، وما قص الله تعالى علينا قصص الأمم السابقة إلا لنتعظ ونعتبر حتى لا يصيبنا ما أصابهم، جرّاء ما اقترفوه من مخالفات. يقول الله تعالى: [قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين] (آل عمران:137-138).
3- أنها عامة تسري على الجميع من دون محاباة أو تمييز، فهي لا تقتصر على فرد دون فرد، ولا قوم دون قوم، يقول الله تعالى: [ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يُجْز به] (النساء:123). لقد كان اليهود والنصارى يقولون: [نحن أبناء الله وأحباؤه] (المائدة:18)، فرد الله عليهم بقوله: [قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء]. وكانوا يقولون أيضا: [لن تمسنا النارُ إلا أياما معدودة] (البقرة:80). فجاءهم الرد من الله تعالى: [قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون] (البقرة:80-82).
وعندما نقول إن هذه السنن تتسم بخصائص الثبات والاطراد والعموم فهذا لا يعني الحتمية الكاملة، وإنما كل ذلك تحت تصرف الله تعالى إن شاء أثبت هذه السنن، وإن شاء خرقها.
أنواعهـــــــــــا
وهي سنن كثيرة ذكرها القرآن الكريم لا نستطيع الإحاطة بها كلها، نذكر منها:
سنة الله في التغيير، سنة الله في التدافع، سنة الله في تداول الأيام، سنة الله في النصر والتمكين، سنة الله في هلاك الظالمين، سنة الله في الأسباب والمسببات، سنة الله في الاستدراج، سنة الله في الابتلاء، سنة الله في الهدى والضلال، سنة الله في الاختلاف والمختلفين، سنة الله في المكر والماكرين، سنة الله في طلب الدنيا والآخرة، سنة الله في…
بهذا الصدد نقف عند بعض هذه السنن الإلهية لنرى كيف تفعل فعلها في هذا العالم الهائج المائج بالأحداث حتى ندرك حقيقة الصراع فيه، ونتائج هذا الصراع، وأهم الأسباب المتحكمة فيه.
1- سنة الصراع بين الحق والباطل: وردت فيها آيات كثيرة تُبين أن هذا الكون قائم منذ بدايته إلى نهايته على الصراع بين الحق والباطل، وتُبين كذلك أن هذه السنة جارية على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وأنه إن كان للباطل جولة ودولة، فإن للحق دولة باقية وجولة دائمة إلى قيام الساعة.
ومن الآيات التي تقرر هذه الحقائق:
قوله تعالى: [ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون] (الأنفال:7-8). وقوله تعالى: [وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون] (الأنبياء:16-18). وقوله تعالى: [وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا] (الإسراء:81).
يتبين من خلال هذه الحقائق التي قررتها هذه الآيات أن نتيجة الصراع بين الحق والباطل محسومة في النهاية لصالح الحق وأهله. لأن الباطل ضعيف وإن بدا وظهر، والحق قوي وإن اختفى وضمر. وقد جاء أصدق تمثيل لهذه الحقيقة في قوله تعالى: [قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يُوقِدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال] (الرعد:16-17).
اشتملت هذه الآيات على مثلين رائعين لثبات الحق وبقائه، وزوال الباطل وفنائه وهما:
الأول: مثل الماء أنزله الله تعالى من السماء إلى الأرض (فسالت أودية بقدرها) الكبير بكبره والصغير بصغره، (فاحتمل السيل زبدا رابيا) عاليا فوق الماء، فالحق هو الماء في تدفقه وجريانه واستمراره وانتفاع المخلوقات به، والباطل هو الزبد الذي يعلو الماء يختفي بسرعة مع الرياح والحرارة ولا ينتفع أي مخلوق به.
الثاني: مثل الذهب والفضة أو غيرهما يوقد الناس عليهما النار لاستخراج منهما الحلي والمتاع، فالحق هو الذهب والفضة في نقائهما وصفائهما يبقيان لينتفع بهما الناسُ في التزيين وغيره، أما الباطل فهو ما كان يعلوهما من زبد ولهيب نار يضيع مع الرياح ولا يفيد في شيء.
2- سنة تداول الأيام: من الأمور التي قام عليها نظام الحياة أن دوام الحال من المحال، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون من السنن التي تحكم حياة الأمم والأفراد سنة التداول. سنة يرفع الله فيها أقواما ويضع آخرين، ويمحو أقواما ويأتي بآخرين، لحكمة يريدها سبحانه من خلقه، وهي تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين. يقول الله عز وجل: [إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثلُه، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين] (آل عمران:140-141).
تقرر هذه السنة أنه وإن أصاب المؤمنين قرح وألم وأذى فإن الظالمين قد أصابهم قرح وألم وأذى كذلك، إن كان هذه المرة الدولة والغلبة للظالمين يؤذون المؤمنين ويعذبونهم ويقتلونهم، فإنما ذلك ليعلم الله المؤمنين الصادقين من المنافقين الكاذبين، وكذلك ليتخذ الله من المؤمنين شهداء يُزفون إلى الجنة في دار الآخرة. وغلبة الظالمين لا يعني أبدا أن الله يحبهم بل يبغضهم وسينتقم منهم ويمحقهم بعد تمحيص المؤمنين. وقد جاء في الأثر: “الظالم سوط الله في أرضه ينتقم به، ثم ينتقم منه”.
3- سنة التدافع: ويكون التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، أي بين المؤمنين وغيرهم، وهذا التدافع سنة حتمية قام عليها هذا الكون أيضا، وبدونها يتعرض للفساد. يقول الله عز وجل: [ولولا دفاعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين] (البقرة:251). أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل والفساد بأهل الحق والإصلاح لغلب أهل الباطل والفساد فتفسد الأرض بفسادهم. وهذا الدفع فضل من الله على عباده ورحمة. ذلك أنه أذن لأهل الحق القائمين منهم والمصلحين في الأرض بل أمرهم بمقاومة أهل الباطل المفسدين حتى يسود في الأرض العدل الذي من أجل إقامته أُنزلت الكتب وأُرسل الرسل عليهم السلام.
اليوم إذا عُطّلت هذه السُنّة، وركب الجميع في هذه السفينة الفاسدة والمفسدة، وإذا لم يأخذ أهل الحق على أيدي أهل الباطل، كيف ستكون النتيجة؟ الغرق لا قدر الله. فمن فضل الله في هذا الزمان الذي بلغ فيه الباطل ذروته، والفساد قمته، والاستبداد عُلوّه، أن يوجد من يقول بصوت عال: لا للفساد، لا للظلم، لا للاستبداد. ولدفع الباطل وأهله من المستبدين والمفسدين، وإحقاق الحق وانتصار أهله من المؤمنين، شرع الله جملة من الوسائل والأساليب منها:
1- الدعوة إلى الحق: وذلك لتوسيع دائرته والتقليص من دائرة الباطل، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] (النحل:125)، [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت:46).
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يقول الله تعالى: [ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر] (آل عمران:104). والمعروف هو الحق، والمنكر هو الباطل. واليوم بخروج الشعوب عن صمتها، وسلوكها أسلوب المجاهرة بمطالبها لم يبق هناك مبرر لدى من يكتفي الإنكار بالقلب بعد أن فتح الله له باب الإنكار باللسان. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”[5].
3- الجهاد: يقول الله عز وجل: [أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفاعُ اللهِ الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامعُ وبِيع وصلوات ومساجدُ يُذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز] (الحج:39-40). والجهاد لا يعني بالضرورة القتال، بل له أبواب من جهاد للنفس وجهاد بالكلمة، وجهاد بالقلم، وجهاد سياسي، وغيره.
وهذه الوسائل لا يستطيع أن يقوم بها فرد واحد، بل لا بد من قوة جماعية ومنظمة ومتماسكة، ذلك أن الباطل ليس مجرد أفراد، بل واقع تجسد في أجهزة ومؤسسات.
الوضع الآن أشد قلبا للحقائق، وأهل الحق لا يسمح لهم بالوجود إلا إذا أعطوا الولاء غير المشروط للباطل. المطلوب إرجاع الوضع إلى نصابه الإسلامي، وإخضاع الواقع الثقيل لعمليات التغيير اللازمة حتى تدور حياة المجتمع حول القرآن. الحق على الهامش والمطلوب إدخاله مرة أخرى إلى مكان الصدارة وإثباته في منصة السيادة. عامة المسلمين جاهلون بما هو الحق وما هو الباطل والمطلوب أن يعرف الناس الحق وأهله ويقبلوا به وينضموا تحت لوائه.
في معرض استخلاص العبرة من سنن الله في الكون ينبغي مع توقع المدد الإلهي الخاص أن نتزود بالصبر، ونُعوّل على المطاولة.
خــاتمـــــــة:
من خلال كل ما سبق يمكن الوقوف على جملة من الخلاصات، نختصرها في مايلي:
الخلاصة الأولى: أن سنة الصراع بين الحق والباطل سنة كونية ينصر الله بها الحق وأهله، ويهزم بها الباطل وأهله، سنة تبعث الأمل في نفوس أهل الحق المؤمنين حتى لا ييأسوا من تأخير النصر، وتُثبّتُ قلوبهم حتى لا يُفتتنوا بغلبة أهل الباطل عليهم فيستسلموا.
الخلاصة الثانية: إذا كانت سنة الصراع بين الحق والباطل مرتبطة بالنتيجة أنها محسومة للحق وأهله بالانتصار والتمكين والنصر، فإن سنة التداول مرتبطة بحال الأمم والأفراد بأنه لا يدوم وإنما يتغير ويخضع للتداول. وهذه بشارة للمؤمنين بأن حال الظالمين اليوم لا يدوم طال الزمان أو قصر، فلا بد أن تدور الدائرة للمؤمنين فتكون لهم الغلبة والتمكين.
الخلاصة الثالثة: إذا كانت سنة الله في الصراع بين الحق والباطل تقتضي انتصار الحق وانهزام الباطل، وأن سنة الله في تداول الأيام تقتضي عدم دوام الغلبة لأهل الباطل، فإن سنة الله في التدافع تقتضي أن يدفع اللهُ الباطل بأهل الحق المؤمنين وذلك باتخاذ الأسباب التي شرع لهم.
[1]– عبد الكريم زيدان، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، ص:4-5.
[2]– مجدي محمد محمد عاشور، السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم: أصول وضوابط، ص:38-39.
[3]– طه الدسوقي، الهجرة بين سنن الله الجارية والخارقة، ص:19.
[4] – مجدي محمد محمد عاشور، السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم، ص: 37.
[5]– رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.