منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قصة وجع

قصة وجع/ نادية بلغازي

0

قصة وجع
بقلم: نادية بلغازي

لقيتها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها أثوابها رثة والرجل حافية والدمع تذرفه في الخد عيناها تذكرت بمرارة هذين البيتين للشاعر العراقي معروف الرصافي وأنا أنصت لامرأة التقيتها ليومين مضيا مع بناتها في إحدى القرى؛ أرملة وأم لسبعة من الشباب والشابات؛ جسدها منهك بمرض السكري وارتفاع الكولسترول مع تعب في القلب، ونفسها أثقلتها هموم المعاش؛ لا دخل قار لها، تنتظر محصول أرض لا تملكها، وتعتمد على زراعة بورية ترتهن لنزول الغيث من السماء قد يضن وقد يأتي رخاء.

حكت لي رحلتها مع المستشفى العمومي وحاجتها الشهرية لأدوية من الصيدلية تتجاوز الثلاثمائة درهما، وطبيبة لا تجد وقتا لملء ورقة التطبيب كي تسترجع جزءا من حقها الذي قد يسهم في إعانتها على شراء أدوية الشهر الموالي. تفوت الآجال، وتُرفض الفواتير بحجة التقادم، فتتحرك العجوز بين شبابيك المستوصف محرومة من أبسط ما تتيحه قوانين التغطية الصحية الهشة.

حديثها كان نزيفا متصلا ووجعا تنطق به ملامح وجه أنهكته أشعة الشمس الحارقة وآثار الفاقة والعوز، سوء وضع مادي لامرأة سبعينية لا يضمن لها الوطن الغالي تطبيبا لائقا في مراكز صحية تحفظ كرامتها، بل يفرض فيه على الفقير أن يتسول ثمن الدواء إذا فقد في صيدلية المركز وهذا ما يحدث كثيرا، أو تعنت القائم عليه عن إعطائه، فيضطر لحرمان نفسه وأهله من أساسيات العيش ليفي بثمن علبة دواء.

متى تصير العدالة أساسا يضمن حقوق المواطنين، ويرقى التطبيب الى مستوى إسعاف يصون آدمية الانسان؟

ألزمني وضع المرأة المسكينة بهذا البيان الأخلاقي، لأن التمويه في موطن البيان أو التزام الصمت خذلان ومشاركة في استمرار الألم.

لم تطلب المستحيل، ومثلها كثير، هي أمور صغيرة، لكنها حاسمة؛ ورقة تطبيب تملأ في وقتها، ملف لا يرد بالتقادم إذا كان الحق ثابتا، دواء لا يتأخر حتى لا تتأخر الحياة، وعدالة اجتماعية تصون كرامة المواطن، ومنظومة ترى في المواطن إنسانا قبل أن تراه رقما، وفي الكرامة واجبا قبل أن تعتبرها شعارا.
وكما على لسان الرصافي مرة أخرى:

هذه حكاية حال جئت أذكرها وليس يخفي على الأحرار مغزاها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.