بيان الحقيقة لإرشاد الخليقة
بقلم: د. البشير قصري
قد يسمع الإنسان كلمة، أو يلقى رجلا، يحضر مجلسا، يعيش أحداثا، يهجم عليه عسر وضيق أو تنزل به نكبة وشدة، يخلو بنفسه في لحظة صدق مع النفس، فتمر عليه فكرة توبة، وتعتريه رغبة في أوبة، فيعتقله شيطان الهوى، ويصده مانع شبهة أو جارف شهوة، فيعود إلى الإدبار بعد الإقبال، والغفلة بعد الذكرى، والتردد بعد العزم، والغي بعد الرشد، لذلك يتعين استحضار جملة من الحقائق تفاديا للنكسة الإيمانية، والكبوة الأخلاقية، والفتور التربوي، وقد خصها العلماء بالكثير من جليل التأليف، فانتقيت من ذاك عشرة، تصرفتُ فيها تهذيبا وتنقيحا وتوضيحا، وقدمتها مختصرة معتصرة، لعل الله تعالى ينفع بها سالكي سبيل الخيار البررة.
- 1- أول خطوة نحو الله مكلفة، فقد تلازمها معانات نفسية واجتماعية، تتمثل في شيطنة رفاق، ومقاومة هوى، وتصلب عادات، لذلك لا مفر من التسلح بالصبر.
- 2- إن الإسلام بالميلاد والمواطنة والمظهر لا يعفينا من الفروض الإسلامية وتأديتها على الوجه الأكمل، لذا ينبغي العمل على توثيق الإخاء وتصحيح الانتماء.
- 3- مدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبل الله، (وهو القرآن الكريم كما جاء في الحديث الشريف)، فالاعتصام بالقرآن يعصمك من الضلالة، فيمنحك هداية الطريق، “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” والاعتصام بالله يعصم من الهلكة، فيضمن لك السلامة في الطريق، فالأول دليل، والثاني عدة وزاد وقوة، “والله يعصمك من الناس”.
- 4- هناك فرق شاسع بين التسكع على الطريق والسير في الطريق، فالطريق ملأى بالمتسكعين، والقليل القليل من يخطو بجد وعزم في الاتجاه الصحيح، الركب كثير، والحج قليل.
- 5- إن خلاص أرواحنا من عذاب جهنم رهين بالتزامنا الصادق بواجبات الإسلام، فمن أحسن الظن أحسن العمل، نعم، قد لا يستطيع المؤمن أن يأتي بالخير في بعض أحواله وأحيانه، ولكنه يستطيع دائما أن ينويه، ويرغب فيه ويعزم عليه، وهذا هو الأساس في علم الأخلاق، فما دمت تنوي الخير فأنت بخير.
- 6- يجب أن نقتلع أنفسنا من مستعجلات الحياة الزائفة، ونخصص الوقت اللازم لتعميق أفكارنا وعواطفنا، وإلزام عقولنا بالتساؤل الملح الجدي عن مصيرنا: إلى أين نمضي؟
- 7- جمهور من الناس اليوم يعانون من أثر “لقاح” ضد الموعظة والنصيحة والتذكير بالآخرة، بدعوى العقلانية والعلمية والحداثة والعصرنة، فقست القلوب، وضاقت الصدور، ومنهم من ينتسب للعلم والدعوة، ويدعو إلى الإصلاح والتغيير، نسوا أو تناسوا أن القرآن موعظة، والسنة النبوية تذكرة وذكرى، والدين النصيحة، ونسيان يوم الحساب مدخل إلى كل الآثام، وباب إلى الظلم والخراب.
- 8- القلوب في ثورة مستمرة وحراك دائم، رافعة شعار: “القلوب تريد إسقاط الهم، والفوضى، والخوف والحزن..” وتطالب بإنهاء احتلال الأصنام لموضع نظر الرحمان، فالخطأ كل الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.
- 9- وهذه الحقيقة التاسعة أنقلها شعرا، وإن من الشعر لحكمة.
عجبت لذي لعب قد لها عجبت ومالي لا أعجب
أيلهو ويلعب من نفسـه تموت وشبابه يذهــــب
أيلهو ويلعب من دينــه يمحى وماله يسلـــــــب
أيلهو من عرضه يهتك عجبت ومالي لا أعجب
.
- وأقدم هذه الحقيقة العاشرة على شكل قصة، وفي قصصهم عبرة، يقول إبراهيم ابن أدهم رحمه الله تعالى: كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملوك خراسان، وكان من المياسر، وحبّب إلينا الصيد، فخرجت راكبا فرسي، وكلبي معي، فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب فحركت فرسي، فسمعت نداء من ورائي: “ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت“، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، فأعيد النداء للمرة الثانية والثالثة، فقلت: أنبهت، أنبهت جاءني نذير من رب العالمين، والله لا عصيت الله بعد يوم ذا ما عصمني ربي.