منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمانة التبليغ؛ الخطبة (9): “العقل السليم في القلب السليم”

الدكتور أحمد الزقاقي

0

أمانة التبليغ؛
الخطبة (9): “العقل السليم في القلب السليم”

الدكتور أحمد الزقاقي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات :

إن الله تعالى قد بين المقصد من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴾ فجعل مدار رسالته على تحقيق الطهارة الحسية والطهارة المعنوية، والرسالة كما قيل هي روح العالم، ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة، وخاطب سبحانه الإنسان بهذه الرسالة بعد أن أمدَّه بوسائل التلقي والمعرفة:﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، ودعاه للانتفاع بهذه الوسائل وحسن استخدامها وتفعيلها، وحذره هو وبني جنسه إن لم يفعلوا أن يكونوا من جملة البهائم السائمة : ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡغَـٰفِلُونَ﴾، ويكون المانع من الفعل هو الأمراض التي تصيب القلوب فتغشي العقل وتطمس الفطرة ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِی فِی ٱلصُّدُورِ﴾، ولذلك أعطى الإسلام الأولوية القصوى لإصلاح القلوب، فأي انحراف فمبدأه انحراف يقع في القلب، ومشاعر  الغضب والكراهية والبغضاء والتعصب والحسد والطمع والحرص محلها القلب، تترجم عن تلك المشاعر مسلكيات الفساد والاستبداد والظلم والتعدي على الأعراض والأموال والحقوق، وينخرط العقل قبل ذلك وأثناءه وبعده في التماس المعاذير، وسوق التبريرات، ورسم المخططات التي توافق تلك المشاعر،  ولذلك فالتعقل في القرآن الكريم هو فعل حاسة هي القلب بدليل قوله سبحانه: ﴿ أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ﴾،  أهمية القلب هذه أبرزها وبينها رسول الله  صلى الله عليه وسلم عندما قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”، فالقلب هو رئيس دولة الجسد تأتمر بأمره الجوارح كلها، وتضطرب أحوال الدولة إذا كان الرئيس فاسدا ومفسدا، وكذلك القلب إذا كان فاسدا تضطرب أحوال المؤمن، ويتفرق شمله، ويتشتت على سطح الأحداث، ولا يعرف وجهته، ولا يحدد مقصده وغايته، ولو ألقينا نظرة على كتاب ربنا وسنة نبينا لألفيناهما يُحدِّثانِنا عن أنواع من القلوب، وأصناف من أحوال وأمراض القلوب:

  • فثمة قلوب يورثها ذكر الله السكينة والاطمئنان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ،﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ﴾ ،
  • وقلوب تستشعر عظمة الله، وتعظم شعائر الله، فتُرزقَ التقوى ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
  • وقلوب ثابتة صامده قوية أمام جاذبية المال والسلطة ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
  • وقلوب قاسية فاقت قساوة الحجارة، ذكرت الآية مثالا لأصحاب هذه القلوب وهم ال*ي*هود الذين ناصبوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -ودعوته العداء، ورأينا مصاديق تلك القساوة القلبية في الأعمال التي يقوم بها كيان الشر المطلق “إس*رائ*يل” ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
  • وقلوب مطبوع ومختوم عليها لكثرة معاصيها فلا تنتفع بتذكرة ولا بنصيحة ولا بموعظة، بل قد تصاب بالنفاق والانتكاس والارتكاس فترى المعروف منكرا والمنكر معروفا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، ﴿ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضࣲۚ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَقۡبِضُونَ أَیۡدِیَهُمۡۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِیَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾، وذلك الارتكاس يأتي على نحو متدرج، قَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوز مُجَخياً لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ).
  • وقلوب متشابهة وتصدر عنها أعمال متشابهة، فينشأ تحالف للقلوب، وتتحالف القلوب المظلمة لتناصر الظلم والعدوان والطغيان، وهذا وجه من وجوه فهم المساندة الغربية لحرب الإبادة ضد إخوتنا الف*لس*طي*نيين ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾، وبالمقابل أنتج تأليف الله تعالى بين قلوب المؤمنين تحالفا آخر أساسه وبرنامجه التعاون على البر والتقوى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
  • وقلوب زائغة ، عن الحق مائلة، تحارب الدين بالدين، والقرآن بالقرآن، ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة ﴾ فأصحاب هذه القلوب الزائغة زعموا أن الصلاة المذكورة في القرآن الكريم هي غير الصلاة التي نعرف، والصيام كذلك والجهاد والحجاب والزكاة والحج، يحرفون الكلم عن مواضعه، وزيادة في الغي يسمون أنفسهم “القرآنيين”، ولهذا علمنا ربنا أن ندعوه فنقول:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ .
  • وقلوب رقيقة، لينة ورحيمة ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَـٰبࣰا مُّتَشَـٰبِهࣰا مَّثَانِیَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِینُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَ ا⁠لِكَ هُدَى ٱللَّهِ یَهۡدِی بِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾ وبتلك الرقة والرحمة يفيض خيرها على غيرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ )
  • وقلوب ترزق الهداية فتصير فرقانا بين الحق والباطل، عَنْ علي رضي الله عنه قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ ؟ فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ ). قَالَ : فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا. أَوْ : مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ”.
  • وقلوب عارفة خبيرة لا تتورط في تحريف أو انحراف، تتغذى بصائرها وعقولها بحقائق القرآن، عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تَعْرِفُهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَلِينُ لَهُ أَشْعَارُكُمْ، وأبشاركم وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ قَرِيبٌ، فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ، وَإِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَنْفِرُ أَشْعَارُكُمْ، وَأَبْشَارُكُمْ، وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ، فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ )
  • وقلوب سليمة لا تعرف شحناء ولا بغضاء ولا حقد ولا حسد، فقال سبحانه: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾، ونسوق هنا كلاما نفيسا لابن القيم رحمه الله عن ماهية سلامة القلب وشروط تحصيلها ،قال:” القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرئاسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله، ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحدة منها أنواع كثيرة، تتضمن أفرادا لا تنحصر، ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته، إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها”
  • وقلوب شيطانية توحي إلى أوليائها زخرف القول غرورا، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلوب في سياق تحذيره من الحكام الظالمين، والأئمة المُضِلِّين، أي من العلماء والأمراء، السلطة السياسية والسلطة العلمية، قَالَ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ: ” نَعَمْ “. قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قَالَ: ” نَعَمْ “. قُلْتُ : فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : ” نَعَمْ “. قُلْتُ: كَيْفَ ؟ قَالَ: ” يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ “.

فاللهم جنبنا الضلال، ولا تخالف بنا عن سبل الهداية والفلاح، يا كريم يا فتاح، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام علة نبيه وعبده، سينا محمد وآله وصحبه

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

إن القلب هو محل نظر الله عز وجل، لذلك وجب وتعين الاهتمام بإصلاحه، لتصلح أعمالنا، وتسعد حياتنا، ويتنور عقلنا وفكرنا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )، فمنبع الإيمان هو القلب، وهذا الإيمان إذا لم يُجدَّد يعتريه الصدأ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إنَّ القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ وجلاؤُها الاستغفارُ”، وقال أيضا:” إن الإيمان ليَخْلُقُ في جوف أحدكم كما يخلُقُ الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”، فالثوب يكون جديدا فيصير باليا رثا، قذرا، ملوثا، ممزقا، وكذلك الإيمان يكون في القلب جديدا ثم يبلى ويخلق حتى يصير القلب مسودا مظلما ،حتى تخرج منه معاني الاستقامة ومعاني الدين ومعاني الإيمان. هذا ما يحدُثُ بالأفراد، وعندما يَنْسحب الإيمان من قلوب الأفراد يَنسحب الإيمان والإسلام والدين من واقع المسلمين، وتسود المظاهر والأشكال، ويقول الناس ما لا يفعلون، ولا يمكن أن يتجدد للمسلمين دين ولا أن تستجد لهم عزة وقوة ومنعة بعد ذل واستضعاف، إن لم يبدأ البناء من القلوب. معنى هذا أن تجديد الإسلام ينبغي أن يبدأ من التربية والتزكية اللذين ينبغي أن ينصبا على تطهير القلوب، وعلى تزكية النفوس، وهذه هي الحقيقة التي غفل عنها المسلمون، واشتغلوا بفروع فقهية، أو فروع سياسية، أو فروع حركية، أو فروع خلافية فأضاعوا وضيعوا.

عباد الله: إذا فسد القلب فسدت معه أدوات العمل التي يحتويها الجسم، فسد معه العقل،

وفسد ت معه عمل الجوارح، ويفسد معه الشخص كله، والقلب تطرأ عليه حالات غفلة عن الله عز وجل، تطرأ عليه المعاصي، تطرأ عليه الانحرافات فتتراكم عليه حتى يصبح الإيمان باليا، رثا ممزقة معانيه، المعاصي تستدرك بالتوبة، يستغفر الله ويتوب إليه، ويقدم برهان صدقه في توبته بالعمل الصالح:﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ﴾، فطريق الهداية مسدود على من لا يعمل صالحا، والأعمال الصالحة يبدأها المؤمن بتشييد بناء إسلامه بأركانه الخمسة: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، ثم يقوي بناءه ويزينه بأركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره ليبرأ من أمراض النفاق، لأن الإسلام يتناول الأعمال الظاهرة، فقد يدعيه المنافق، أما الإيمان فمحله القلب، ولا مكان للمنافق فيه لأنه أخل بأهم شرط في قبول الأعمال وهو الإخلاص:﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾، والمؤمن العامل المخلص تحصل له الاستقامة فتستقيم جوارحه، وتحسن أخلاقه، قال عليه الصلاة والسلام:” لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”، وبدون هذه الاستقامة تنتشر السطحية في التفكير ، والعجلة في التقدير، وما أروع ما قاله حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعليقا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ): ” ها أنت أيها العبد أمام ربك عز وجل الذي ينظر إلى قلبك في كل لحظة ويحذرك، والله يعلم ما في قلوبكم: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، فيا عجبا ممن ينظر إلى وجهه الذي هو موضع نظر الخلق فيغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ويزينه بما أمكنه لئلا يطلع مخلوق فيه على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين فيطهره ويزينه كي لا يطلع الرب جل جلاله على دَنَسٍ وشَيْنٍ وآفة وعيب، بل يهمله بفضائحَ وأقذارٍ وقبائحَ، لو اطلع الخلق على واحد منها لهجروه وتبرأوا منه وطردوه! والله المستعان”.

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

إن أداء الفرائض، والتقرب إلى الله بالنوافل، والتحلي بمحاسن الأخلاق وجميل الصفات، كل ذلك يصلح القلوب التي تعتريها الغفلة إن لم يلزم المؤمن والمؤمنة ذكر الله تعالى،  فبه نتذكر خالقنا وأصلنا ووظيفتنا ومهمتنا وغايتنا، ويتجدد الفهم في عقولنا والإيمان في قلوبنا، وننتفع بعباداتنا، وتستقيم معاملاتنا، وتتضح لنا الرؤية، وينضبط التصور، ونواجه الابتلاءات والإغراءات بالصبر والتحمل والعلم والحلم، ونأمن تسلط شياطين الإنس والجن علينا بمقذوفات الوساوس، وراجمات الأفكار السيئة والعوجاء، ومن ثم نسعد في حياتنا، وننال رضا الله سبحانه في هذه الحياة الأولى لنفوز في الحياة الثانية.

جعلنا الله وإياكم من عباده الفائزين المفلحين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم طهر قلوبنا من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وارزقنا علما نافعا، وقلبا خاشعا، وانصر عبادك المستضعفين، وسلط سيف انتقامك على الطغاة المعتدين،آمين والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.