منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اِنْــتِــصــارٌ صَــغــيــرٌ (قصّة قصيرة)

اِنْــتِــصــارٌ صَــغــيــرٌ   (قصّة قصيرة)/ عبد الهادي المهادي

0

اِنْــتِــصــارٌ صَــغــيــرٌ   (قصّة قصيرة)

بقلم: عبد الهادي المهادي

 

عند منتصف الليل غادر إدريس السينما وهو غارق في أحاسيس الحبّ والبطولة بعد أن شاهد، للمرّة الثالثة، الفيلم الهندي “ديسكو دانسر”، نزل الدّرج بتثاقل وعيناه شبه ناعستين، كانت ألحان الفيلم تتردّد في رأسه وتدغدغ أذنيه؛ الكثير من أصدقائه في الحيّ يتهمونه بأنّه رومانسي وعاطفي، وأحكام هؤلاء نادرا ما تُخطئ في مثل هذه الأمور، حتى إنهم حينما يطلقون على أحد لقبا ما فإنّه لا يُخطئه، ويأتي على مقاسه تماما.

كانت السماء تمطر بغزارة، والرّيح تعوي باردة بين الأشجار القديمة المغروسة على جنبات شارع فاس. ثبّتَ الطربوش الصوفي على رأسه، وأحكم الـبَـشْـنُـوقَـة على عنقه، ثمّ أسرع نحو سيارة الأجرة التي كانت تنتظر رواد السينما.

انحشر الرّكاب بسرعة في حيّز ضّيق لا يُحْمَدُ سوى في مثل هذه الأجواء، شغّل السائق المُحرّك بهدوءِ رجل ستّيني والتفت خلفه يتأكّد من إغلاق الأبواب. كان الباب الذي يوجد جهة إدريس لا يزال مواربا في انتظار أن يعدّل الجميع جلستهم. فجأة شُرّعَ الباب، وارتمى شاب إلى جانبه، جلس بإحدى رجليه على فخذ إدريس، كان يُطالب بمكان داخل سيارةٍ استوفت عدد ركّابها. كان قويّا، والشّر يُغرق عينه، وقد بَصمَ الجرح الطويل الذي ينطلق من أذنه إلى زاوية فمه على أنّه من جملة “الـشْـبِـيـرَاتْ”، بدا للجميع أنّه “حـكّار” حقيقي.

السائق المسكين اندهش، ولم يكن أمامه شيء ليفعلَه. قال بعد صمتِ مَنْ يطلب السّلامة: أوليداتي الطوموبيل كـتْـهُـزْ ستّه… تفاهموا وخلّـوْنا نَـمْـشِـوْ فحالنا.

استوى “الـشْـبيرة” في وقفته خارج السيارة، ثمّ أمسك بطرفيْ أصبعيْهِ معطف إدريس من جهة الكتف، ورفعه بهدوء وهو يقول بعد أن عَـكّـرَ سحنته: خْـروجْ أصاحبي خْـروجْ !

ركبَ الجنُّ إدريسَ حتى أحسّ بقرب انفجار الدّم في وجهه، ولكنّه بدوره آثر السّلامة، وفضّل أن يخرج وينتظر سيارة أخرى على الدخول معه في شجار لا يضمن نوعية نهايته.

أسرع الشّاب في الجلوس، ثمّ رفع رأسه إلى إدريس فوجده ينظر إليه في غضب. أطلق أصبعين مفتوحين في اتجاه وجهه وقال بتشنّج بغيض: هَـبّطْ عَـيْـنْـكْ عَـنْـدْكْ نْعَـوَّرْ الدّينْ… !

هذه المرّة ركبَ إدريسَ عَزازيلُ شخصيّا؛ وفي لحظةٍ أسرع من الضوء عادت إليه شيطناته القديمة التي اشتهر بها زمن مراهقته في الحيّ؛ انتبه إلى أنّ إحدى رجليْ الشّاب ما تزال خارج السّيارة، أمسك بالباب، وبكلّ حقد الدّنيا أغلقها عليه.

كانت الضربة قوية جدا، انطلقتْ على إثرها نَهْقَةٌ كريهةٌ من فمه، وانحنى على رجله يمسك بها. قبض إدريسُ على شعر الشّاب بأصابع فولاذيّة ثمّ جرجره أرضا، وبكلّ الغلّ الذي اجتمع في صدره منذ أن “تُاب” وتخلّى عن تلك الشيطنات بدأ يركله دون أن يتحقق من مكان ضرباته. انفجر الدّم من وجه الشّاب ورأسه حتى سال على الأرض واختلط بماء المطر.

أسرع الّركاب في الخروج محاولين إثناء إدريس عن التّوقف عن هياجه، ولكنّه عاجلهم بالصراخ: لا يقترب أحد، الـرّْبـاعَـة د الكُـبَارْدْيّـه ؛ كلّكم كنتم ساكتين حين أهانني، والآن تتشفّعون فيه. خنس الجميع، ولم يشكّ إدريس أنهم رأوا شيطانا حقيقيا أمامهم!

وحينما أحسّ بأنّه أشبع كرامته انتصارا، ابتعد عنه، وعدّل من هيأته، نظر مليّا إلى “الشّبيرة”، بصق عليه، ثمّ التفتَ وانحدر مشيا على الأقدام في اتجاه منزله البعيد.

كانت السّماء ترسل عليه، بين الفينة والأخرى، زخّات مطريّة فرحةً به وبعنفوانه، بينما تحوّل عواء الرّيح إلى غناء شجيّ لم يتوقّف حتى أوصله مُكرّما إلى عتبة البيت.

كان ممتلئا نشوةً وحبورا ـ كما اعترف فيما بعد لأصدقائه ـ فلو لم يقم بالواجب لظل لأيام طويلة، وربما لسنوات، يلوم نفسه ويحتقرها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.