مـأساةٌ صــغــيــرة (قـصّــــة قـصيـــرة)
بقلم: عبد الهادي المهادي
غادرنا سينما موريطانيا مبتهجين بالفيلم الذي شاهدناه وبنهايته السّعيدة التي كانت تناسب مرحلة مراهقتنا. ابتسمنا جميعا في لحظة واحدة فيما يشبه الاتفاق انتصارا؛ فلم تذهب الدّريهمات التي جمعناها بجهد هدرا. انحدرنا في اتّجاه حي دشار بنديبان، حيث نسكن، ونحن نرفع أصواتنا مُتبارين في رواية بعض المقاطع الأكثر إثارة في الفيلم، بينما تخصّص صديقنا العربي بغناء ما استطاع حفظه من موسيقاه الحالمة.أمّا أصغرنا، فيصل، صاحب الشّعر الحريري، والملقّب بـ”بْـتِـبّـانَة”، فلم يكد يتوقّف عن محاكاة البطل وهو يهجم على أعدائه ـ رجال العصابة ـ بحركاته الرياضية ويقضي عليهم فُرادى وجماعات.
كُنّا أربعة، وأكبرنا، رشيد، هو قائدنا؛ يختار لنا الأفلام التي سنشاهدها، ويقترح علينا كيفية الحصول على تلك الدّريهمات. “الجْـمْـل” هو لقبه، لأنّ قدميه كانتا كبيرتين مقارنة بجسمه، ولكن لا أحد من أطفال الحي كان يتجرّأ على مناداته بها، لقد جرّب أحدهم ذات مرّة فعل ذلك، ولكنّ شجّا كبيرا في رأسه، وقد أهرق الدّم غزيا على وجهه، أسكت الجميع. ومن يومها أصبح مُهابا بيننا، كان ماكرا واسع الحيلة، من أجل ذلك صاحبه الجميع رغم عُنفه.
أمّا العربي فمراهق وُلدَ معاقَ الرّجيلن. فغدا يتحرّك بواسطة عكازين، وفي بعض الأحيان جالسا على كرسي يحرّك عجلتيه بكفّين قويتين. إحساسه بالإعاقة جعل أكبر هاجسه هو نظرة الفتيات إليه؛ كان يخشى أن يقضي عمره دون أن يستطيع الفوز بحبّ إحداهنّ. لم يبح لأحد بهواجسه، ولكنّه كان كتابا مفتوحا أمامنا نقرأ منه دون أي عناء.
في حي كاستيا توقّفنا عند “الـسّـيـرْكو” القائم هناك منذ شهرين، ولكنّنا غادرناه سريعا، فلم يكن في جيوبنا الصغيرة ما يشجّعنا على البقاء. لم نشأ أن نُعرّج على شارع السّلام، قريبا من “ملعب التينيس”، لنتجوّل بين بائعي اللُّعَبِو”الفاكْيْه”، لأنّ المنظر من المؤكّد أنّه كان سيزيد من حُزننا؛ إنّها”أيّام العاشور” الجميلة. حينما عبرنا الطريق كانت الدّرّاجة النّارية الكبيرة قد بدأت بالالتفاف وسط ذلك المخروط الخشبي محدثة دويّا هائلا.تبادلنا النّظرات، ثمّ سرنا في صمت؛ فقد كانت تلك الفقرة أهمّ ما يروق لنا في “السيركو” بعد لُعبة رمي قطعة نقدية من فئة عشرة سنتيمات ومحاولة وضعها فوق دائرة فلّينية حمراء تعوم وسط الماء من أجل الرّبح.
في المدار الواسع، قريبا من مطاحن طنجة، قدمتَ أمامنا مجموعة من الفتيات في مثل عُمرنا، انتبهنا وكأنّ مسّا كهربائيا لامسنا، بدأ الجميعيُعدّل حالته؛ رشيد أخذ يبلّل كفه بالبصاق ثم يرطّب به خصلات شعره، أما مُنشدنا فقد رفع عقيرته بأغنية “فاتت جنبنا”. توقّفنا فيما يشبه الاصطفاف انتظارا لمرورهنّ، ولم نبخل عليهنّ بكلام غزل مما حفظناه من أصدقائنا الكبار أصحاب التّجربة. لم يأبهن لنا؛ لا كلمة ولا التفاتة ولا مجرّد نظرة استهجان.لقد تعوّدنا مثل هذه المعاملة من الفتيات؛ يبدو أنّ هندامنا كان عنوان تعاستنا.
انحدرت الشمس نحو الأفق الغربي عازمة على الرّحيل، مُخلّفة وراءها جوّا صيفيّا حارّا راكدا خانقا. نزعنا أقمصتنا وقصدنا حيّنا عبر “الرّويضة”. ونحن نقطع القنطرة التي تقع فوق النّهر الذي نعرف أنّه يصبّ في البحر قريبا من “مانيبوليون”، أطلقنا سيقاننا للرّيح، لأنّ كلابا ضالّة نبحت علينا قادمة من منحدر “دار الخالية” الخطير.
كان العربي يمشي بيننا بسرعة تتجاوز في بعض الأحيان قدراتنا. فرغم إعاقته كان ينتظم في التّداريب الريّاضية حتى استطاع بناء عضلات قويّة في الجزء الأعلى من جسمه. كان إذا تمكّن من لفّ ذراعيه حول عنق أحد ككمّاشة فإنه أبدا لا يستطيع الخلاص منه. أتذكّر أنّ أحد المُتحدّين فقد وعيه بين يديه، وحين أرسله أسرعنا في جعله يشمّ بصلة قيل لنا بأنّها تُعيد الوعي في مثل هذه الظروف.
قلتُ له مرّة مُخلصا: أ العربي؛ ستقتل أحدا ذات يوم إن أصررت على مثل هذه الحركات… فاحذر! نظر إليّ في استهتار، ولم يقل شيئا؛ كنتُ دونه سنّا، ولا بدّ أنّه استصغرني وأنا أقدّم له النصيحة.
عندما وصلنا “القشلة”، وقفنا للسّلام على أحد أفراد أسرة فيصل، وطالت بنا الوقفة قليلا. وحينما غادَرَنا اكتشفنا أنّ رشيد استفرد بالعربي وصعدا معا في العقبة الصغيرة المقابلة لـ”القشلة” في اتجاه حي الموظفين.كان يُوشوش له بشيء، وحينما أحسّ باقترابنا توقّف عن الكلام. قطعنا ما تبقى من الطريق سريعا، ولفتني أنّ العربي ظلّ صامتا منذ وَشْوَشَةِ رشيد.
وصلنا إلى الحيّ والنّداء بالعشاء يرتفع. تغيّرت أحوال الجوّ فجأة، وهبّت رياح ساخنة من جهة الشّرق محمّلة بالكثير من الغبار والأتربة؛ حيّنا يقع على ربوّة عارية مكشوفة أمام كلّ التّبدّلات الجوّية، تسبق إليه الشمس صباحا، كما لا تغادره مساء حتى تشويه بآخر أشعّتها. وفي كلتا الحالتين يبدو الشروق كما الغروب رائعين من هناك لمن يجد فيهما متعته.
هرع كلّ واحد إلى منزله، بعد أن تواعدنا على اللقاء صباح الغد من أجل مقابلة في كرة القدم في ملعب وسط الحقول والأغراس قريبا من “عزيب الحاج قدّور”.
وكالعادة، واجهني السؤال: أين كنت؟ ولماذا كلّ هذا التّأخّر؟ ثمّ تذكير بأنّه عليّ أن أغسل رجليّ بالصابون قبل أن أدخل الغرفة.
وبينما جلسنا نُشاهد التلفاز انتظاراللعشاء، سمعنا طرقا خفيفا على الباب، قيل لي بأنّ صديقي العربي يطلبني. وللحظة وقفـت حائرا أستفسر سبب هذه العودة.
افترشنا الأرض على عتبة الباب. تردّد صديقي قليلا قبل مفاتحتي في الذي جاء من أجله، ثمّ تشجّع وكأنّه يريد التّخلّص من سرّ يوجعه. كان العربي لا يكاد يُخفي عنّي شيئا. وبدون أية مقدّمات قال:
ـ رشيد أخبرني قبل قليل بأمر غريب. قاطعته قائلا: حينما كنتما في مطلع حي الموظفين، أليس كذلك؟
حرّك رأسه ببطء موافقا، ثمّ ألقى عليّ ما جعلني مبهوتا: ـ قال لي بأنّ سُكينة تُحبّني… وهي مَنْ طلبت منه ـ عبر أخته ـ إخباري!
سيطر الصّمت على الكون حتى كدنا نسمع نبضات عروقنا. انتبهتُ أنّ تلك الرياح قد توقّفت، وأنّ ضوء القمر ما عاد يقدر على مسح وجه الأرض لأنّ سحابة سوداء غطّته بالكامل، وفي سطح منزل مهجور قريب منّا انطلق صوت بومة تُعشّش هناك منذ مدّة، كنّا نسمّيها “وْلْوَالْ”.
قصّ عليّ العربي كلّ ما سمعه من رشيد، ثمّ رحل بعد أن سمع والدتي تنادي عليّ للعشاء، رحل دون أن أستطيع تحديد حقيقة أحاسيسه؛ فقد كانت خليطا حقيقيا بين الحزن والسّعادة.
تناولت عشائي صامتا، هذا الموضوع بلبلني: سكينة تُحبّ العربي، وتبعث مرسولا ليخبره… أمر غريب جدا… كيف يمكن أن يحصل هذا!؟
سُكينة إحدى أجمل فتيات حيّنا وأحسنهنّ أدبا وخلقا. تسكن قُبالة منزل العربي. هي على لسان كلّ شباب الحيّ، دون أن يستطيع أحد الاقتراب منها. النظر إليها، وبشكل خاطف، وحده كان مُتاحا. وأجمل لحظاتنا، ونحن نلعب “الضّامَه” مستظلّين بشجرة وارفة، حين تخرج للنّداء على أخيها الصغير؛ كان صوتها عذبا مُغريا، يشبه تلك الأصوات الأنثوية التي نستمع إليها في الأفلام وهي تُغنّي بغنج.
سكينة التي لا تُرى خارجة وحدها سوى مرّة واحدة حين توجّهها إلى البقال. لقد انقطعت عن الدّراسة، شأن غالبية فتيات حيّنا، بعد أن استكملت المرحلة الابتدائية؛ لأنّ الإعدادية بعيدة عنّا خلف المراعي والأغراس، والطريق إليها خطرة خاصة في المساء.
تطوّرت الأمور بسرعة؛ كبُر الحبّ في قلب العربي وغيّرَه، صار أكثر صمتا، وغناؤه ازداد جمالا. كانت أجمل لحظات عمره ـ كما اعترف لي ـ حين خروج سكينة لكنس باب منزلهم ومحيطها. كان يترصّدها، ويقول بأنّه يستمتع حين تكون على سجيّتها. يؤوّل كل نظراتها وكل حركاتها تأويلا عاطفيا لصالحه حتى غرق تماما في حبّها.
أخذ يرسل لها الهدايا مع رشيد؛ بدأ الأمر بالحلويات والشوكلاط، مع بعض الأعداد من مجلة نسائية يقتنيها رخيصة من عند “المختار”؛ بائع الكتب المستعملة على قارعة الطريق قريبا من “الرويضه”، ولكن رشيد نصحه بأن حاجتها إلى المال قد يكون أكثر من أي شيء آخر، فلم يبخل عليها. وفيما بعد سنكتشف أنّ السرقة من محفظتيْ والديه كانت أهم المصادر التي بواسطتها يقتني تلك الهدايا.
تبادلا الرّسائل و”الكارطبوسطالات” الملوّنة، ولكنّ اللقاء المباشر امتنع؛ فقد كان ذلك من جملة المستحيلات بالنسبة إليها.
شاع الخبر بين شباب الحيّ؛ فقصّة هذا الحب ليس بالشيء الذي يمكن ستره وإخفاؤه. الجميع أبدى صدمته ولم يصدّق أحد في أول الأمر، وحينما كبِرتُ سقطتُ مرّة على رواية اسمها “عرس الزّين”،إنّها تحمل الكثير من نَفَس قصّة صديقنا العربي. انكشفت غيرتنا من العربي، ولكننا جميعا فرحنا له، لأنّنا اعتبرنا سكينة الملاك الذي أرسله الله لصديقنا حتى يطمئنه بأن كلّ شيء ممكن رغم إعاقته.
مرّت بضعة شهور على هذه الحالة، نصفُ عام، اطّلعتُ خلالها على تفاصيل تلك العلاقة؛ قرأتُ الرسائل، وساهمتُ في كتابتها، واخترتُ بعض الهدايا، وفسّرتُ النّظرات والحركات، وخطّطتُ معه لكيفية اللقاء. وذات مساء شتويّ مشهود انقلب الحيّ رأسا على عقب، وانقلبت حياة الكثير من سكّانه، حتّى أنّ الكثير من النّاس هناك بدأوا يؤرّخون به كعادتهم مع الأحداث الاستثنائية.
قدِمتُ على صديقي العربي بعد العصر مباشرة، كانت الرّياح تزمجر بقوّة قادمة من الغرب تُبشّر بليلة شديدة المطر، خرجَ إليّ هذه المرّة على كرسيّه المتحرّك، منذ مدّة لم يركبه، يبدو أنّه كان متعبا يومها. وبينما نحن نستعدّ للنّزول نحو المقهى، حيث ينتظرنا الأصدقاء للعب “البارشي”، إذ بمْجِيدُو، أحد شباب الحيّ، يقترب من العربي، قال بأنّه يريده في موضوع خاص وشخصي، توجّها معا إلى خلف المنزل، وجلستُ أنتظر عودتهما. مرّ وقتٌ أقدّره الآن بحوالي ربع ساعة ليعود مْجيدو وحده، وما كاد يقترب منّي حتى سمعنا صراخا حادّا ينطلق من حيث يوجد العربي. أسرعنا إلى هناك، فلم نجده، وفي أسفل المنحدرغير المبلّط، قريبا من شجرة معمّرة، شاهدنا مجموعة من النّاس متحلّقين، وبعضهم يجري في اتجاهات شتى. هرولنا نحو المشهد، لنجد صديقنا العربي ملقى على الأرض وقد اصطدم بالشجرة حتى انفلق رأسه والدّم يهرق على وجهه وعنقه.
ظلّ فاقدا للوعي أسبوعا كاملا، فرصته في النجاةبدت شبه منعدمة، وفي صباح الجمعة وصلنا نعيه، خرج الحيّ عن بكرة أبيه لتشييع جنازته. كان محبوبا لدى الجميع؛ طيّبا، خدوما رغم إعاقته. وأثناء ذلك سنعرف ـ بعد تدخّل الشرطة ـ أنّ قصّة سكينة وحبّها له لم تكن سوى حكاية اختلقها رشيد ليجني منها بعض المال.
المسكين لم يُطق قوّة الصّدمة، فألقى بنفسه للهلاك. بحثت الشرطة طويلا عن رشيد دون جدوى، وبعد شهر ستصل رسالة منه إلى والديه يخبرهما فيها بأنّه “حْرك” إلى إسبانيا. ومن يومها لم يعد إلى الحيّ، ولم يلتق به أحد في أيّ مكان.
مْجيدو رافقه إحساس بالذّنب، سَكنَه اعتقاد بأنّه السّبب وراء انتحار صديقنا، لأنّه هو من كاشفه بالحقيقة التي ظلت مجهولة لدى الجميع. أمّا سُكينة فقد ارتحلت رفقة أهلها إلى حيّ آخر بعد أن باعوا منزلهم، لقد فهموا أنّ وُجودهم في الحيّ لا شكّ سيذكّر الجميع بقصّة حقيقيّة كانوا يعتقدون أنّ وقائعها موجودة فقط في الأفلام والمسلسلات التي يشاهدونها في التلفاز.