منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آية وغاية

آية وغاية/ بقلم الأستاذ سعيد ضياء

0

آية وغاية

بقلم: الأستاذ سعيد ضياء

الحمد لله ما حجّ ضيوفُ الرحمان واعتمروا، الحمد لله ما لبسوا ثوب الإحرام وبه استتروا، الحمد لله ما طوّفوا بالبيت العتيق فهلّلوا و كبّروا، الحمد لله ما شربوا من ماء زمزم فتضلّعوا و تطهّروا، الحمد لله ما سعوا بين الصفا و المروة ثمّ حلقوا أو قصّروا، الحمد لله ما وقفوا بعرفاتٍ فأنابوا و استغفروا، الحمد لله ما رموا جمرة العقبةِ ثم ذبحوا أو نحروا، الحمد لله ما لمعت لأعينهم القبّة الخضراء و الُحجر، و أشهد أن لا إله إلا الله و الله أكبرُ، و أشهدُ أنّ سيدنا و حبيبنا محمّدا عبده و رسوله الأتقى الأنقى الأطهرُ…اللهمّ صلّ عليه و على آله و صحبه خير من حجّوا و اعتمروا.

وبعد،

يقول ربّنا عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اَ۬للَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ اِ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍۖ (36) ا۟ذِنَ لِلذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌۖ (37) اِ۬لذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيٰ۪رِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ اِلَّآ أَنْ يَّقُولُواْ رَبُّنَا اَ۬للَّهُۖ وَلَوْلَا دِفَٰعُ اُ۬للَّهِ اِ۬لنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٖ لَّهُدِمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَ۪سْمُ اُ۬للَّهِ كَثِيراٗۖ وَلَيَنصُرَنَّ اَ۬للَّهُ مَنْ يَّنصُرُهُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌۖ (38) اِ۬لذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ أَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَلِلهِ عَٰقِبَةُ اُ۬لُامُورِۖ(39)[1]

تستضيفنا اليوم سورة الحجّ على ضفافها المونقة، وبساتينها المورقة، ورياضها المغدقة. فبين مقدّمة عنيفة محرقة مقلقة، وخاتمة دافئة مشرقة، هناك مساحات مذكّرة مشوّقة.

وقد استهلّت السورة بمقدّمة عنيفة مخيفة…نشعر بوقع كلماتها على الآذان، وبشدّة مشاهدها على الجنان: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُۥٓۖ إِنَّ زَلْزَلَةَ اَ۬لسَّاعَةِ شَےْءٌ عَظِيمٞۖ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى اَ۬لنَّاسَ سُكَٰر۪ى وَمَا هُم بِسُكَٰر۪ى وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اَ۬للَّهِ شَدِيدٞۖ (2)[2]

فها هي ذي القيامة قد قامت، والشمس كوّرت، والنّجوم انكدرت، والكواكب انتثرت، والجبال سيّرت، والبحار سجّرت وفجّرت، والسماء انشقّت، والأرض زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها ومن هول ذلك ذهلت المرضعة عن رضيعها، ووضعت الحامل حملها قبل أوانه، ويتمايل النّاس كأنّهم سكارى وما هم بسكارى ولكن هول المطلع شديد.

افتُتِحت السورة بنداء عامّ لكلّ النّاس﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُۥ﴾ و اختُتِمت بنداء عام أيضا ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَاسْتَمِعُواْ لَهُۥٓۖ،﴾، ثم كان مسك ختامها ذاك النداء الرحيم الخاص للمؤمنين، الحاثّهم على العبادة، الدّاعيهم للجهاد، و المطمئن لهم بأنّ الله عز وجلّ معهم و أن العاقبة لهم.

الآيات التي بين أيدينا تسلط الضوء على سنّة عظيمة من سنن الله في الكون و هي سنّة التدافع، وهي من السنن الكونية التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، ولا تتخلّف ولا تتحوّل. ﴿سُنَّةَ اَ۬للَّهِ فِے اِ۬لذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اِ۬للَّهِ تَبْدِيلاٗۖ(62) [3]

و قد جاءت هذه الآيات بعدما ذكر لنا ربّنا –سبحانه- جزءا من قصّة إعادة بناء البيت العتيق بعد الطوفان الذي أصاب الأرض زمان سيدنا نوح عليه السلام. وذكّرنا -سبحانه- ببعض شعائر الحجّ التي يجب تعظيمها وتحقيق المراد منها.

وابتدأت الآيات بتطمين المؤمنين وإخبارهم بأنّه -سبحانه- سيدافع عنهم. ثمّ بعد ذلك أذن لهم بالقتال ولم يكن قد أذن لهم من قبل.

فقد تعرضت الجماعة المؤمنة في بداية تأسيسها للعديد من الضغوطات، ومورست عليها شتى أنواع المضايقات، وأذاقها المشركون أشدّ ألوان التعذيب والترهيب. واستعمل صناديد الكفر كلّ ما في أيديهم من قوة عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية لجعل الحقّ في الأعين باطلا، واستخفوا قومهم وأظهروا لهم النور الذي جاء به مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ظلمة وديجورا، وغُبْسة وشرّا.

لم يتورّع المجرمون عن فعل مشين إلاّ و فعلوه، و لاسوء إلاّ و ارتكبوه، و لم يرقبوا في هؤلاء المؤمنين المستضعفين إلاًّ و لا ذمّة…واسألوا بلالا وعمّارا وخبّابا…واسألوا سمية وياسرا ومصعبا…اسألوهم عن ألوان التعذيب وأشكال الترهيب التي تعرّضوا لها…اسألوا سعدا بن أبي وقاص عن معاناتهم خلال سنوات الحصار…اسألوا فاطمة عليها السلام عمّا عاناه سيد الأنام…اسألوها عن حملات التشهير و التخويف و الترهيب…اسألوها عن المؤامرات و كيد الليل و النهار طيلة عشر سنوات…اسألوها عن سلا الجزور الذي رمي فوق رسول الله صلى الله عليه و سلّم و هو يصلي…اسألوها عن دموعها و هي تغسل التراب الذي وضعه المجرمون على رأس أبيها…اسألوها عن حمّالة الحطب و زوجها و ما فعلوه بأبيها.

كان المؤمنون إذا اشتدّ عليهم أذى قريش لجأوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسألونه أن يدعو الله لهم…أن يستنصر لهم…فكان صلى الله عليه وسلّم يقول لهم: «قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. »[4]

حتى حينما أسلم سيدنا عمر وسيدنا حمزة رضي الله عنهما وشعر المؤمنون بدفء قوتهما، لم يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالانتقال إلى مرحلة القتال.

فالمسألة ليست مسألة مشاعر ثائرة، أو انتفاضة عابرة، أو اشمئزاز نفسي من وضع يشعر فيه الواحد منهم بالظلم فيقوم من تلقاء نفسه لينتقم.!

إنّها صحبة وجماعة، وتربية وطاعة، وشورى وإذن…. إنها قومة تحتاج إلى تربية و تنظيم وإعداد القوة اللازمة.

هذه الجماعة الأولى بقيادة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يكن لها الحقّ أن تجتهد اجتهادها البشري، فقد كانت عناية الله وتوجيهاته –سبحانه- تسوقهم بحكمة بالغة إلى الغاية المرجوّة…لقد كانوا نموذجا للاحتذاء، ومثالا للاقتداء، لكلّ من سيأتي بعدهم من جماعات مؤمنة إلى قيام الساعة.

لكن بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنوّرة، وتأسيس الدّولة الإسلامية، وإكمال الصحابة -رضوان الله عليهم – للبرنامج التربوي الذي شرّعه الله تعالى وسهر على تنفيذه مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- على مدى ثلاث عشرة سنة، أذن الله تعالى لهم بالانتقال من مرحلة المراغمة السلمية إلى مرحلة المقاومة المسلّحة.

﴿ا۟ذِنَ لِلذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌۖ (37)﴾

فيأذن سبحانه لهم بالدفاع عن أنفسهم ويطمئنهم بأنه سيدافع عنهم وسينصرهم. ويعلن الله -عزّ وجلّ- للعالمين عن مظلوميتهم، وحقّهم في الدفاع الشرعي عن دينهم وعقيدتهم وأرواحهم. ثمّ ينبههم –سبحانه- إلى شيء مهمّ جدّا…وهو أن النصر لا يتنزّل من السماء بلا عناء على القاعدين –حتى ولو كانوا أهل عبادة وصفاء، وذكر وتقوى ونقاء-، إنّما النصر للمجاهدين الأكفاء، الذين قدّموا الولاء، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل إعلاء كلمة الله فتهشمت في ذات الله عظامهم، وتناثرت أشلاؤهم، وسالت منهم الدماء.

جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولم يركنوا لأزواج ولا لأبناء.

﴿وَلَوْلَا دِفَٰعُ اُ۬للَّهِ اِ۬لنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٖ لَّهُدِمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَ۪سْمُ اُ۬للَّهِ كَثِيراٗۖ﴾

إلاّ تدفعوهم وتدافعوهم وتقاتلوهم يهدموا أماكن عبادتكم. واكتفى بذكر أماكن العبادة عن غيرها لأهميتها وحرمتها وقدسيتها. هم سيهدمون مساكنكم، سيحرقون بساتينكم، سيذبحون صغاركم، سيقتلون شبابكم وشيوخكم، ولكن مع ذلك كلّ هذا لن يشفي غليلهم، إنّ ما يشفي غليلهم هو هدم أماكن عبادتكم…هو النّيل من مقدّساتكم…

هذا شأن المجرمين في كلّ زمان ومكان، لذلك ذكر كلّ دور العبادة. فالصوامع مخصصة لتعبّد الرهبان، والبيع لعموم النصارى، والصلوات أماكن عبادة اليهود. والمساجد أماكن عبادة المسلمين. وهي كلها معرضة للهدم – على قداستها وتخصيصها لعبادة الله – لا يشفع لها في نظر الباطل شيء، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض.

ورحم الله الإمام القرطبي فقد لوّح بالإشارة ووضّح بالعبارة وكشف الستارة عند تفسيره لهذه الآيات فقال: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات؛ فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوي هذا الأمر في القتال بقوله: ولولا دفع الله الناس الآية؛ أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى، والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه. وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ؛ أي لولا هذا الدفع لهُدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى الصوامع ، والبيع ، وفي زمن محمد – عليه السلام – المساجد [5] «
التاريخ البشري مليء بهذه الانتقامات الوحشية التي طالت دور العبادة و أماكن الصلاة. ذاك أن هدف أعداء الله هو القضاء على بيوت الله في الأرض.

أليست المساجد بيوت الله في هذه الأرض؟ …

أليس يقول سبحانه: ﴿فِے بُيُوتٍ اَذِنَ اَ۬للَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اَ۪سْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالَاصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اِ۬للَّهِ وَإِقَامِ اِ۬لصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ اِ۬لزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوْماٗ تَتَقَلَّبُ فِيهِ اِ۬لْقُلُوبُ وَالَابْصَٰرُ(36) [6]

إن غايتهم هي القضاء على أماكن صنع الرجال، وتربية الرجال.

وأقرب مثال على هذا الحقد الدفين الذي يكنّه أعداء الله لدور العبادة هو ما فعله العدو الصهيوني إلى غاية الآن في قطاع غزة؛ فقد دمّر مساجد غزة وهي حوالي 1200 مسجد، ودمّر معها –دون استثناء- ثلاث كنائس مسيحية توجد بالقطاع.

وحتى تظهر نيته الحقيقية من الهدم، اغتال حوالي مائة داعية.

﴿لَّهُدِمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَ۪سْمُ اُ۬للَّهِ كَثِيراٗۖ﴾

لَّهُدِمَتْ: من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. ولننتبه إلى أمر مهمّ هنا. فالهدم على نوعين: هدم المبنى وهدم المعنى. فالكفار الذين يظهرون عداوتهم للإسلام يهدمون المبنى برمته ويقتلون العالم والإمام والخطيب والداعية، ويسعون لاستئصال شأفة الإسلام دون مناورة. وأنى لهم ذلك!

 لكن المنافقين الذين لا يجاهرون بعداوتهم للإسلام والمسلمين- في أوروبا وأمريكا وغيرهما من قارات الكوكب-، هؤلاء لا ينقضون المبنى. بل على العكس من ذلك، هؤلاء يبنون المساجد كأحسن ما تبنى، ويزخرفونها، ويفرشونها، لكنهم يهدمون معناها، ويزهقون روحها، ويطردون عالمها، ويستعملون خدّامهم، ويوظفون فيها أتباعهم، وينصبون فيها أئمة يسبّحون بحمد السلطان لا بحمد الرحمان… أئمة موَجّهون لا موجِّهين.

فالبناء بناء مسجد، والروح روح السوق.

﴿وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَ۪سْمُ اُ۬للَّهِ كَثِيراٗۖ﴾ وهذه إشارة لبيبة إلى أنّ المساجد خصوصا-ودور العبادة عموما- هي أماكن لذكر الله…لا لذكر سواه. هي بيوت بنيت بإذن من الله، فهي ساحات نورانية تخرج بمن يدخلها -صدقا وعدلا- من هوس الدنيا إلى نعيم الآخرة. إنها مساحات أرضية مباركة يحوّلها الذكر الكثير إلى رياض من رياض الجنة…وهذه الجنّة الدنيوية هي مفتاح الجنّة الأخروية، فمن لم يلج هذه لن يلج الأخرى.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اَ۬للَّهُ مَنْ يَّنصُرُهُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌۖ (38)﴾ إنها بشارة تلو البشارة، فبعدما قال لهم بأنه سبحانه يدافع عن الذين آمنوا به واتبعوا منهاج نبيه، وأعطاهم الإذن بالانتقال من مرحلة التربية والتنظيم، إلى مرحلة الزحف والقتال، ها هو ذا سبحانه -وهو الذي لا يخلف الميعاد- يؤكّد لهم بأنه ناصرهم لا محالة…نعم قد يتأخر هذا النصر لحكمة يعلمها هو جلّ جلاله، لكن أبدا لن يخذلهم، وسينصرهم في الوقت المناسب نصرا يفرحون به أيما فرح. فهو سبحانه القوي أي القادر، العزيز أي الجليل الشريف الممتنع الذي لا يرام.

﴿اِ۬لذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ أَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَلِلهِ عَٰقِبَةُ اُ۬لُامُورِۖ(39)هؤلاء الذين سننصرهم و سنمكّن لهم في الأرض، سيكونون عبادا خالصين لنا؛ سيقيمون الصلاة، و سيؤتون الزكاة، و سيأمرون بالمعروف، و سينهون عن المنكر.

وتبقى الرسالة الأكيدة التي ترخي بظلالها على من يقرأ هذه الآيات هي أنّ الله تعالى يقول لنا: ” أنا معكم…أنا سأدفع وأدافع عنكم…لكن عليكم أن تجاهدوا بأموالكم وأنفسكم…عليكم أن تقاتلوا عدوكم…لا تنتظروا منّي نصرا يتنزل عليكم من السماء بلا ثمن ولا عناء…لا تنتظروا أن يُتخطّف أعداؤكم من حولكم وأنتم قاعدون في سلامة ورخاء، متوجهون إليّ بالصلاة والتلاوة والذكر والدعاء، لا …لا…حتى تقطّع منكم الأطراف، وتسيل الدماء…ستعبدونني وستذكرونني وستتلون آياتي تتسلحون بها لمواجهة الأعداء…لكنّكم ستحملون السلاح و تقاتلون عدوكم و أنتم عليهم أشدّاء…و ستنتظرون النصر منّي –لا متى تشاؤون- بل متى أشاء. فإذا ما نصرتكم بقيتم على عهدي أوفياء”.

وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وإمام الأولياء، وعلى آله وصحبه الطيبين الأوفياء، وعلى من تبعهم بإحسان من الصالحين والأتقياء.


(سورة الحج- آية: 36-39).[1]

(سورة الحج- آية: 01-02).[2]

(سورة الأحزاب- آية: 62).[3]

(رواه البخاري عن سيدنا خباب بن الأرت – 6943 ).[4]

(انظر تفسير القرطبي لسورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دِفَٰعُ اُ۬للَّهِ اِ۬لنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٖ لَّهُدِمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَ۪سْمُ اُ۬للَّهِ كَثِيراٗۖ﴾ ).[5]

(سورة النور- آية: 36).[6]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.