منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في قصيدة”خاتم الرسل”لجاك صبري شماس

الدكتور احمد بوعود

0

قراءة في قصيدة “خاتم الرسل”لجاك صبري شماس

الدكتور احمد بوعود

شاعر نصراني يمدح النبي محمدا صلى الله عليه وسلم

يحدثنا التاريخ عن شعراء نصارى منصفين مدحوا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم، معترفين له بالنبوة والرسالة، وبخصال الصدق والأمانة والإنسانية. وما أحوجنا اليوم إلى بعث هذا الشعر وإظهاره للناس لنثبت أن الأصل هو الحوار والتواصل والتعايش لا التصادم والتطاحن والإساءة. وما أحوجنا خاصة إلى الوقوف عند هذه القصائد بالدرس والتحليل عندما تشتد الإساءة إلى أنبياء الله ودينه عزوجل.

ويعتبر ورقة بن نوفل أول من ينبغي ذكره هنا بقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لَجَجْتُ وَكُنْتُ فِي الذّكْرَى لَجُوجًا …  لِهَمٍّ طَالَمَا بَعَثَ النّشِيجَا

بِأَنَّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فِينَا …  وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُون لَهُ حَجِيجًا

وفي العصر الحديث نذكر خليل مطران (1949) بقوله:

هَــلَّ الهِــلاَلُ فَــحَــيُّوا طَــالِعَ الْعِــيــد …  حَـيُّوا الْبَـشِـيـرَ بِـتَـحْـقِـيـقِ الْمَـوَاعِـيـدِ

يَـا أَيُّهـَا الرَّمْـزُ تَـسْـتَـجْلِي الْعُقُولُ …  بِهِ لِحِــكْــمَــةِ اللهِ مَــعْــنَــى غَـيْـرَ مَـحْـدُودِ

كَـــأَنَّ حُـــسْـــنَـــكَ هَــذَا وَهْــوَ رَائِعُــنَــا … حُــسْــنٌ لِبِــكْــرٍ مِــنَ الأَقْــمَــارِ مَــوْلُودِ

ونذكر أيضا الشاعر جورج بن ميشيل سيلستي (1968) بقوله:

أقبلتَ كالفجر وضَّاحَ الأسارير …  يفيض وجهُكَ بالنعماء والنورِ

على جبينك فجرُ الحقِّ منبلجٌ …  وفي يديك جرت مقاليدُ المقادير

كما يمكننا ذكر الشاعر إلياس فرحات (1976) بقوله:

غَمَرَ الأَرْضَ بِأَنْوَارِ النُّبُـوَّة …  كَوْكَبٌ لَمْ تُدْرِكِ الشَّمْسُ عُلُـوَّهْ

لَمْ يَكدْ يَلْمَعُ حَتَّى أَصْبَحَتْ … تَرْقُبُ الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا دُنُـوَّهْ

ثم الشاعر إلياس قنصل (1981) بقوله:

رضاء الله ما كنت تطلب … فهل لك بعد الآن يا قلب مأرب

أنا اليوم في أرض النبوة والتقى …  يجللني من هالة الوحي كوكب

وفي زماننا هذا نجد هذا النموذج المتميز، جاك صبري شماس، وهو شاعر سوري من مواليد الحسكة عام 1947، حاصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة حلب عام 1974م. عمل مدرسا لمادة اللغة العربية في المدارس السورية حتى التقاعد، وتوفي عام 2017.

نظم الشاعر جاك صبري شماس قصيدة خاتم الرسل، ليتقدم بها إلى مسابقة البردة بالإمارات. ومما قاله عنها معبرا عن دهشته من الاحتفاء الإعلامي الكبير بها: “أنا ثقافتي عربية إسلامية، وإذا مدحت الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك لأني أحبه… كيف لي ألا أحب إنسانا بهذا المستوى النبيل من الإنسانية والخلق؟ … لقد نشر محمد صلى الله عليه وسلم عقيدة جميلة ونبيلة وتدعو إلى الإنسانية، فثقافتنا العربية الإسلامية تدفعنا إلى حب هذا النموذج الرائع”.

فما هي إذن أهم قضايا قصيدة خاتم الرسل؟

1- نصرانية وإيمان بخاتم الرسل

يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

يممتُ (طهَ) المُرْسَل الروحانـي ** ويُجلُّ (طه) الشاعـرُ النصرانـي

يا خاتمَ الرسل الموشـح بالهـدى ** ورسـول نبـلٌ شامـخ البنيـان

في هذين البيتين يقر الشاعر بنصرانيته ويتجلى هذا في وصف نفسه ب (الشاعر النصراني)، وفي نفس الوقت يعترف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه خاتم الرسل، وهذا ما يمكن استفادته من كلمات (المرسل، خاتم الرسل، رسول). ولا شك أن القارئ هنا سيتساءل: ما دام الشاعر يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبأنه خاتم الرسل فلماذا لم يؤمن به وبالإسلام؟

يبدو أن الشاعر جاك صبري شماس يؤمن بما يسمى بالتعددية الدينية، ومفادها أن كل الأديان صحيحة، وكلها تبين طريقا مختلفا، وغايتها غاية واحدة هي الإيمان بالله.

2- حب العربية والقرآن والإنجيل

يقول شماس:

ونذرت روحـي للعروبـة هائمـاً ** بالضـاد والإنجيل والـقـرآن

آخيت (فاطمة) العروبة في دمـي ** وعفاف (مريم) في فـؤاد كيانـي

إن هذه الأبيات تؤكد ما سبق، ومن خلالها يحاول الشاعر أن يبين أن الدينين الإسلامي والنصراني دينان لا يمكن أن يكونا إلا متآخيين، وكذلك، على معتنقيهما أن يكونوا متآخين. لقد جعل الشاعر حب العربية والإنجيل والقرآن أمرا واحدا.

3- إساءة الغرب للنبي صلى الله عليه وسلم لن تنال منه شيئا

يتذكر الشاعر إساءات الغرب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم للطعن فيه وفي شريعة الإسلام، وهي إساءات تعددت أشكالها وتنوعت أساليبها على مر التاريخ، ولعل وقتنا هذا خير دليل على ذلك نظرا للتطور التكنولوجي والتقدم الإعلامي، لكن الشاعر شماس يبين هنا أن تلك الإساءات لن تنال شيئا مما تريده، بل ستبقى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فاعلة مؤثرة وسيتواصل نورها. وقد شبه الشاعر أفعال الإساءات هذه بفعل حجب الشمس بالغربال. يقول:

مهما أساء الغـرب فـي إيلامـه ** لـم يـرق هـون للنبـي البانـي

لا يحجب الغربـال نـور شريعـة ** ويظـل نـورك طاهـراً روحانـي

4- إعجابه بشخص محمد صلى الله عليه وسلم وولاؤه له

إن الإعجاب بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس شيئا غريبا عن غير المسلمين، فكثير من النصارى واليهود وحتى الملحدين عبر التاريخ أبدوا إعجابهم بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، ولكن إعجابهم هذا غالبا ما كان يعزل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوحي وعن عناية الله به، لكن الشاعر جاك صبري شماس مع إعجابه هذا لم يفصل النبي محمدا عن الوحي الإلهي. لذا، ينبغي التأكيد هنا أن شخصية النبي محمدا صلى الله عليه وسلم إنما تتجلى فيها عناية الله به ليؤهله لحمل الأمانة، وهذا ما تجلى في لقب قومه له بالأمين قبل البعثة. لقد كان لهذه المناقب النبوية كبير الأثر في نفوس الناس وهدايتهم إلى الإسلام وإخراجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى نور العدل والتوحيد. يقول الشاعر:

ماذا أسطر فـي نبـوغ (محمـد) ** قـاد السفيـن بحكمـة وأمــان

ومآثر الإسلام فـي سفـر الهـدى ** درب النجـاة وشعلـة الفرقـان

5- ذوده عن النبي صلى الله عليه وسلم بشعره

يخبرنا الشاعر بعد هذا أنه ندب شعره للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، مهما كلفه ذلك من ثمن، وحتى لو كان جزاء ذلك قطع لسانه من قبل أعداء النبي، والسر في هذا هو حبه الشديد له. يقول:

وأذود عنـك مولـهـاً ومتيـمـاً ** حتى ولو أجـزى بقطـع لسانـي

أكبرت شأوك في فصيـح بلاغتـي **وشغاف قلبـي مهجتـي وبيانـي

6- الإقرار بتسامح النبي صلى الله عليه وسلم وبتسامح شريعة الإسلام

وينتقل بنا الشاعر إلى قضية هي من أكثر القضايا تداولا اليوم، وهي قضية التسامح بين أهل الأديان، ليسجل اعترافا بتسامح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه هنا يستعرض أمام عينيه صورا من سيرته صلى الله عليه وسلم في تسامحه وحلمه وعفوه وغفرانه مع الناس أجمعين، أيا كان دينهم. وما دام الشاعر نصرانيا فهو يؤكد تسامح النبي صلى الله عليه وسلم مع النصارى وتقديره لهم. يقول:

وتسامـح يزهـو ببـرد فضيلـة ** وشمائـل تشـدو بسيـب أغـان

أغدقت للعـرب النصـارى عـزة ** ومكانـة ترقـى لـشـمِّ مـعـان

ويكفي أن نذكر هنا تسامح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران بتمكينهم إقامة الصلاة بالمسجد النبوي وهم على كفرهم بنبوته وشركهم لقولهم بالتثليث وعبادة الصليب. وليس هذا فقط، بل احترم النبي الكريم عقائدهم وما يدينون به وهو مؤمن ومتيقن أن ذلك باطل عند الله، فسمح لهم بتأدية صلاتهم التي تخالف صلاة المسلمين، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون.

7- النبي صلى الله عليه وسلم يحسن تربية المسلمين

ويبين جاك صبري شماس عمق تأثير التربية النبوية في وجدان المسلمين وسلوكهم، كما يبين مستوى التغيير الذي أحدثه الإسلام، حيث انتقل بهم من حالة يسودها الثأر والانتقام والهيجان إلى حالة ملؤها الحكمة والرفق والسلام، كما ربى بسلوكه صحابته والمسلمين على التعايش السلمي ومشاركة الإنسانية همومها وآلامها. يقول:

وأنـرت دربـاً ناضـراً برسالـة ** مسك الرسـول وخاتـم الأديـان

وزرعت في قلب الرعيـة حكمـة **شماء تنطق فـي نـدى الوجـدان

إن التربية النبوية هاته كانت محط إعجاب وإشادة من قبل كثير من المستشرقين، بما أحدثته من نقلة نوعية في سلوك المسلمين. وتحضرني هنا الباحثة في الأديان كارين أرمسترونغ التي خلصت في كتابها محمد صلى الله عليه وسلم نبي لزماننا إلى أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى تعاليم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

8- وللأقصى حظه

ولا ينسى الشاعر شماس الأقصى والقدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين، لما لهما من قيمة ومكانة في قلوب المؤمنين، كما يعتبرهما موطن جهاد على مر التاريخ. يقول:

ويكَحَّل الأقصـى بـروح مجاهـد ** والقدس تزهو فـي قـلاع أمـان

أستصرخ (اليرموك) في ألق الوغى ** شمخت صموداً في رحى الميـدان

وتربعت عرش البطولـة والفـدى **ونمت علـى شفـة وكـل لسـان

9- ختم ورجاء

ثم يختم الشاعر النصراني قصيدته برجاء تقشعر له الأبدان، رجاء من كل من زائر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه سلامه، فيقول:

وإذا قرأتـم للـرسـول تحـيـة ** فلتقـرؤوه تحـيـة النصـرانـي

إن قراءة هذه القصيدة تلخص قضايا سيرة نبينا محمد ومعالمها الإنسانية، كما تفتح القلوب على حبه وتقديره واحترامه وتجعله قدوة للاقتداء والاهتداء صلى الله عليه وسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.