كينونة تنبض (قصة قصيرة)
بقلم: نور الدين متوكل
في ركن غرفة بئيسة، جلست ليلى على كرسي مهترئ تندب حظها التعس. راودتها أفكار وردية عن الأحياء والأموات ..نسيت ما ألم بها من أحزان وخطوب، وراحت بخيالها بعيدا تجوب دروب الحياة وما استجد فيها من أنغام وألغام ..اهتز خريف قلبها، وتساقطت أوراقه على أرض ذكرياتها بفعل سطوة الريح الغادرة المدمرة التي تدمر كل شيء.
حاولت ليلى مقاومة تقلبات الخريف وعنفه، لكنها انهارت أمام طغيانه الجارف، راودتها أسئلة وحكايات عن ركوب الجمال والخيول والسيارات، والتسلي في المنتزهات وحدائق الحيوانات، تذكرت السباع البشرية التي اغتصبت أنوثتها، وافترست أحلامها بلا شفقة ولا رحمة، وداست كرامتها، وأهدتها أصنافا من الحرمان لترسم تجاعيد الحرمان على محياها ..بركان من الغضب يفتت أحشاءها المنكوبة ويمزق أوصالها .
أخذت قلما وورقة بيضاء، وبدأت ترسم لوحة الظل والضوء، إنها فنانة بسيطة لا تهمها الأشكال والرموز المعقدة في الفن، إنها ترسم نفسها وذاكرتها ومخاوفها وأحلامها ببساطة وعفوية. كان الرسم الملاذ الدائم لآهاتها الجريحة ولأمنياتها المليحة، عشق جنوني، لذة لا تعدلها لذة ..إنه الباعث الحقيقي لانتفاضتها،في كل يوم تعانقه، وتحكي له عن الالتواءات التي تعترض سبيلها، وعن تقلبات الخريف التي تهدد أعشاش طيورها وأشجار مرابعها ..عناق وجداني عاطفي قل نظيره يرفع الإنسان والمكان إلى المقامات العلوية الباذخة.
انهمرت الدموع من مقلتيها فبللت الكرسي المنكوب، تنهدت وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء وأحلامها تختنق في صدرها، والأشباح المنتصبة في عمق خيالها تطارد وجودها .هالها الموقف واقشعر جسدها ،تسمرت في مكانها مذهولة لا تحرك ساكنا ،وملامح وجهها تشي بلوعة الحزن المميت.
وبعد تفكير عميق، قررت القيام بنزهة في الغابة المجاورة لبيتها. جلست قرب نهر كثير الجريان ،مذعنة لعمق المسافة بين آهاتها التواقة للتخلص من الرداءة وطول الانتظار، وبين أصوات حوافر الخيل المدوية في كل مكان غير مستسلمة للرحيل. تذكرت طفولتها البريئة يوم كانت تعيش مع والديها قرب هذا النهر ،تذكرت العطف والحنان والحب المفعم بكل معاني الحياة السعيدة ..أحست بنشوة رائعة تلامس تلابيب روحها وتدغدغ أوتار قلبها. هناك نسيت ما وقع لها من أحداث جسام بعد وفاة والديها ومعانقتها لليتم والحرمان .تنفست بعمق ،وأصبحت تشعر بكينونتها تنبض من جديد …