درسٌ في الــوضــوء (قـصّــة قــصـيـرة)
درسٌ في الــوضــوء (قـصّــة قــصـيـرة)/ عبد الهادى المهادي
درسٌ في الــوضــوء (قـصّــة قــصـيـرة)
بقلم: عبد الهادى المهادي
بعد أن كتبَ على السّبورة تاريخ اليوم، وأثبت عنوان الدّرس، وقف الأستاذ سعيد أمام تلامذته يبني معهم الخطوات المنهجية التي ستجعلهم في النهاية متمكّنين من إدراك “نواقض الوضوء”. رسم على وجهه مزيدا من علامات الجدّ والوقار، باعثا بتهديد لكل من يمكن أن تسوّل له نفسه المشاغبة أو التغامز، كان يعرف أنّ جُملة واحدة في هذا الدّرس ستشجّع البعض على الضّحك، وهو لا يكره شيئا مثلما يكره ذلك أثناء تقديمه للدّرس. دائما ما كان يقول لهم: يجب أن تفرّقوا بين وقت الجد ووقت الهزل، والويل لمن يخلط بينهما.
انطلق في طرح الأسئلة والشّرح والتحليل إلى أن وصل إلى الجملة المشكلة. وقبل أن يكتبها على السّبورة زاد من رسم صورة الصّرامة على وجهه إلى حدّ التّجهّم.
قال سريعا: جميعكم يعرف معنى هذه الجملة، هي واضحة ومفهومة ولا داعي لمزيدٍ من الشّرخ.
جال ببصره على وجوه تلك الشياطين الصغيرة التي كانت تتربّص منتظرة أية فرصة لتفجير القسم ضحكا وتنكيتا، توقّفت عيناه عند حسّان، كان تلميذا مُتعثّرا في تعلّماته، كسولا كما يصفه زملاؤه. فجأة، وفي لمح البصر، وجد سعيد نفسه مدفوعا برغبة غريبة، رغبة لا يتذكر أنها فرضت نفسها عليه كما تفعل اليوم، وبسرعة وجد لها عقله مُسوّغا تربويا.
انطلق سؤاله على عكس ما أراده منذ بداية الدّرس: حسّان، هل تعرف معنى “خروج الرّيح”؟
وكمن يحلّ تمرينا بسيطا أقلّ من عمره ردّ حسّان بثقة عالية وهو يعتقد أنّ فرصة مواتية قبض عليها ليثبت لأصدقائه بأنه يعرف الكثير على عكس ما يظنّون به: هي العاصفة أَأُساذ، قال بفخامة !
انفجر القسم بالقهقهة، واختلط الحابل بالنّابل، بينما وقف سعيد وسط كلّ ذلك الهرج واضعا رأسه بين كفيه وابتسامة واسعة على وجهه. انتظر حتى هدأت الأجواء داخل حجرته، وأشار بيديه دلالة على انتهاء زمن السّيرك، ثمّ أومأ لأحد التلامذة الذي يعرف جّيدا أنه فهم معنى تلك الجملة وقال له: اِذهب إليه، واشرحها له.
قام عماد بسرعة وتوجّه إلى صديقه بثقة كقائد عسكريّ كُلّف بفتح مدينة، بينما وقف سعيد يراقب المشهد بمكر. انحنى على أذنه، ومن المؤكّد أنّه شرحها له باللغة الدّارجة. أصيب حسّان بدهشة حقيقية حتى بانت على مُحيّاه علامات الصّدمة، لقد أدرك المسكين كم هو بَلِهٌ وبليد، وأنّ العالم بإنسه وجنّه جلس يتفرّج على حُمقه.
ومنذ تلك اللحظة صار مشهورا بـ “العاصفة”؛ العفاريت استبدلوا اسمه بسرعة. وبعد أسبوعين، أُخبر سعيد، ذات صباح، من قبل الإدارة، أنّ تلميذه حسّان قد غادر نحو مدرسة أخرى.